روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً مّنَ الذين كَفَرُواْ﴾ متعلق بقوله تعالى :﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣] وما بينهما تحقيق لحقيته وبيان لكيفية وقوعه، وإلى ذلك ذهب جمع من المحققين وهو ظاهر على تقدير أن يجعل ﴿إذ تقول﴾ [آل عمران: ١٢٤] ظرفاً لنصركم لا بدلاً من ﴿إذ غدوت﴾ [آل عمران: ١٢١] لئلا يفصل بأجنبي ولأنه كان يوم أحد. والظاهر أن هذا في شأن بدر والمقصور على التعليل بما ذكر من البشرى والاطمئنان إنما هو الإمداد بالملائكة على الوجه المذكور فلا يقدح ( ذلك ) في تعليل أصل النصر بالقطع وماعطف عليه، وجوز أن يتعلق بما تعلق به الخبر في قوله سبحانه :﴿وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله﴾ [آل عمران: ١٢٦] على تقدير كونه عبارة عن النصر المعهود والمعلل بالبشارة والاطمئنان إنما هو الإمداد الصوري لا ما في ضمنه من النصر المعنوي الذي هو ملاك الأمر وعموده، وقيل : هو متعلق بنفس الصبر، واعترض عليه بأنه مع ما فيه من الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي هو الخبر، مخل بسداد المعنى كيف لا ومعناه قصر النصر المخصوص المعلل بعلة معينة على الحصول من جهته تعالى، وليس المراد إلا قصر حقيقة النصر كما في الأول أو النصر المعهود كما في الثاني على ذلك، والقول بأنه متعلق بمحذوف والتقدير فعل ذلك التدبير، أو أمدكم بالملائكة ليقطع منقطع عن القبول، والقطع الإهلاك، والمراد من الطرف طائفة منهم قيل : ولم يعبر عن تلك الطائفة بالوسط بل بالطرف لأن أطراف الشيء يتوصل بها إلى توهينه وإزالته، وقيل : لأن الطرف أقرب إلى المؤمنين فهو كقوله تعالى :﴿قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مّنَ الكفار﴾ [التوبة: ١٢٣] وقيل : للإشارة إلى أنهم كانوا أشرافاً، ففي «الأساس » هو من أطراف العرب أي ( من ) أشرافها، ولعل إطلاق الأطراف على الأشراف لتقدمهم في السير، ومن ذلك قالوا : الأطراف منازل الأشراف فلا يرد أن الوسط أيضاً يشعر بالشرف، فالمعنى ليهلك صناديد الذين كفروا ورؤساءهم المتقدمين فيهم بقتل وأسر، وقد وقع ذلك في بدر كما قال الحسن والربيع وقتادة، فقد قتل من أولئك سبعون وأسر سبعون، واعتبار ذلك في أحد حيث قتل فيه ثمانية عشر رجلاً من رؤسائهم قول لبعضهم وقد استبعدوه كما أشرنا إليه.
﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أي يخزيهم قاله قتادة والربيع ومنه قول ذي الرمة :
وقال الجبائي والكلبي : أي يردهم منهزمين، وقال السدي : أي يلعنهم وأصل الكبت الغيظ والغم المؤثر، وقيل : صرع الشيء على وجهه، وقيل : إن كبته يكون بمعنى كبده أي أصاب كبده كرآه بمعنى أصاب رئته، ومنه قوله المتنبي :
والآية محمولة على ذلك، ويؤيد هذا القول أنه قرىء ( و يكبدهم ) وأو للتنويع دون الترديد لوقوع الأمرين ﴿فَيَنقَلِبُواْ خَائِبِينَ﴾ أي فينهزموا منقطعي الآمال فالخيبة انقطاع الأمل، وفرقوا بينها وبين اليأس بأن الخيبة لا تكون إلا بعد الأمل، واليأس يكون بعده وقبله، ونقيض الخيبة الظفر، ونقيض اليأس الرجاء.
( هذا ومن باب الإشارة ) :﴿لِيَقْطَعَ﴾ أي يهلك ﴿طَرَفاً مّنَ الذين كَفَرُواْ﴾ وهم أعداء الله تعالى ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ يخزيهم ويذلهم ﴿فَيَنقَلِبُواْ خَائِبِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٧] فيرجعوا غير ظافرين بما أملوا
﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أي يخزيهم قاله قتادة والربيع ومنه قول ذي الرمة :
| لم أنس من شجن لم أنس موقفنا | في حيرة بين مسرور ( ومكبوت ) |
| لأكبت حاسداً وأرى عدوا | كأنهما وداعك والرحيل |
( هذا ومن باب الإشارة ) :﴿لِيَقْطَعَ﴾ أي يهلك ﴿طَرَفاً مّنَ الذين كَفَرُواْ﴾ وهم أعداء الله تعالى ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ يخزيهم ويذلهم ﴿فَيَنقَلِبُواْ خَائِبِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٧] فيرجعوا غير ظافرين بما أملوا