الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري
عن الكتاب
و ﴿بلى﴾ إيجاب لما بعد لن، بمعنى : بل يكفيكم الإمداد بهم، فأوجب الكفاية ثم قال :﴿وإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ﴾ يمددكم بأكثر من ذلك العدد مسوّمين للقتال ﴿وَيَأْتُوكُمْ﴾ يعني المشركين ﴿مّن فَوْرِهِمْ هذا﴾ من قولك : قفل من غزوته وخرج من فوره إلى غزوة أخرى، وجاء فلان ورجع من فوره. ومنه قول أبي حنيفة رحمه الله : الأمر على الفور لا على التراخي، وهو مصدر من : فارت القدر، إذا غلت، فاستعير للسرعة، ثم سميت به الحالة التي لا ريث فيها ولا تعريج على شيء من صاحبها ؛ فقيل : خرج من فوره، كما تقول : خرج من ساعته، لم يلبث. والمعنى : أنهم إن يأتوكم من ساعتهم هذه ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ﴾ بالملائكة في حال إتيانهم لا يتأخر نزولهم عن إتيانهم، يريد : أنّ الله يعجل نصرتكم وييسر فتحكم إن صبرتم واتقيتم. وقرىء :«منزلين » بالتشديد. «ومنزلين » بكسر الزاي، بمعنى : منزلين النصر. و ﴿مُسَوّمِينَ﴾ بفتح الواو وكسرها. بمعنى : معلمين. ومعلمين أنفسهم أو خيلهم. قال الكلبي : معلمين بعمائم صفر مرخاة على أكتافهم. وعن الضحاك : معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الدواب وأذنابها. وعن مجاهد : مجزوزة أذناب خيلهم. وعن قتادة : كانوا على خيل بلق. وعن عروة بن الزبير : كانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء، فنزلت الملائكة كذلك، وعن رسول الله ﷺ أنه قال لأصحابه :« تسوّموا فإنّ الملائكة قد تسوّمت ».