البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿ولله ما في السموات وما في الأرض﴾ لمّا قدم ليس لك من الأمر شيء، بيَّن أن الأمور إنما هي لمن له الملك، والملك فجاء بهذه الجملة مؤكدة للجملة السابقة.
وتقدم شرح هذه الجملة.
وما : إشارة إلى جملة العالم وما هيأته، فلذلك حسنت ما هنا.
﴿يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾ لما تقدّم قوله : أو يتوب عليهم أو يعذبهم، أتى بهذه الجملة موضحةً أن تصرفاته تعالى على وفق مشيئته، وناسب البداءة بالغفران، والإرداف بالعذاب ما تقدم من قوله : أو يتوب عليهم أو يعذبهم، ولم يشرط في الغفران هنا التوبة.
إذ يغفر تعالى لمن يشاء من تائب وغير تائب، ما عدا ما استثناه تعالى من الشرك.
وقال الزمخشري ما نصه عن الحسن رحمه الله : يغفر لمن يشاء بالتوبة، ولا يشاء أن يغفر إلا للتائبين.
ويعذب من يشاء، ولا يشاء أن يعذب إلا المستوجبين للعذاب.
وعن عطاء : يغفر لمن يتوب إليه، ويعذب من لقيه ظالماً وأتباعه قوله : أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون، تفسير بين لمن يشاء، فإنهم المتوب عليهم أو الظالمون.
ولكن أهل الأهواء والبدع يتصامون ويتعامون عن آيات الله تعالى، فيخبطون خبط عشواء، ويطيبون أنفسهم بما يفترون.
عن ابن عباس من قولهم : يهب الذنب الكبير لمن يشاء، ويعذب من يشاء على الذنب الصغير.
انتهى كلامه.
وهو مذهب المعتزلة.
وذلك أن من مات مصراً على كبيرة لا يغفر الله له.
وما ذكره عن الحسن لا يصح ألبتّة.
ومذهب أهل السنة ؛ أنّ الله تعالى يغفر لمن يشاء وإنْ مات مصرًّا على كبيرة غير تائب منها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات ضروباً من الفصاحة والبديع :
من ذلك العام المراد به الخاص : في من أهلك، قال الجمهور : أراد به بيت عائشة.
فالاختصاص في : والله سميع عليم، وفي : فليتوكل المؤمنون، وفي : ما في السموات وما في الأرض، وفي : يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء خص نفسه بذلك كقوله :﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ ﴿نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم﴾ وفي ﴿العزيز الحكيم﴾ لأن العز من ثمرات النصر، والتدبير الحسن من ثمرات الحكمة.
والتشبيه : في ليقطع طرفاً، شبه من قتل منهم وتفرّق بالشيء المقتطع الذي تفرقت أجزاؤه وانخرم نظامه، وفي : ولتطمئن قلوبكم شبه زوال الخوف عن القلب وسكونه عن غليانه باطمئنان الرّجل الساكن الحركة.
وفي : فينقلبوا خائبين شبه رجوعهم بلا ظفر ولا غنيمة بمن أمل خيراً من رجل فأمّه، فأخفق أمله وقصده.
والطباق : في نصركم وأنتم أذلة، النصر إعزاز وهو ضد الذل.
وفي : يغفر ويعذب، الغفران ترك المؤاخذة والتعذيب المؤاخذة بالذنب.
والتجوز بإطلاق التثنية على الجمع في : أن يفشلا.
وبإقامة اللام مقام إلى في : ليس لك أي إليك، أو مقام على : أي ليس عليك.
والحذف والاعتراض في مواضع اقتضت ذلك والتجنيس المماثل في : أضعافاً مضاعفة.
وتسمية الشيء بما يؤول إليه في : لا تأكلوا سمَّى الأخذ أكلاً، لأنه يؤول إليه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى