معالم التنزيل — البغوي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾. قال أصحاب المغازي : خرج رسول الله ﷺ حتى نزل بالشعب من احد في سبعمائة رجل، وجعل عبد الله بن جبير-وهو أخو خوات ابن جبير- على الرجالة، وكانوا خمسين رجلاً، وقال :" أقيموا بأصل الجبل، وانضحوا عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا، فإن كانت لنا أو علينا فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم، وإنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم " فجاءت قريش وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل، ومعهم النساء يضربن بالدفوف، ويقلن الأشعار، فقاتلوا حتى حميت الحرب، فأخذ رسول الله ﷺ سيفاً فقال :" من يأخذ هذا السيف بحقه، ويضرب به العدو حتى يثخن " فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري، فلما أخذه اعتم بعمامة حمراء وجعل يتبختر فقال رسول الله ﷺ :" إنها لمشية يبغضها الله تعالى إلا في هذا الموضع ". ففلق به هام المشركين، وحمل النبي ﷺ وأصحابه على المشركين فهزموهم. وروينا عن البراء بن عازب قال : فأنا –والله- رأيت النساء يشتددن قد بدت خلاخلهن وأسوقهن رافعات ثيابهن فقال أصحاب عبد الله بن جبير : الغنيمة والله لنأتين الناس، ولنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم. قال الزبير بن العوام : فرأيت هنداً وصواحبها هاربات مصعدات في الجبل، باديات خدامهن ما دون أخذهن شيء، فلما نظرت الرماة إلى القوم قد انكشفوا، ورأوا أصحابهم ينتهبون الغنيمة أقبلوا يريدون النهب. فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة واشتغال المسلمين بالغنيمة، ورأى ظهورهم خالية، صاح في خيله من المشركين، ثم حمل على أصحاب النبي ﷺ من خلفهم، فهزموهم وقتلوهم، ورمى عبد الله بن قميئة رسول اله ﷺ بحجر فكسر أنفه ورباعيته، وشجه في وجهه فأثقله وتفرق عنه أصحابه، ونهض رسول الله ﷺ إلى صخرة يعلوها، وكان قد ظاهر بين درعين فلم يستطع، فجلس تحته طلحة فنهض حتى استوى عليها، فقال رسول الله ﷺ :" أوجب طلحة ". ووقعت هند والنسوة معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ. يجدعن الآذان والأنوف حتى اتخذت هند من ذلك قلائد، وأعطتها وحشياً وبقرت عن كبدة حمزة ولاكتها لم تستطع أن تسيغها، فلفظتها، وأقبل عبد الله بن قميئة يريد قتل النبي ﷺ، فذبه مصعب بن عمير، وهو صاحب راية رسول الله ﷺ، عن رسول الله ﷺ، فقتله ابن قمئة، وهو يرى أنه قتل رسول الله ﷺ، فرجع إلى المشركين وقال : إني قتلت محمداً، وصاح صارخا ألا إن محمداً قد قتل، ويقال : إن ذلك الصارخ إبليس لعنة الله عليه. فانكفأ الناس، وجعل رسول الله ﷺ يدعو الناس " إلي عباد الله إلي عباد الله ". فاجتمع إليه ثلاثون رجلاً فحملوه حتى كشفوا عنه المشركين، ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقت سية قوسه، ونثل له رسول الله ﷺ كنانته، وقال له :" ارم فداك أبي وأمي "، وكان طلحة رجلاً رامياً شديداً النزع، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثاً، وكان الرجل يمر بجعبة من النبل فيقول " انثرها لأبي طلحة، وكان إذا رمى استشرف النبي ﷺ لينظر إلى موضع نبله، وأصيبت يد طلحة ابن عبيد الله، فيبست حين وقى بها رسول الله ﷺ، وأصيبت عين قتادة ابن النعمان يومئذ حتى وقعت على وجنته، فردها رسول الله ﷺ مكانها، فعادت كأحسن ما كانت. فلما انصرف رسول الله ﷺ أدركه أبي بن خلف الجمحي، وهو يقول : لا نجوت إن نجوت، فقال القوم : يا رسول الله ألا يعطف عليه رجل منا ؟ فقال ﷺ " دعوه " حتى إذا دنا منه، وكان أبي قبل ذلك يلقى رسول الله ﷺ فيقول : عندي رمكة أعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك عليها، فقال رسول الله ﷺ " بل أنا أقتلك إن شاء الله " فلما دنا منه تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، ثم استقبله فطعنه في عنقه، فخدشه خدشة فتدهدى عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور، ويقول : قتلني محمد، فحمله أصحابه وقالوا : ليس عليك بأس، قال : بلى لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلتهم، أليس قال لي أقتلك ؟ فلو بزق علي بعد تلك المقالة لقتلني، فلم يلبث إلا يوماً حتى مات بموضع يقال له سرف.
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عمرو بن علي، أنا أبو عاصم، عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :" اشتد غضب الله على من قتله نبي واشتد غضب الله على من دمى وجه رسول الله ﷺ ". قالوا : وفشا في الناس أن محمداً قد قتل فقال بعض المسلمين : ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان، وبعض الصحابة جلسوا وألقوا ما بأيديهم من الأسلحة، وقال أناس من أهل النفاق إن كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأول، فقال أنس بن النضر عم انس بن مالك : يا قوم إن كان قد قتل محمد فإن رب محمد لم يقتل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله ﷺ ؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله ﷺ. وموتوا على مامات عليه رسول الله ﷺ. ثم قال : اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء -يعني المسلمين- وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء -يعني المنافقين- ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل، ثم أن رسول الله ﷺ انطلق إلى الصخرة، وهو يدعو الناس، فأول من عرف رسول الله ﷺ كعب بن مالك، قال : عرفت عينيه تحت المغفر تزهران، فناديت بأعلى صوتي : يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله ﷺ، فأشار إلي أن اسكت، فانحازت إليه طائفة من أصحابه، فلامهم النبي ﷺ على الفرار، فقالوا : يا نبي الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا، أتانا الخبر بأنك قد قتلت، فرعبت قلوبنا، فولينا مدبرين، فأنزل الله تعالى هذه الآية ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ). ومحمد هو المستغرق لجميع المحامد، لأن الحمد لا يستوجبه إلا الكامل، والتحميد فوق الحمد، فلا يستحقه إلا المستولي على الأمر في الكمال، وأكرم الله نبيه وصفيه باسمين مشتقين من اسمه جل جلاله محمد، وأحمد، وفيه يقول حسان بن ثابت :
قوله تعالى :﴿أفأن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ؟﴾. ؟أي رجعتم إلى دينكم الأول.
قوله تعالى :﴿ومن ينقلب على عقبيه﴾. ويرتد عن دينه.
قوله تعالى :﴿فلن يضر الله شيئاً﴾. بارتداده وإنما ضر نفسه.
قوله تعالى :﴿وسيجزي الله الشاكرين﴾.
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عمرو بن علي، أنا أبو عاصم، عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :" اشتد غضب الله على من قتله نبي واشتد غضب الله على من دمى وجه رسول الله ﷺ ". قالوا : وفشا في الناس أن محمداً قد قتل فقال بعض المسلمين : ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان، وبعض الصحابة جلسوا وألقوا ما بأيديهم من الأسلحة، وقال أناس من أهل النفاق إن كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأول، فقال أنس بن النضر عم انس بن مالك : يا قوم إن كان قد قتل محمد فإن رب محمد لم يقتل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله ﷺ ؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله ﷺ. وموتوا على مامات عليه رسول الله ﷺ. ثم قال : اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء -يعني المسلمين- وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء -يعني المنافقين- ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل، ثم أن رسول الله ﷺ انطلق إلى الصخرة، وهو يدعو الناس، فأول من عرف رسول الله ﷺ كعب بن مالك، قال : عرفت عينيه تحت المغفر تزهران، فناديت بأعلى صوتي : يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله ﷺ، فأشار إلي أن اسكت، فانحازت إليه طائفة من أصحابه، فلامهم النبي ﷺ على الفرار، فقالوا : يا نبي الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا، أتانا الخبر بأنك قد قتلت، فرعبت قلوبنا، فولينا مدبرين، فأنزل الله تعالى هذه الآية ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ). ومحمد هو المستغرق لجميع المحامد، لأن الحمد لا يستوجبه إلا الكامل، والتحميد فوق الحمد، فلا يستحقه إلا المستولي على الأمر في الكمال، وأكرم الله نبيه وصفيه باسمين مشتقين من اسمه جل جلاله محمد، وأحمد، وفيه يقول حسان بن ثابت :
| ألم تر أن الله أرسل عبده | ببرهانه والله أعلى وأمجد |
| أغر عليه للنبوة خاتم | من الله مشهور يلوح ويشهد |
| وشق له من اسمه ليجله | فذو العرش محمود وهذا محمد |
قوله تعالى :﴿ومن ينقلب على عقبيه﴾. ويرتد عن دينه.
قوله تعالى :﴿فلن يضر الله شيئاً﴾. بارتداده وإنما ضر نفسه.
قوله تعالى :﴿وسيجزي الله الشاكرين﴾.