جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَمَا مُحَمّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفإِنْ مّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىَ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ﴾
يعني تعالى ذكره بذلك : وما محمد إلا رسول كبعض رسل الله الذين أرسلهم إلى خلقه داعيا إلى الله وإلى طاعته، الذين حين انقضت آجالهم ماتوا وقبضهم الله إليه يقول. جلّ ثناؤه : فمحمد ﷺ إنما هو فيما الله به صانع من قبضه إليه عند انقضاء مدة أجله كسائر مدة رسله إلى خلقه الذين مضوا قبله وماتوا عند انقضاء مدة آجالهم. ثم قال لأصحاب محمد معاتبهم على ما كان منهم من الهلع والجزع حين قيل لهم بأُحد : إن محمدا قتل، ومقبحا إليهم انصراف من انصرف منهم عن عدوّهم وانهزامه عنهم :﴿أفِئنْ مَاتَ﴾ محمد أيها القوم لانقضاء مدة أجله، أو قتله عدوّكم، ﴿انْقَلَبْتُمْ على أعْقَابِكُمْ﴾ يعني ارتددتم عن دينكم الذي بعث الله محمدا بالدعاء إليه، ورجعتم عنه كفارا بالله بعد الإيمان به، وبعد ما قد وضحت لكم صحة ما دعاكم محمد إليه، وحقيقة ما جاءكم به من عند ربه. ﴿وَمَنْ يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ﴾ يعني بذلك : ومن يرتدد منكم عن دينه ويرجع كافرا بعد إيمانه، ﴿فَلَنْ يَضُرّ الله شَيْئا﴾ يقول : فلن يوهن ذلك عزّة الله ولا سلطانه، ولا يدخل بذلك نقص في ملكه، بل نفسه يضرّ بردته، وحظّ نفسه ينقص بكفره. ﴿وَسَيَجزِي اللّهُ الشّاكِرِين﴾ يقول : وسيثيب الله من شكره على توفيقه وهدايته إياه لدينه بنبوّته على ما جاء به محمد ﷺ إن هو مات أو قتل واستقامته على منهاجه، وتمسكه بدينه وملته بعده. كما :
حدثنا المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن هاشم، قال : أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن عليّ في قوله :﴿وَسَيَجزِي اللّهُ الشّاكِرِين﴾ : الثابتين على دينهم أبا بكر وأصحابه. فكان عليّ رضي الله عنه يقول : كان أبو بكر أمين الشاكرين وأمين أحباء الله، وكان أشكرهم وأحبهم إلى الله.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن العلاء بن بدر، قال : إن أبا بكر أمين الشاكرين. وتلا هذه الآية :﴿وَسَيَجزِي اللّهُ الشّاكِرِين﴾.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿وَسَيَجزِي اللّهُ الشّاكِرِين﴾ : أي من أطاعه وعمل بأمره.
وذكر أن هذه الاَية أنزلت على رسول الله ﷺ فيمن انهزم عنه بأُحد من أصحابه. ذكر الأخبار الواردة بذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿وَما مُحَمّدٌ إلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرّسُلُ﴾ إلى قوله :﴿وَسَيَجزِي اللّهُ الشّاكِرِين﴾ ذاكم يوم أُحد حين أصابهم القرح والقتل، ثم تنازعوا نبيّ الله ﷺ بقية ذلك، فقال أناس : لو كان نبيا ما قتل. وقال أناس من علية أصحاب نبيّ الله ﷺ : قاتلوا على ما قاتل عليه محمد نبيكم، حتى يفتح الله لكم، أو تلحقوا به. فقال الله عزّ وجلّ :﴿وَما مُحَمّدٌ إلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرّسُلُ أفِئنْ ماتَ أوْ قُتِل انْقَلَبْتُمْ على أعْقابِكُمْ﴾ يقول : إن مات نبيكم، أو قتل، ارتددتم كفارا بعد إيمانكم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بنحوه، وزاد فيه : قال الربيع : وذكر لنا والله أعلم أن رجلاً من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه، فقال : يا فلان أشعرت أن محمدا قد قتل ؟ فقال الأنصاري : إن كان محمد قد قتل، فقد بلّغ، فقاتلوا عن دينكم ! فأنزل الله عز وجل :﴿وَما مُحَمّدٌ إلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرّسُلُ أفِئنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ على أعْقابِكُمْ ؟﴾ يقول : ارتددتم كفارا بعد إيمانكم.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السدي، قال : لما برز رسول الله ﷺ يوم أحد إليهم يعني إلى المشركين أمر الرماة فقاموا بأصل الجبل في وجه خيل المشركين، وقال :«لا تَبْرَحُوا مَكانَكُمْ إنْ رأيْتُمُونا قَدْ هَزَمْناهُمْ، فإنّا لَنْ نَزَالَ غالِبِينَ ما ثَبَتّمْ مَكانَكُمْ » وأمّر عليهم عبد الله بن جبير أخا خوات بن جبير. ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على المشركين، فهزماهم، وحمل النبي ﷺ وأصحابه، فهزموا أبا سفيان¹ فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين قدم، فرمته الرماة فانقمع. فلما نظر الرماة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهونه، بادروا الغنيمة، فقال بعضهم : لا نترك أمر رسول الله ﷺ ! فانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر¹ فلما رأى خالد قلة الرماح، صاح في خيله، ثم حمل فقتل الرماة، وحمل على أصحاب النبيّ ﷺ، فلما رأى المشركون أن خيلهم تقاتل، تبادروا فشدّوا على المسلمين فهزموهم وقتلوهم، فأتى ابن قميئة الحارثي أحد بني الحارث بن عبد مناف بن كنانة، فرمى رسول الله ﷺ بحجر فكسر أنفه ورباعيته، وشجّه في وجهه فأثقله، وتفرّق عنه أصحابه، ودخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة، فقاموا عليها، وجعل رسول الله ﷺ يدعو الناس :«إليّ عبادَ اللّهِ ! إليّ عِبادَ اللّهِ ! » فاجتمع إليه ثلاثون رجلاً، فجعلوا يسيرون بين يديه، فلم يقف أحد إلا طلحة وسهل بن حنيف، فحماه طلحة، فُرمي بسهم في يده فيبست يده، وأقبل أبيّ بن خلف الجمحيّ وقد حلف ليقتلنّ النبيّ ﷺ، فقال النبيّ ﷺ :«بَلْ أنا أقْتُلُكَ » فقال : يا كَذّاب أين تفرّ ؟ فحمل عليه فطعنه النبيّ ﷺ في جنب الدرع، فجرح جرحا خفيفا، فوقع يخور خوران الثور، فاحتملوه وقالوا : ليس بك جراحة، قال : أليس قال : لأقتلنك ؟ لو كانت لجميع ربيعة ومضر لقتلتهم. ولم يلبث إلا يوما أو بعض يوم حتى مات من ذلك الجرح. وفشا في الناس أن رسول الله ﷺ قد قتل، فقال بعض أصحاب الصخرة : ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبيّ، فنأخذ لنا أمنة من أبي سفيان ! يا قوم إن محمدا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم ! قال أنس بن النضر : يا قوم إن كان محمد قد قتل، فإنّ ربّ محمد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد ﷺ ! اللهمّ إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء. ثم شدّ بسيفه فقاتل حتى قتل. وانطلق رسول الله ﷺ يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة¹ فلما رأوه وضع رجل سهما في قوسه فأراد أن يرميه، فقال :«أنا رَسُولُ الله »، ففرحوا حين وجدوا رسول الله ﷺ حيا، وفرح رسول الله ﷺ حين رأى أن في أصحابه من يمتنع. فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله ﷺ، ذهب عنهم الحزن، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه ويذكرون أصحابه الذين قتلوا، فقال الله عزّ وجلّ للذين قالوا : إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم :﴿وَما مُحَمّدٌ إلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفِئنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ على أعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرّ اللّهَ شَيْئا وَسَيَجزِي اللّهُ الشّاكِرِين﴾.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ على عَقِبَيْهِ﴾ قال : يرتد.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه¹ وحدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه : أن رجلاً من المهاجرين مرّ على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه، فقال : يا فلان أشعرت أن محمدا قد قتل ؟ فقال الأنصاريّ : إن كان محمد قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني ابن إسحاق، قال : ثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عبد النجار، قال : انتهى أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك إلى عمر وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال : ما يجلسكم ؟ قالوا : قد قتل محمد رسول الله. قال : فما تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ! واستقبل القوم فقاتل حتى قتل. وبه سمي أنس بن مالك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قال : نادى مناد يوم أحد حين هزم أصحاب محمد ﷺ : ألا إن محمدا قد قتل، فارجعوا إلى دينكم الأوّل ! فأنزل الله عزّ وجلّ :﴿وَما مُحَمّدٌ إلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرّسُلُ﴾. . . الاَية.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال : ألقي في أفواه المسلمين يوم أُحد أن النبيّ ﷺ قد قُتِل، فنزلت هذه الاَية :﴿وَما مُحَمّدٌ إلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرّسُلُ﴾. . . الاَية.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : أن رسول الله ﷺ اعتزل هو وعصابة معه يومئذ على أكمة، والناس يفرّون، ورجل قائم على الطريق يسألهم : ما فعل رسول الله ﷺ ؟ وجعل كلما مرّوا عليه يسألهم، فيقولون : والله ما ندري ما فعل ! فقال : والذي نفسي بيده لئن كان النبيّ ﷺ قتل لنعطينهم بأيدينا، إنهم لعشائرنا وإخواننا ! وقالوا : إن محمدا إن كان حيا لم يهزم، ولكنه قد قتل، فترخصوا في الفرار حينئذ، فأنزل الله عزّ وجلّ على نبيه ﷺ :﴿وَما مُحَمّدٌ إلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرّسُلُ﴾. . . الاَية.
حدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، قال : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :﴿وَما مُحَمّدٌ إلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرّسُلُ﴾. . . الاَية : ناس من أهل الارتياب والمرض والنفاق، قالوا يوم فرّ الناس عن نبيّ الله ﷺ، وشجّ فوق حاجبه، وكسرت رباعيته : قتل محمد، فالحقوا بدينكم الأوّل ! فذلك قوله :﴿أفَئِنْ ماتَ أوْ قُتِل انْقَلَبْتُمْ على أعْقابِكُمْ﴾.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿أفَئِنْ مات أوْ قُتِل انْقَلَبْتُمْ على أعْقابِكُمْ﴾ ؟ قال : ما بينكم وبين أن تدعو الإسلام وتنقلبوا على أعقابكم، إلا أن يموت محمد أو يقتل، فسوق يكون أحد هذين، فسوف يموت أو يقتل.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إس
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: وما محمد إلا رسول كبعض رسل الله الذين أرسلهم إلى خلقه، داعيًا إلى الله وإلى طاعته، الذين حين انقضت آجالهم ماتوا وقبضهم الله إليه. (١) يقول جل ثناؤه: فمحمد ﷺ إنما هو فيما الله به صانعٌ من قبضه إليه عند انقضاء مدة أجله، كسائر رسله إلى خلقه الذين مضوْا قبله، (٢) وماتوا عند انقضاء مدة آجالهم.
ثم قال لأصحاب محمد، معاتبَهم على ما كان منهم من الهلع والجزع حين قيل لهم بأحُد:"إنّ محمدًا قتل"، ومُقبِّحًا إليهم انصرافَ من انصرفَ منهم عن عدوهم وانهزامه عنهم: أفائن مات محمد، أيها القوم، لانقضاء مدة أجله، أو قتله عدو = (٣) "انقلبتم على أعقابكم"، = يعني: ارتددتم عن دينكم الذي بعث الله محمدًا بالدعاء إليه ورجعتم عنه كفارًا بالله بعد الإيمان به، وبعد ما قد وَضَحت لكم صحةُ ما دعاكم محمد إليه، وحقيقةُ ما جاءكم به من عند ربه ="ومن ينقلب على عقبيه"، يعني بذلك: ومن يرتدد منكم عن دينه ويرجع كافرًا بعد إيمانه، (٤)
(٢) في المخطوطة والمطبوعة: "كسائر مدة رسله إلى خلقه" بزيادة"مدة"، وهي مفسدة للكلام وكأنها سبق قلم من الناسخ، فلذلك أسقطتها.
(٣) في المطبوعة: "أو قتله عدوكم"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٤) انظر تفسير"انقلب على عقبيه" فيما سلف ٣: ١٦٣.
٧٩٣٨- حدثنا المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هاشم قال، أخبرنا سيف بن عمر، (٢) عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي في قوله:"وسيجزي الله الشاكرين"، الثابتين على دينهم أبا بكر وأصحابه. فكان عليّ رضي الله عنه يقول: كان أبو بكر أمين الشاكرين، وأمين أحِباء الله، وكان أشكرَهم وأحبَّهم إلى الله.
٧٩٣٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن العلاء بن بدر قال: إن أبا بكر أمينُ الشاكرين. وتلا هذه الآية:"وسيجزي الله الشاكرين". (٣)
٧٩٤٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"وسيجزي الله الشاكرين"، أي: من أطاعه وعمل بأمره. (٤)
* * *
وذكر أن هذه الآية أنزلت على رسول الله ﷺ فيمن انهزم عنه بأحد من أصحابه.
(٢) في المطبوعة: "سيف بن عمرو"، وهو خطأ والصواب من المخطوطة. وهو: "سيف بن عمر التميمي" صاحب كتاب الردة والفتوح. وقد أكثر أبو جعفر سياق روايته في تاريخه.
(٣) الأثر: ٧٩٣٩-"العلاء بن بدر"، هو: "العلاء بن عبد الله بن بدر الغنوي"، نسب إلى جده، أرسل عن علي. وهو ثقة. مترجم في التهذيب.
(٤) الأثر: ٧٩٤٠- سيرة ابن هشام ٣: ١١٨، وهو من تتمة الآثار التي آخرها: ٧٩٣٧.
٧٩٤١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل" إلى قوله:"وسيجزي الله الشاكرين"، ذاكم يوم أحُد، حين أصابهم القَرْح والقتل، ثم تناعوا نبي الله ﷺ تَفِئة ذلك، (١) فقال أناسٌ:"لو كان نبيًّا ما قتل"! وقال أناس من عِليْة أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم:"قاتلوا على ما قاتل عليه محمدٌ نبيكم حتى يفتح الله لكم أو تلحقوا به"! فقال الله عز وجل:"وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفائن ماتَ أو قتل انقلبتم على أعقابكم"، يقول: إن مات نبيكم أو قُتل، ارتددتم كفارًا بعد إيمانكم.
٧٩٤٢- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بنحوه = وزاد فيه، قال الربيع: وذكر لنا والله أعلم، أنّ رجلا من المهاجرين مرّ على رجل من الأنصار وهو يتشحَّط في دمه، (٢) فقال: يا فلان، أشعرت أنّ محمدًا قد قتل؟ (٣) فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل، فقد بلَّغ، فقاتلوا عن دينكم. فأنزل الله عز وجل:"وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفائن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم"، يقول: ارتددتم كفارًا بعد إيمانكم.
(٢) تشحط القتيل في دمه: تخبط فيه واضطرب وتمرغ.
(٣) قوله: "أشعرت"، أي: أعلمت.
= ثم شدّ الزبيرُ بن العوام والمقدادُ بن الأسود على المشركين فهزماهم، وحمل النبي ﷺ وأصحابه فهزموا أبا سفيان. فلما رأى ذلك خالد بن الوليد، وهو على خيل المشركين، كرّ. (٣) فرمته الرماة فانقمع. (٤) فلما نظرَ الرماة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهبونه، بادرُوا الغنيمة، فقال بعضهم:"لا نترك أمرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم"! فانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر. فلما رأى خالد قلة الرماة، صاح في خيله ثم حمل، فقتل الرماة وحَمل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. فلما رأى المشركونَ أنّ خيلهم تقاتل، تنادوْا، (٥) فشدُّوا على المسلمين فهزموهم وقتلوهم. (٦).
=فأتى ابن قميئة الحارثي - أحد بني الحارث بن عبد مناف بن كنانة (٧) - فرمى
(٢) بين هذه الفقرة والتي تليها، كلام قد اختصره أبو جعفر، وأثبته في روايته في التاريخ.
(٣) في المطبوعة مكان"كر""قدم" بمعنى أقدم. وهو تصرف كالمقبول من الناشر الأول، ولكنه في المخطوطة"لر" وعلى الراء شدة، وصواب قراءتها ما أثبت."كر على العدو" رجع وعطف ثم حمل عليه. وأما رواية التاريخ، ففيها مكان"كر""حمل"، وهما سواء في المعنى، والأولى أجودهما. وانظر ما سيأتي في التعليق على الأثر: ٨٠٠٤.
(٤) انقمع: رجع وارتد وتداخل فرقًا وخوفًا.
(٥) في المطبوعة: "تبادروا"، وهو خطأ غث، والصواب من المخطوطة والتاريخ، ومن الأثر الآتي: ٨٠٠٤. وقوله: "تنادوا" تداعوا ونادى بعضهم بعضًا لكي يؤوبوا إلى المعرك.
(٦) إلى هذا الموضع من الأثر، انتهى ما رواه أبو جعفر في تاريخه ٣: ١٤، ١٥، وسيأتي تخريج بقية الأثر كله في آخره. وانظر ما سيأتي رقم: ٨٠٠٤.
(٧) في المطبوعة والمخطوطة: "بني الحارث بن عبد مناف"، وهو خطأ محض. والصواب من التاريخ ومن نسب القوم.
= وأقبل أبي بن خلف الجمحي - وقد حلف ليقتلن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أنا أقتله (٢) - فقال: يا كذاب، أين تفرّ؟ فحمل عليه، فطعنه النبي ﷺ في جيب الدرع، (٣) فجُرح جَرحًا خفيفًا، فوقع يخور خوار الثور. (٤) فاحتملوه وقالوا: ليس بك جراحة!، [فما يُجزعك] ؟ (٥) قال: أليس قال:"لأقتلنك"؟ لو كانت لجميع ربيعة ومضر لقتلتهم! ولم يلبث إلا يومًا وبعض يوم حتى مات من ذلك الجرح.
= وفشا في الناس أنّ رسول الله ﷺ قد قُتل، فقال بعض أصحاب الصخرة:"ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي، فيأخذ لنا أمَنَةً من أبي سفيان!! يا قوم، إن محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم". (٦) قال أنس بن النضر:"يا قوم، إن كان محمد قد قُتل، فإن رب محمد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم إني أعتذر إليك مما
(٢) في المطبوعة: "بل أقتلك"، غير الناشر ما في المخطوطة، وهو موافق لما في التاريخ، ظنًا منه أن أبي بن خلف، قال ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، وليس ذلك كذلك، بل قاله في مغيبه لا في مشهده. فلما بلغ ذلك رسول الله قال: بل أنا أقتله.
(٣) في المطبوعة والمخطوطة: "جنب الدرع"، وهو خطأ، صوابه من التاريخ. وجيب القميص والدرع: الموضع الذي يقور منه ويقطع، لكي يلبس من ناحيته.
(٤) في المطبوعة والمخطوطة: "يخور خوران الثور"، وهو خطأ صرف، والصواب من التاريخ. خار الثور يخور خوارًا: صاح وصوت أشد صوت. وليس في مصادره"خوران".
(٥) الزيادة بين القوسين من التاريخ.
(٦) الأمنة (بفتح الألف والميم والنون) : الأمان.
= وانطلق رسول الله ﷺ يدعو الناس، حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة. فلما رأوه، وضع رجُل سهمًا في قوسه فأراد أن يرميه، فقال:"أنا رسول الله"! ففرحوا حين وجدوا رسول الله ﷺ حيًّا، وفرحَ رسول الله ﷺ حين رأى أنّ في أصحابه من يمتنع به. (١) فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذهب عنهم الحزن، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا. (٢)
= فقال الله عز وجل للذين قالوا: إن محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم"وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفائن ماتَ أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين". (٣)
٧٩٤٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ومن ينقلب على عقبيه"، قال: يرتدّ.
٧٩٤٥- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه = وحدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه =: أنّ رجلا من المهاجرين مرّ على رجل من الأنصار وهو يتشحَّط في دمه، فقال: يا فلان أشعرت أن محمدًا قد قتل! فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل، فقد بلَّغ! فقاتلوا عن دينكم.
٧٩٤٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع، أخو بني عدي بن النجار قال: انتهى
(٢) في المخطوطة والمطبوعة: "ويذكرون أصحابه"، والصواب من التاريخ.
(٣) الأثر: ٧٩٤٣- صدره في التاريخ ٣: ١٤، ١٥ / ثم سائره فيه ٣: ٢٠ / ثم انظر رقم: ٨٠٠٤.
٧٩٤٧- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك قال: نادى منادٍ يوم أحد حين هزم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم:"ألا إنّ محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى دينكم الأول"! فأنزل الله عز وجل:"وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل"، الآية.
٧٩٤٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: ألقى في أفواه المسلمين يومَ أحد أن النبي ﷺ قد قتل، فنزلت هذه الآية:"وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل" الآية.
٧٩٤٩- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: أنّ رسول الله ﷺ اعتزل هو وعصابة معه يومئذ على أكمة، والناس يفرُّون، ورجل قائم على الطريق يسألهم:"ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم"؟ وجعل كلما مروا عليه يسألهم، فيقولون:"والله ما ندري ما فعل"! فقال:"والذي نفسي بيده، لئن كان النبي ﷺ قُتل، لنعطينَّهم بأيدينا، إنهم لعشائرنا وإخواننا"! وقالوا:"إن محمدًا إن كان حيًّا لم يهزم، ولكنه قُتل"! فترخَّصوا في الفرار حينئذ. فأنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم:"وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل"، الآية كلها.
(٢) الأثر: ٧٩٤٦- سيرة ابن هشام ٣: ٨٨، وتاريخ الطبري ٣: ١٩.
٧٩٥١- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"أفائن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم"، قال: ما بينكم وبين أن تدعوا الإسلام وتنقلبوا على أعقابكم إلا أن يموت محمد أو يقتل! فسوف يكون أحد هذين: فسوف يموت، أو يقتل.
٧٩٥٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل"، إلى قوله:"وسيجزي الله الشاكرين"، أي: لقول الناس:"قتل محمد"، وانهزامهم عند ذلك وانصرافهم عن عدوهم = أي: أفائن مات نبيكم أو قتل، رجعتم عن دينكم كفارًا كما كنتم، وتركتم جهاد عدوكم وكتابَ الله، وما قد خلف نبيُّه من دينه معكم وعندكم، وقد بين لكم فيما جاءكم عني أنه ميتٌ ومفارقكم؟ ="ومن ينقلب على عقبيه"، أي: يرجع عن دينه ="فلن يضر الله شيئا"، أي: لن ينقص ذلك من عز الله ولا ملكه ولا سلطانه. (١)
٧٩٥٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: قال: أهل المرض والارتياب والنفاق، حين فرّ الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم:"قد قتل محمد، فألحقوا بدينكم الأول"! فنزلت هذه الآية.
* * *
| حَلَفْتُ لَهُ إنْ تُدْلِجِ اللَّيلَ لا يَزَلْ | أَمَامَك بَيْتٌ مِنْ بُيُوتِي سَائِر (٢) |
وقد كان بعض القرأة يختار في قوله: (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا
(٢) معاني القرآن للفراء ١: ٦٩، ٢٣٦، والمعاني الكبير: ٨٠٥، والخزانة ٤: ٤٥٠، وسيأتي في التفسير ١٣: ٦٩ (بولاق)، ورواه ابن قتيبة في المعاني الكبير: "عائر" مكان"سائر" وقال: "أي بيت هجاء سائر". وذلك من قولهم: "عار الفرس"، إذا أفلت وذهب على وجهه، وذهب وجاء مترددًا. ويقال: "قصيدة عائرة"، أي سائرة في كل وجه. وكان في المطبوعة هنا"ساتر" وهو خطأ، صوابه من المخطوطة، ومن الموضع الآخر من التفسير، ومن المراجع.
(٣) في المطبوعة والمخطوطة"وكيف تتقون..."، وهو خطأ في التلاوة.
(٤) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٣٦.