جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَكَأَيّن مّن نّبِيّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبّ الصّابِرِينَ﴾
اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم :﴿وكَأَيّنْ﴾ بهمز الألف وتشديد الياء وقرأه آخرون : بمدّ الألف وتخفيف الياء. وهما قراءتان مشهورتان في قراءة المسلمين، ولغتان معروفتان لا اختلاف في معناهما، فبأيّ القراءتين قرأ ذلك قارىء فمصيب، لاتفاق معنى ذلك وشهرتهما في كلام العرب. ومعناه : وكم من نبيّ.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿قُتِل مَعَهُ رِبّيُون كَثِيرٌ﴾.
اختلفت القراء في قراءة قوله :﴿قُتِل مَعَهُ رِبّيُون كَثِيرٌ﴾¹ فقرأ ذلك جماعة من قراء الحجاز والبصرة :«قُتِل » بضم القاف، وقرأه جماعة أخرى بفتح القاف وبالألف، وهي قراءة جماعة من قراء الحجاز والكوفة. فأما من قرأ ﴿قَاتَلَ﴾ فإنه اختار ذلك لأنه قال : لو قتلوا لم يكن لقوله :﴿فمَا وهَنُوا﴾ وجه معروف، لأنه يستحيل أن يوصفوا بأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا بعد ما قتلوا. وأما الذين قرأوا ذلك :«قتل »، فإنهم قالوا : إنما عنى بالقتل النبيّ وبعض من معه من الربيين دون جميعهم، وإنما نفى الوهن والضعف عمن بقي من الربيين ممن لم يقتل.
وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب، قراءة من قرأ بضمّ القاف :«قُتِل مَعَهُ رِبّيُون كَثِيرٌ » لأن الله عزّ وجلّ إنما عاتبَ بهذه الآية، والآيات التي قبلها من قوله :﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنّة ولمّا يَعْلَمِ اللّهُ الّذِين جاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ الذين انهزموا يوم أُحد، وتركوا القتال، أو سمعوا الصائح يصيح : إن محمدا قد قتل، فعذلهم الله عزّ وجلّ على فرارهم وتركهم القتال، فقال : أفَئِنْ مات محمد أو قتل أيها المؤمنون ارتددتم عن دينكم، وانقلبتم على أعقابكم ؟ ثم أخبرهم عما كان من فعل كثير من أتباع الأنبياء قبلهم وقال لهم : هلا فعلتم كما كان أهل الفضل والعلم من أتباع الأنبياء قبلكم يفعلونه إذا قتل نبيهم من المضيّ على منهاج نبيهم والقتال على دينه أعداء دين الله على نحو ما كانوا يقاتلون مع نبيهم، ولم تهنوا ولم تضعفوا كما لم يضعف الذين كانوا قبلكم من أهل العلم والبصائر من أتباع الأنبياء إذا قتل نبيهم، ولكنهم صبروا لأعدائهم حتى حكم الله بينهم وبينهم ! وبذلك من التأويل جاء تأويل المتأوّل.
وأما «الرّبّيّون »، فإنهم مرفوعون بقوله :«معه »، لا بقوله :«قتل ».
وإنما تأويل الكلام : وكائن من نبيّ قتل ومعه ربيون كثير، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله. وفي الكلام إضمار واو، لأنها واو تدلّ على معنى حال قتل النبيّ ﷺ، غير أنه اجتزأ بدلالة ما ذكر من الكلام عليها من ذكرها، وذلك كقول القائل في الكلام : قتل الأمير معه جيش عظيم، بمعنى : قتل ومعه جيش عظيم.
وأما الرّبّيّون، فإن أهل العربية اختلفوا في معناه، فقال بعض نحويي البصرة : هم الذين يعبدون الربّ واحدهم رِبّيّ. وقال بعض نحويي الكوفة : لو كانوا منسوبين إلى عبادة الربّ لكانوا «رَبّيون » بفتح الراء، ولكنه العلماء والألوف، والرّبّيّونَ عندنا : الجماعة الكثيرة، واحدهم رِبّي، وهم جماعة.
واختلف أهل التأويل في معناه، فقال بعضهم مثل ما قلنا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله : الربيون : الألوف.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا سفيان، عن الثوري، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، مثله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري وابن عيينة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن عبد الله، مثله.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، قال : حدثنا عمرو بن عاصم، عن زر، عن عبد الله، مثله.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا عوف عمن حدثه، عن ابن عباس في قوله :﴿رِبّيُون كَثِيرٌ﴾ قال : جموع كثيرة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله :﴿قاتَلَ مَعَهُ رِبّيُون كَثِيرٌ﴾ قال : جموع.
حدثني حميد بن مسعدة، قال : حدثنا بشر بن المفضل، قال : حدثنا شعبة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله :«وكأيّنْ مِنْ نَبِيّ قُتِل مَعَهُ رِبّيُون كَثِيرٌ » قال : الألوف.
وقال آخرون بما :
حدثني به سليمان بن عبد الجبار، قال : حدثنا محمد بن الصلت، قال : حدثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس :«وكأيّنْ مِنْ نَبِيّ قُتِل مَعَهُ رِبّيُون كَثِيرٌ » قال : علماء كثير.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا عوف، عن الحسن في قوله :«وكأيّنْ مِنْ نَبِيّ قُتِل مَعَهُ رِبّيُون كَثِيرٌ » قال : فقهاء علماء.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية. عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله :«وكأيّنْ مِنْ نَبيّ قُتِل مَعَهُ رِبّيُون كَثِيرٌ » قال : الجموع الكثيرة. قال يعقوب : وكذلك قرأها إسماعيل :«قُتِل مَعَهُ رِبّيُون كَثِيرٌ ».
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :«وكأيّنْ مِنْ نَبِيّ قُتِل مَعَهُ رِبّيُون كَثِيرٌ » يقول : جموع كثيرة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله :«قُتِل مَعَهُ رِبّيُون كَثِيرٌ » قال : علماء كثيرة. وقال قتادة : جموع كثيرة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة في قوله :﴿رِبّيُون كَثِيرٌ﴾ قال : جموع كثيرة.
« حدثني عمرو بن عبد الحميد الأملي، قال : حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، مثله.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عزّ وجلّ :«قُتِل مَعَهُ رِبّيّون كَثِيرٌ » قال : جموع كثيرة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع :«قُتِل مَعَهُ رِبّيّون كَثِيرٌ » يقول : جموع كثيرة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله :«وكأيّنْ مِنْ نَبَيّ قُتِل مَعَهُ رِبّيّون كَثِيرٌ » يقول : جموع كثيرة قتل نبيهم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد بن نصر، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن جعفر بن حبان، والمبارك عن الحسن في قوله :«وكأيّنْ مِنْ نَبِيّ قاتَل مَعَهُ رِبّيّون كَثِيرٌ » قال جعفر : علماء صبروا. وقال ابن المبارك : أتقياء صبروا.
حدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :«قُتِل مَعَهُ رِبّيّون كَثِيرٌ » يعني الجموع الكثيرة قتل نبيهم.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿قاتَلَ مَعَهُ رِبّيُون كَثِيرٌ﴾ يقول : جموع كثيرة.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قوله :«وكأيّنْ مِنْ نَبِيّ قُتِل مَعَهُ رِبّيُون كَثِيرٌ » قال : وكأين من بنيّ أصابه القتل، ومعه جماعات.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :«وكأيّنْ مِنْ نَبِيّ قُتِل مَعَهُ رِبّيّون كَثِيرٌ » الربيون : الجموع الكثيرة.
وقال آخرون : الربيون : الإتباع. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :«وكأيّنْ مِنْ نَبِيّ قُتِلَ مَعَهُ رِبّيّونَ كَثِيرٌ » قال : الربيون : الأتباع، والربانيون : الولاة، والربّيون : الرعية. وبهذا عاتبهم الله حين انهزموا عنه، حين صاح الشيطان إن محمدا قد قتل، قال : كانت الهزيمة عند صياحه في سنينة صاح : أيها الناس إن محمدا رسول الله قد قتل، فارجعوا إلى عشائركم يؤمنوكم.
القول في تأويل قوله :﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أصَابَهُمْ في سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَما اسْتَكانُوا وَاللّهُ يُحِبّ الصّابِرِينَ﴾.
يعني بقوله تعالى ذكره :﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أصَابَهُمْ في سَبِيلِ اللّهِ﴾ : فما عجزوا لما نالهم من ألم الجراح الذي نالهم في سبيل الله، ولا لقتل من قتل منهم عن حرب أعداء الله، ولا نكلوا عن جهادهم. ﴿وَما ضَعُفُوا﴾ يقول : وما ضعفت قواهم لقتل نبيهم. ﴿وَما اسْتَكانُوا﴾ يعني : وما ذلوا فيتخشعوا لعدوّهم بالدخول في دينهم، ومداهنتهم فيه، خيفة منهم، ولكن مضوا قدما على بصائرهم ومنهاج نبيهم، صبرا على أمر الله وأمر نبيهم وطاعة الله، واتباعا لتنزيله ووحيه. ﴿وَاللّهُ يُحِبّ الصّابِرِينَ﴾ يقول : والله يحبّ هؤلاء وأمثالهم من الصابرين لأمره وطاعته، وطاعة رسوله، في جهاد عدوّه، لا من فشل ففرّ عن عدوّه، ولا من انقلب على عقبيه فذلّ لعدوّه لأن قتل نبيه أو مات، ولا من دخله وهن عن عدوّه وضعف لفقد نبيه.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أصَابَهُمْ في سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَما اسْتَكانُوا﴾ يقول : ما عجزوا، وما تضعضعوا لقتل نبيهم، ﴿وما اسْتَكَانُوا﴾ يقول : ما ارتدّوا عن نصرتهم ولا عن دينهم، بل قاتلوا على ما قاتل عليه نبيّ الله حتى لحقوا بالله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله :﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أصَابَهُمْ في سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُوا﴾ يقول : ما عجزوا، وما ضعفوا لقتل نبيهم، ﴿وَما اسْتَكانُوا﴾ يقول : وما ارتدّوا عن نصرتهم، قاتلوا على ما قاتل عليه نبيّ الله ﷺ حتى لحقوا بالله.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ : فما وهن الربيون لما أصابهم في سبيل الله، من قتل النبيّ صلى الله عليه وسلم¹ ﴿وَما ضَعُفُوا﴾ يقول : ما ضعفوا في سبيل الله لقتل النبيّ¹ ﴿وَما اسْتَكانُوا﴾ يقول : ما ذلوا حين قال رسول الله ﷺ :«اللّهُمّ لَيْسَ لَهُمْ أنْ يَعْلُونا »، ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ لفقد نبيهم، ﴿وَما ضَعُفُوا﴾ عن عدوهم، ﴿وَما اسْتَكانُوا﴾ لما أصابهم في الجهاد عن الله، وعن دينهم، وذلك الصبر ﴿وَاللّهُ يُحِبّ الصّابِرين﴾.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس :﴿وَما اسْتَكانُوا﴾ قال :
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
وأما قوله:"وسنجزي الشاكرين"، يقول: وسأثيب من شكر لي ما أوليته من إحساني إليه = بطاعته إياي، وانتهائه إلى أمري، وتجنُّبه محارمي = في الآخرة مثل الذي وعدت أوليائي من الكرامة على شكرهم إياي.
وقال ابن إسحاق في ذلك بما:-
٧٩٥٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"وسنجزي الشاكرين"، أي: ذلك جزاء الشاكرين، يعني بذلك، إعطاء الله إياه ما وعده في الآخرة، مع ما يجري عليه من الرزق في الدنيا. (٢)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك:
فقرأه بعضهم: (وَكَأَيِّنْ)، بهمز"الألف" وتشديد"الياء".
* * *
وقرأه آخرون بمد"الألف" وتخفيف"الياء"
* * *
وهما قراءتان مشهورتان في قرأة المسلمين، ولغتان معروفتان، لا اختلاف في معناهما، فبأي القراءتين قرأ ذلك قارئ فمصيبٌ. لاتفاق معنى ذلك، وشهرتهما في كلام العرب. ومعناه: وكم من نبي.
* * *
(٢) الأثر: ٧٩٥٦- ليس في سيرة ابن هشام بنصه.
القول في تأويل قوله: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة قوله:"قتل معه ربيون". (١)
فقرأ ذلك جماعة من قرأة الحجاز والبصرة: (قُتِلَ)، بضم القاف.
* * *
وقرأه جماعة أخر بفتح"القاف" و"بالألف". (٢) وهي قراءة جماعة من قرأة الحجاز والكوفة.
* * *
قال أبو جعفر: فأما من قرأ (قَاتَلَ)، فإنه اختار ذلك، لأنه قال: لو قُتلوا لم يكن لقوله:"فما وهنوا"، وجه معروف. لأنه يستحيل أن يوصفوا بأنهم لم يَهِنوا ولم يضعفوا بعد ما قتلوا.
وأما الذين قرأوا ذلك: (قُتِلَ)، فإنهم قالوا: إنما عنى بالقتل النبيَّ وبعضَ من معه من الربيين دون جميعهم، وإنما نفى الوهن والضعف عمن بقى من الربيين ممن لم يقتل.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب، قراءة من قرأ بضم"القاف": (" قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُونَ كَثِيرٌ ")، لأن الله عز وجل إنما عاتب بهذه الآية والآيات التي قبلها = من قوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ) (٣) الذين انهزموا يوم أحُد، وتركوا القتال، أو سمعوا الصائح يصيح:"إن محمدًا قد قتل". فعذلهم الله عز وجل على فرارهم وتركهم القتال فقال: أفائن مات محمد أو قتل، أيها المؤمنون، ارتددتم عن دينكم وانقلبتم على أعقابكم؟ ثم أخبرهم عما كان من فعل كثير من أتباع الأنبياء قبلهم، وقال لهم: هلا فعلتم كما كان
(٢) في المطبوعة: "جماعة أخرى"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٣) السياق: إنما عاتب بهذه الآية... الذين انهزموا...
* * *
وأما"الربيون"، فإنهم مرفوعون بقوله:"معه" لا بقوله:"قتل". وإنما تأويل الكلام: وكأين من نبيّ قتل، ومعه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله. وفي الكلام إضمار"واو"، لأنها"واو" تدل على معنى حال قَتْل النبي صلى الله عليه وسلم، غير أنه اجتزأ بدلالة ما ذكر من الكلام عليها من ذكرها، وذلك كقول القائل في الكلام:"قتل الأمير معه جيش عظيم"، بمعنى: قتل ومعه جيشٌ عظيم.
* * *
وأما"الربيون"، فإن أهل العربية اختلفوا في معناه.
فقال بعض نحويي البصرة: هم الذين يعبدون الرَّبَّ، واحدهم"رِبِّي".
* * *
وقال بعض نحويي الكوفة: لو كانوا منسوبين إلى عبادة الربّ لكانوا"رَبِّيون" بفتح"الراء"، ولكنه: العلماء، والألوف.
* * *
و"الربيون" عندنا، الجماعات الكثيرة، (٢) واحدهم"رِبِّي"، وهم الجماعة. (٣)
* * *
واختلف أهل التأويل في معناه.
* * *
(٢) في المطبوعة: "الجماعة الكثيرة"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٣) في المطبوعة والمخطوطة: "وهم جماعة"، وكأن الأجود ما أثبت، إلا أن يكون قد سقط من الناسخ شيء.
*ذكر من قال ذلك:
٧٩٥٧- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله: الربيون: الألوف.
٧٩٥٨- حدثني المثني قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان الثوري، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله، مثله.
٧٩٥٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري وابن عيينة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن عبد الله، مثله.
٧٩٦٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عمرو عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، مثله.
٧٩٦١- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عوف عمن حدثه، عن ابن عباس في قوله:"ربيون كثير"، قال: جموع كثيرة.
٧٩٦٢- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله:"قاتل معه ربيون كثير" (١) قال: جموع.
٧٩٦٣- حدثني حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا شعبة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله:"وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير" قال: الألوف.
* * *
وقال آخرون بما:-
٧٩٦٤- حدثني به سليمان بن عبد الجبار قال، حدثنا محمد بن الصلت
٧٩٦٥- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عوف، عن الحسن في قوله:"وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير"، قال: فقهاء علماء.
٧٩٦٦- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية. عن أبي رجاء، عن الحسن في قوله:"وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير" قال: الجموع الكثيرة = قال يعقوب: وكذلك قرأها إسماعيل: (" قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُونَ كَثِيرٌ ").
٧٩٦٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير" يقول: جموع كثيرة.
٧٩٦٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله:"قتل معه ربيون كثير"، قال: علماء كثير = (١) وقال قتادة: جموعٌ كثيرة.
٧٩٦٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة في قوله:"ربيون كثير"، قال: جموع كثيرة.
٧٩٧٠- حدثني عمرو بن عبد الحميد الآملي قال، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، مثله.
٧٩٧١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"قتل معه ربيون كثير" قال: جموع كثيرة.
٧٩٧٢- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٧٩٧٤- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير"، يقول: جموع كثيرة، قُتل نبيهم.
٧٩٧٥- حدثني المثني قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن جعفر بن حبان والمبارك، عن الحسن في قوله:"وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير"، قال جعفر: علماء صبروا = وقال ابن المبارك: أتقياء صُبُر. (١)
٧٩٧٦- حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"قتل معه ربيون كثير" يعني الجموع الكثيرة، قتل نبيهم.
٧٩٧٧- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"قاتل معه ربيون كثير"، يقول: جموع كثيرة.
٧٩٧٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قوله:"وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير" قال: وكأين من نبي أصابه القتل، ومعه جماعات. (٢)
٧٩٧٩- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير"، الربيون: هم الجموع الكثيرة. (٣)
* * *
وقال آخرون: الربيون، الاتباع.
(٢) الأثر: ٧٩٧٨- سيرة ابن هشام ٣: ١١٨، وهو من تتمة الآثار التي آخرها: ٧٩٥٥ مع بعض خلاف في لفظه.
(٣) في المطبوعة: "الربيون الجموع" بإسقاط"هم"، وأثبت ما في المخطوطة.
٧٩٨٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير"، قال:"الربيون" الأتباع، و"الرّبانيون" الولاة، و"الربِّيون" الرعية. وبهذا عاتبهم الله حين انهزموا عنه، (١) حين صاح الشيطان:"إن محمدًا قد قتل" = قال: كانت الهزيمة عند صياحه في [سه صاح] :(٢) أيها الناس، إنّ محمدًا رسول الله قد قُتل، فارجعوا إلى عشائركم يؤمِّنوكم!.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره:"فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله"، فما عجزوا = لما نالهم من ألم الجراح الذي نالهم في سبيل الله، (٣) ولا لقتل من قُتل منهم =، عن حرب أعداء الله، ولا نكلوا عن جهادهم ="وما ضعفوا"، يقول: وما ضعفت قواهم لقتل نبيهم ="وما استكانوا"، يعني وما ذلوا فيتخشَّعوا لعدوّهم بالدخول في دينهم ومداهنتهم فيه خيفة منهم، ولكن مضوا قُدُمًا على بصائرهم ومنهاج نبيِّهم، صبرًا على أمر الله وأمر نبيهم، وطاعة لله واتباعًا لتنزيله ووحيه =
(٢) الكلمات التي بين القوسين، هكذا جاءت في المخطوطة غير منقوطة، أما المطبوعة فقد قرأها"في سننية صاح"، وهو لا معنى له. وقد جهدت أن أجد هذا الأثر في مكان آخر، أو أن أعرف وجهًا مرضيًا في قراءته، فأعياني طلب ذلك. وقد بدا لي أنها محرفة عن اسم موضع، أو ثنية، وقف عندها إبليس فنادى بذلك النداء، ولكني لم أجد ما أردت. والمعروف في السير، أن أزب العقبة إبليس قد تصور متمثلا في شبه جعال بن سراقة، وصرخ بما صرخ به، حتى هم أناس بقتل جعال، فشهد له خوات بن جبير، وأبو بردة بن نيار، بأن جعالا كان عندهما وبجنبهما يقاتل، حين صرخ ذلك الصارخ. فأرجو أن أجد بعد إن شاء الله صواب قراءة هذا الرسم المشكل.
(٣) انظر تفسير"وهن" فيما سلف قريبًا: ٢٣٤.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
٧٩٨١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا"، يقول: ما عجزوا وما تضعضعوا لقتل نبيهم ="وما استكانوا" يقول: ما ارتدوا عن بصيرتهم ولا عن دينهم، (١) بل قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله حتى لحقوا بالله.
٧٩٨٢- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا"، يقول: ما عجزوا وما ضعفوا لقتل نبيهم ="وما استكانوا"، يقول: وما ارتدوا عن بصيرتهم، (٢) قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله ﷺ حتى لحقوا بالله.
٧٩٨٣- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فما وهنوا"، فما وهن الربيون ="لما أصابهم في سبيل الله" من قتل النبي ﷺ ="وما ضعفوا"، يقول: ما ضعفوا في سبيل الله لقتل النبي ="وما استكانوا"، يقول: ما ذلُّوا حين قال رسول الله صلى الله عليه
(٢) في المطبوعة: "عن نصرتهم" كما في الأثر السالف، وهو خطأ، وفي المخطوطة"عن نصرتهم" غير منقوطة، وهذا صواب قراءتها. انظر التعليق السالف.