جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بإذن الله كِتَاباً مّؤَجّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾
يعني تعالى ذكره بذلك : وما يموت محمد ولا غيره من خلق الله إلا بعد بلوغ أجله الذي جعله الله غاية لحياته وبقائه، فإذا بلغ ذلك من الأجل الذي كتبه الله له وأذن له بالموت فحينئذ يموت، فأما قبل ذلك فلن تموت بكيد كائد ولا بحيلة محتال. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿وَما كان لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلاّ بإذْنِ اللّهِ كِتابا مُؤَجّلاً﴾ : أي أن لمحمد أجلاً هو بالغه إذا أذن الله له في ذلك كان.
وقد قيل : إن معنى ذلك : وما كانت نفس لتموت إلا بإذن الله.
وقد اختلف أهل العربية في معنى الناصب قوله :﴿كِتابا مُؤجّلاً﴾¹ فقال بعض نحويي البصرة : هو توكيد، ونصبه على : كتب الله كتابا مؤجلاً، قال : وكذلك كل شيء في القرآن من قوله «حقّا »، إنما هو : أحقّ ذلك حقّا، وكذلك :﴿وَعْدَ اللّهِ﴾ و﴿رحْمَةً مِنْ رَبّكَ﴾ وَ﴿صُنْعَ اللّهِ الّذِي أتْقَنَ كلّ شيءٍ﴾ و﴿كِتَابَ اللّهِ عَلَيكُمْ﴾ إنما هو : صنع الله هكذا صنعا، فهكذا تفسير كل شيء في القرآن من نحو هذا، فإنه كثير.
وقال بعض نحويي الكوفة في قوله :﴿وَما كان لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلاّ بإذْنِ اللّهِ﴾ معناه : كتب الله آجال النفوس، ثم قيل : كتابا مؤجلاً، فأخرج قوله : كتابا مؤجلاً، نصبا من المعنى الذي في الكلام، إذ كان قوله :﴿وَما كان لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلاّ باذْنِ اللّهِ﴾ قد أدّى عن معنى «كتب »، قال : وكذلك سائر ما في القرآن من نظائر ذلك، فهو على هذا النحو.
وقال آخرون منهم : قول القائل : زيد قائم حقا، بمعنى : أقول زيد قائم حقا، لأن كل كلام قول، فأدّى المقول عن القول، ثم خرج ما بعده منه، كما تقول : أقول قولاً حقّا، وكذلك ظنّا ويقينا، وكذلك وَعْدَ الله، وما أشبهه.
والصواب من القول في ذلك عندي، أن كل ذلك منصوب على المصدر من معنى الكلام الذي قبله، لأن في كل ما قبل المصادر التي هي مخالفة ألفاظها ألفاظ ما قبلها من الكلام معاني ألفاظ المصادر وإن خالفها في اللفظ فنصبها من معاني ما قبلها دون ألفاظه.
يعني بذلك جلّ ثناؤه : من يرد منكم أيها المؤمنون بعمله جزاء منه بعض أعراض الدنيا دون ما عند الله من الكرامة، لمن ابتغى بعمله ما عنده ﴿نُؤْتِهِ مِنْها﴾ يقول : نعطه منها، يعني : من الدنيا، يعني : أنه يعطيه منها ما قسم له فيها من رزق أيام حياته، ثم لا نصيب له في كرامة الله التي أعدّها لمن أطاعه، وطلب ما عنده في الاَخرة. ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الاَخِرَةِ﴾ يقول : ومن يرد منكم بعمله جزاء منه ثواب الاَخرة، يعني ما عند الله من كرامته التي أعدّها للعاملين له في الاَخرة، ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ يقول : نعطه منها، يعني من الاَخرة¹ والمعنى : من كرامة الله التي خصّ بها أهل طاعته في الاَخرة. فخرج الكلام على الدنيا والآخرة، والمعنى ما فيهما. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿ومَنْ يُرِدْ ثَواب الدّنيْا نُؤْتِهِ مِنْها وَمْن يُرِدْ ثَوابَ الاَخِرِةِ نُؤْتِهِ مِنْها﴾ : أي فمن كان منكم يريد الدنيا ليست له رغبة في الاَخرة، نؤته ما قسم له منها من رزق، ولا حظّ له في الاَخرة، ومن يرد ثواب الاَخرة نؤته منها ما وعده مع ما يُجْرَى عليه من رزقه في دنياه.
وأما قوله :﴿وَسَنَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِين﴾ يقول : وسأثيب من شكر لي ما أوليته من إحساني إليه بطاعته إياي وانتهائه إلى أمري وتجنبه محارمي في الاَخرة، مثل الذي وعدت أوليائي من الكرامة على شكرهم إياي. وقال ابن إسحاق في ذلك بما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿وَسَنَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِين﴾ أي ذلك جزاء الشاكرين، يعنى بذلك : إعطاء الله إياه ما وعده في الاَخرة مع ما يجرى عليه من الرزق في الدنيا.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وسنأتي على الصواب من القول في ذلك إن شاء الله إذا انتهينا إليه. (٤)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلا﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: وما يموت محمد ولا غيره من خلق الله إلا بعد بلوغ أجله الذي جعله الله غاية لحياته وبقائه، فإذا بلغ ذلك من الأجل الذي كتبه الله له، وأذن له بالموت، فحينئذ يموت. فأما قبل ذلك، فلن يموت بكيد كائد ولا بحيلة محتال، كما:-
٧٩٥٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابًا مؤجلا"، أي: أن لمحمد أجلا هو بالغه، إذا أذن الله له في ذلك كان. (٥)
* * *
(٢) في المطبوعة"باجتماع القراء"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٣) في المخطوطة والمطبوعة: "إذا كان دالا"، والصواب"إذ" كما أثبتها.
(٤) كأنه يعني ما سيأتي في تفسيره ١٣: ٦٩ (بولاق)، فإذا وجدت بعد ذلك مكانًا آخر غيره أشرت إليه.
(٥) الأثر: ٧٩٥٤- سيرة ابن هشام ٣: ١١٨، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٧٩٤٠.
* * *
وقد اختلف أهل العربية في معنى الناصب قوله:"كتابًا مؤجلا".
فقال بعض نحويي البصرة: هو توكيد، ونصبه على:"كتب الله كتابًا مؤجلا". قال: وكذلك كل شيء في القرآن من قوله: (حَقًّا) إنما هو: أحِقُّ ذلك حقًّا". وكذلك: (وَعَدَ اللَّهُ) (ورَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ)، (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) (وكِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ)، (٢) إنما هو: صَنَعَ الله هكذا صنعًا. فهكذا تفسير كل شيء في القرآن من نحو هذا، فإنه كثيرٌ.
* * *
وقال بعض نحويي الكوفة في قوله:"وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله"، معناه: كتب الله آجالَ النفوس، ثم قيل:"كتابًا مؤجلا"، فأخرج قوله:"كتابًا مؤجلا"، نصبًا من المعنى الذي في الكلام، إذ كان قوله:"وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله"، قد أدَّى عن معنى:"كتب"، (٣) قال: وكذلك سائر ما في القرآن من نظائر ذلك، فهو على هذا النحو.
* * *
وقال آخرون منهم: قول القائل:"زيد قائم حقًّا"، بمعنى:"أقول زيد قائم حقًّا"، لأن كل كلام"قول"، فأدى المقول عن"القول"، ثم خرج ما بعده منه، كما تقول:"أقول قولا حقًّا"، وكذلك"ظنًّا" و"يقينًا" وكذلك:"وعدَ الله"، وما أشبهه.
* * *
(٢) هذه مواضع الآيات من كتاب الله على الترتيب: [سورة النساء: ١٢٢ / سورة يونس: ٤ / سورة لقمان: ٩] / [سورة الكهف: ٨٢ / سورة القصص: ٤٦ / سورة الدخان: ٦] / [سورة النمل: ٨٨] / [سورة النساء: ٢٤].
(٣) في المطبوعة: "عن معناه كتب"، وهو كلام مختل، والصواب من المخطوطة.
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: من يرد منكم، أيها المؤمنون، بعمله جزاءً منه بعضَ أعراض الدنيا، دون ما عند الله من الكرامة لمن ابتغى بعمله ما عنده ="نؤته منها"، يقول: نعطه منها، يعني من الدنيا، يعني أنه يعطيه منها ما قُسم له فيها من رزق أيام حياته، ثم لا نصيب له في كرامة الله التي أعدها لمن أطاعه وطلب ما عنده في الآخرة ="ومن يرد ثوابَ الآخرة"، يقول: ومن يرد منكم بعمله جزاءً منه ثواب الآخرة، يعني: ما عند الله من كرامته التي أعدها للعاملين له في الآخرة ="نؤته منها"، يقول: نعطه منها، يعني من الآخرة. والمعنى: من كرامة ألله التي خصَّ بها أهلَ طاعته في الآخرة. فخرج الكلامُ على الدنيا والآخرة، والمعنىُّ ما فيهما. كما:-
٧٩٥٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها"، أي: فمن كان منكم يريد الدنيا، ليست له رغبة في الآخرة، نؤته ما قسم له منها من رزق، ولا حظ له في