إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود

عن الكتاب
﴿إِذْ تَقُولُ﴾ تلوينٌ للخطاب بتخصيصه برسول الله ﷺ لتشريفه والإيذانِ بأن وقوعَ النصرِ كان ببشارته عليه السلام ﴿لَهُمْ﴾ وإذ ظرفٌ لنصَرَكم قدِّم عليه الأمرُ بالتقوى لإظهار كمالِ العنايةِ به، والمرادُ به الوقتُ الممتدُ الذي وقع فيه ما ذكر بعده وما طُويَ ذكرُه تعويلاً على شهادة الحالِ مما يتعلق به وجودُ النصرِ، وصيغةُ المضارعِ لحكاية الحالِ الماضيةِ لاستحضار صورتِها أي نصركم وقت قولك :﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ حين أظهروا العجزَ عن المقاتلة. قال الشعبي : بلغ المؤمنين أن كُرْزَ بنَ جابرٍ الحنفي يريد أن يُمِدَّ المشركين فشق ذلك على المؤمنين فنزل حينئذ ثم حكي هاهنا ﴿أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ ربكم بثلاثة آلافٍ﴾ الكفايةُ سدُّ الخَلّةِ والقيامُ بالأمر، والإمدادُ في الأصل إعطاءُ الشيءِ حالاً بعد حال. قال المفضّل : ما كان منه بطريق التقويةِ والإعانةِ يقال فيه : أمَدَّه يُمِدُّه إمداداً وما كان بطريق الزيادة يقال فيه : مَدَّه يمُدّه مداً ومنه ﴿والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [ لقمان، الآية ٢٧ ] وقيل : المَدّ في الشر كما في قوله تعالى :﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ﴾ [ البقرة، الآية ١٥ ] وقولِه :﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً﴾ [ مريم، الآية ٧٩ ] والإمدادُ في الخير كما في قوله تعالى :﴿وأمددناكم بأموال وَبَنِينَ﴾ [ الإسراء، الآية ٦ ] والتعرُّضُ لعنوان الربوبية هاهنا وفيما سيأتي مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لإظهار العنايةِ بهم والإشعارِ بعلةِ الإمداد، والمعنى إنكارُ عدمِ كفايةِ الإمدادِ بذلك المقدار ونفيُه. وكلمة ﴿لَنْ﴾ للإشعار بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر لضعفهم وقلّتِهم وقوةِ العدوّ وكثرتهم ﴿مِنَ الملائكة﴾ بيانٌ أو صفة لآلافٍ أو لما أُضيف إليه أي كائنين من الملائكة ﴿مُنزَلِينَ﴾ صفةٌ لثلاثةِ آلافٍ ثم خمسةِ آلافٍ. وقرئ مبنياً للفاعل من الصيغتين أي مُنزِلين النصرَ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى