البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الفور : العجلة والإسراع.
تقول : اصنع هذا على الفور.
وأصلُه من فارت القدر اشتد غليانها، وبادر ما فيها إلى الخروج.
ويقال : فار غضبه إذا جاش وتحرك.
وتقول : خرج من فوره، أي من ساعته، لم يلبث استعير الفور للسرعة، ثم سميت به الحالة التي لا ريب فيها ولا تعريج على شيء من صاحبها.
الخمسة : رتبة من العدد معروفة، ويصرف منها فعل يقال : خمست الأربعة أي صيرتهم في خمسة.
﴿إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين﴾ رتب تعالى على مجموع الصبر والتقوى وإتيان العدد من فورهم إمداده تعالى المؤمنين بأكثر من العدد السابق وعلّقه على وجودها، بحيث لا يتأخر نزول الملائكة عن تحليهم بثلاثة الأوصاف.
ومعنى من فورهم : من سفرهم.
هذا قاله ابن عباس.
أو من وجههم هذا قاله : الحسن، وقتادة، والسدي.
قيل : وهي لغة هذيل، وقيس، وغيلان، وكنانة : أو من غصبهم هذا قاله : مجاهد، وعكرمة، والضحاك، وأبو صالح مولى أم هانىء أو معناه في نهضتهم هذه قاله : ابن عطية.
أو المعنى من ساعتهم هذه قاله الزمخشري.
ولفظة الفور تدل على السرعة والعجلة.
تقول : افعل هذا على الفور، لا على التراخي.
ومنه الفور في الحج والوضوء.
وفي إسناد الإمداد إلى لفظة ربكم دون غيره من أسماء الله إشعارٌ بحسن النظر لهم، واللطف بهم.
وقرأ الصاحبان والأخوان مسوّمين بفتح الواو، وأبو عمرو وابن كثير وعاصم : بكسرها.
وقيل : من السومة، وهي العلامة يكون على الشاة وغيرها، يجعل عليها لون يخالف لونها لتعرف.
وقيل : من السوم وهو ترك البهيمة ترعى.
فعلى الأول روي أن الملائكة كانت بعمائم بيض، إلا جبريل فبعمامة صفراء كالزبير قاله : ابن إسحاق، والزجاج.
وقيل : بعمائم صفر كالزبير قاله : عروة وعبد الله ابنا الزبير، وعباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير، والكلبي وزاد : مرخاة على أكتافهم.
قيل : وكانوا على خيل بلق، وكانت سيماهم قاله : قتادة، والربيع.
أو خيلهم مجزوزة النواصي والأذناب، معلمتها بالصوف والعهن.
قاله : مجاهد.
فبفتح الواو ومعلمين، وبكسرها معلمين أنفسهم أو خيلهم.
ورجح الطبري قراءة الكسر، بأنه عليه الصلاة والسلام قاله يوم بدر :« سوّموا فإن الملائكة قد سوّمته » وعلى القول الثاني : وهو السوم.
فمعنى مسوِّمين بكسر الواو : وسوّموا خيلهم أي أعطوها من الجري والجولان للقتال، ومنه سائمة الماشية.
وأما بفتح الواو فيصح فيه هذا المعنى أيضاً، قاله : المهدوي وابن فورك.
أي سوّمهم الله تعالى، بمعنى أنه جعلهم يجولون ويجرون للقتال.
وقال أبو زيد : سوّم الرجل خيله أي أرسلها في الغارة.
وحكى بعض البصريين : سوّم الرجل غلامه أرسله وخلى سبيله.
ولهذا قال الأخفش : معنى مسوّميم مرسلين.
وفي الآية دليل على جواز اتخاذ العلامة للقبائل والكتائب لتتميز كل قبيلة وكتيبة عند الحرب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات ضروباً من الفصاحة والبديع :
من ذلك العام المراد به الخاص : في من أهلك، قال الجمهور : أراد به بيت عائشة.
فالاختصاص في : والله سميع عليم، وفي : فليتوكل المؤمنون، وفي : ما في السموات وما في الأرض، وفي : يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء خص نفسه بذلك كقوله :﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ ﴿نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم﴾ وفي ﴿العزيز الحكيم﴾ لأن العز من ثمرات النصر، والتدبير الحسن من ثمرات الحكمة.
والتشبيه : في ليقطع طرفاً، شبه من قتل منهم وتفرّق بالشيء المقتطع الذي تفرقت أجزاؤه وانخرم نظامه، وفي : ولتطمئن قلوبكم شبه زوال الخوف عن القلب وسكونه عن غليانه باطمئنان الرّجل الساكن الحركة.
وفي : فينقلبوا خائبين شبه رجوعهم بلا ظفر ولا غنيمة بمن أمل خيراً من رجل فأمّه، فأخفق أمله وقصده.
والطباق : في نصركم وأنتم أذلة، النصر إعزاز وهو ضد الذل.
وفي : يغفر ويعذب، الغفران ترك المؤاخذة والتعذيب المؤاخذة بالذنب.
والتجوز بإطلاق التثنية على الجمع في : أن يفشلا.
وبإقامة اللام مقام إلى في : ليس لك أي إليك، أو مقام على : أي ليس عليك.
والحذف والاعتراض في مواضع اقتضت ذلك والتجنيس المماثل في : أضعافاً مضاعفة.
وتسمية الشيء بما يؤول إليه في : لا تأكلوا سمَّى الأخذ أكلاً، لأنه يؤول إليه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى