الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ : معطوفٌ على " لِيَعْلَمَ " وتكونُ الجملةُ من قولِه :﴿وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ جملةً معترضةً بين هذه العللِ. والتمحيصُ : التخليص من الشيء، وقيل : المَحْص كالفحص، ولكنّ الفحصَ يقال في إبراز شيء من أثناء ما يَخْتلط به وهو منفصل، والمَحْصُ يُقال في إبرازه عمَّا هو متصلٌ به، يقال : مَحَصْتُ الذهبَ ومَحَّصْتُه إذا أزلتُ عنه ما يَِشُوبه من خَبَثٍ. ومَحَصَ الثوبَ : إذا أَزال عنه زِئْبَرَه، ومحص الحَبْلُ أي أخلق حتى ذهب عنه زِئْبَرُه، ومَحَص الظبيُ : عدا، فَمَحَصَ بالتخفيفِ يكون قاصراً ومتعدِّياً، هكذا رَوَى الزجاج هذه اللفظةَ :" الحَبْل "، ورواها النقاش :" مَحَصَ الجملُ " إذا ذهبَ وَبَرُه/ وأَمْلَسَ، والمعنيان واضحان.
وقال الخليل :" التمحيص : التخليصُ من الشيء المَعِيب. وقيل : هو الابتلاءُ والاختبارُ " وأنشد :
رأيْتُ فُضَيْلاً كان شيئاً مُلَفَّفَاًفكشَّفَه التمحيصُ حتى بداليا
وروى الواحدي عن المبرد بسند متصلٍ : مَحَص الحبلُ يَمْحَصُ مَحْصاً إذا ذهب زِئْبَرُه حتى تَمَلَّص، وحَبْلٌ محيصٌ ومليص بمعنى واحد. قال :" يُسْتَحَبُّ في الفرس أن تَمَحَصَ قوائمُه أي : تَخْلُص، وأنشد ابن الأنباري على ذلك يصف فرساً :
صُمِّ النُّسورِ صِحاحٍ غيرِ عاثِرَةٍرُكِّبْنَ في مَحِصاتٍ مُلْتَقَى العَصَبِ
أي : في قوائمَ متجرداتٍ من اللحم ليس فيها إلا العَظْمُ والعَصَبُ والجِلْد. قال المبردُ :" ومعنى قولِ الناس :" مَحِّصْ عَنَّا ذنوبنا " أي أَذْهِبْ ما تعلَّق بنا من الذنوب ". قال الواحدي :" وهذا الذي قاله المبرد تأويلُ المَحَصِ بفتح الحاء وهو واقعٌ، والمَحْص بسكونِ الحاء مصنوعٌ، قال الخليل :" يقال مَحَصْتُ الشيءَ أَمْحَصُه مَحَصاً إذا أَخْلَصْتَه من كلِّ عيب " وفي جَعْلِه تسكينَ الحاءِ مصنوعاً نظرٌ، لأنَّ أهلَ اللغةِ نَقَلُوه ساكنها، وهو قياسُ مصدر الثلاثي. ومَحَصْتُ السيفَ والسِّنان : جَلَوْتُهما حتى ذهب صَدَؤُهما. قال أسامة الهذلي :
وشَقُّوا بمَمْحوص السِّنانِ فؤادَه *** ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي : بمَجْلُوِّ، ومنه استعير ذلك في وَصْفِ الحبل بالملاسَةِ والبَريق. قال رؤبة يصف فرساً :
شديدُ جَلْزِ الصُّلْبِ مَمْحُوصُ السَّوَى ***
والسَّواء : الظهر، قَصَره ضرورةً، سُمِع :" فَعَلْتُه حتى انقطع سَواي " أي ظهري. وقد تقدَّمت مادة " مَحَق " في البقرة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى