اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
هذه اللفظة، قيل : هي مركبة من كاف التشبيه، ومن " أيِّ "، وقد حدث فيهما بعد التركيب معنى التكثير، المفهوم من " كَمْ " الخبرية، ومثلُها في التركيب وإفهام التكثير :" كذا " في قولهم : له عندي كذا درهماً، والأصل : كاف التشبيه و " ذا " الذي هو اسم إشارة، فلما رُكَِّبَا حدَثَ فيهما معنى التكثير، ف " كم " الخبرية وكأيِّن وكذا كلها بمعنًى واحد، وقد عهدنا في التركيب إحداث معنى آخر ؛ ألا ترى أن " لولا " حدث لها معنًى جديدٌ، وكان من حقها - على هذا - أو يُوقَفَ عليها بغير نون ؛ لأن التنوين يُحْذَف وقفاً، إلا أن الصحابة كتبتها " كَأيِّنْ " - بثبوت النون -، فمن ثم وقف عليها جمهور القراء بالنون ؛ اتِّبَاعاً لرسم المصحف.
ووقف أبو عمرو(١) وسورة بن المبارك عن الكسائي " كأي " - من غير نون - على القياس.
واعتل الفارسيُّ لوقف النون بأشياء، منها : أن الكلمة لما رُكِّبَتْ خرجت عن نظائرها، فجعل التنوين كأنه حرف أصلي من بنية الكلمة.
وفيها لغات خمس.
أحدها :" كأيِّنْ " - وهي الأصل - وبها قرأ الجماعة، إلاَّ ابن كثير(٢).
وقال الشاعر :[ الوافر ]
كَأيِّنْ فِي الْمَعَاشِرِ مِنْ أنَاسٍأخُوهُمْ فَوْقَهُمْ، وَهُمُ كِرَامُ(٣)
الثانية :" كائِنْ " - بزنة كاعِن - وبها قرأ ابن كثير(٤) وجماعة، وهي أكثر استعمالاً من " كأيِّنْ " وإن كانت تلك الأصل-.
قال الشاعر :[ الوافر ]
وَكَائنْ بِالأبَاطِحِ مِنْ صَدِيقٍيَرَانِي لَوْ أصِبْتُ هُوَ المُصَابَا(٥)
وقال الآخر :[ الطويل ]
وَكَائِنْ رَدَدْنَا عَنْكُمُ مِنْ مُدَجَّجٍ(٦)- ***. . .
وقال آخر :[ الطويل
وَكَائِنْ تَرَى فِي الْحَيِّ مِنْ ذِي قَرَابَةٍ(٧) ***. . .
أنشده المفضل ممدوداً، مهموزاً، مخففاً.
واختلفوا في توجيه هذه القراءة، فنُقِل عن المبرد أنها اسم فاعل من كان، يكون، فهو كائن، واستبعده مكِّيّ، قال : لإتيان " مِنْ " بعده، ولبنائه على السكون. وكذلك أبو البقاء، قال :" وهو بعيد الصحة ؛ لأنه لو كان كذلك لكان معرباً، ولم يكن فيه معنى التكثير ".
لا يقال : هذا تحامُل على المبرد ؛ فإن هذا لازم له - أيضاً - فإن البناء، ومعنى التكثير عارضان - أيضاً - لأن التركيب عُهِد فيه مثل ذلك - كما تقدم في " كذا "، و " لولا "، ونحوهما، وأما لفظٌ مفردٌ يُنقل إلى معنى، ويُبْنَى من غير سبب، فلم يُوجد له نظير.
وقيل : هذه القراءة أصلها " كَأيِّنْ " - كقراءة الجماعة - إلا أن الكلمة دخلها القلب، فصارت " كائن " مثل كاعن - واختلفوا في تصييرها بالقلب كذلك على أربعة أوجه :
أحدها : أنه قُدِّمت الياءُ المشددةُ على الهمزة، فصار وزنها كَعَلف، إلا أنك قدمتَ العينَ والسلام، وهما الياء المشددة - ثم حذفت الياء الثانية لثقلها بالحركة والتضعيف، كما قالوا في :" أيُّها "، ثم قلبت الياء الساكنة ألفاً، كما قلبوها في نحو آية - والأصل : أيَّة - وكما قالوا : طائِيّ - والأصل : طَيئ - فصار اللفظ " كَأيِنْ " ووزنه كَعْف، لأن الفاء أخرت إلى موضع اللام، واللام قد حُذفَتْ.
الوجه الثاني : أنه حذفت الياء الساكنة - التي هي عين - وقُدِّمَت المتحركة - التي هي لام - فتأخرت الهمزة - التي هي فاء - وقلبت الياء ألفاً ؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار " كائن " ووزنه كلف.
الوجه الثالث : ويُعْزَى للخليل - أنه قُدِّمَت إحدى الياءين في موضع الهمزة، فتحركت بحركة الهمزة - وهي الفتحة - وصارت الهمزة ساكنة في موضع الياء، فتحركت الياءُ، وانفتح ما قبلها، فقُلِبَتْ ألفاً، فالتقى الساكنان - الألف المنقلبة عن الياء، والهمزة بعدها ساكنة - فكُسِرَت الهمزة على أصل التقاء الساكنين، وبقيت إحدى الياءين متطرفة، فأذهبها التنوين - بعد سلب حركتها - كياء قاضٍ وغازٍ.
الوجه الرابع : أنه قُدِّمَت الياء المتحركةُ، فانقلبت ألفاً، وبقيت الأخرى ساكنة، فحذفها التنوين - مثل قاضٍ - ووزنه على هذين الوجهين أيضاً كلف ؛ لما تقدم من حذف العين، وتأخير الفاء، وإنما الأعمال تختلف.
اللغة الثالثة :" كَأْيِنْ " - بياء خفيفة بعد الهمزة - على مثال كَعْيِن، وبها قرأ ابنُ مُحَيْصِن، والأشهبُ العقيلي(٨)، ووجهها أن الأصل :" كَأيِّنْ " - كقراءة الجماعة - فحُذِفَت الياءُ الثانية، استثقالاً، فالتقى ساكنان - الياء والتنوين - فكُسِر الياء ؛ لالتقاء الساكنين، ثم سكنت الهمزة تخفيفاً لثقل الكلمة بالتركيب، فصارت كالكلمة الواحدة كما سكنوا " فهو " و " فهي ".
اللغة الرابعة :" كَيْإن " بياء ساكنة، بعدها همزة مكسورة، وهذه مقلوب القراءة التي قبلها، وقرأ بها بعضهم.
اللغة الخامسة :" كإنْ " - على مثال كَعٍ - ونقلها الداني قراءة عن ابن مُحَيْصِن أيضاً.
وقال الشاعر :[ الطويل ]
كَئِنْ مِنْ صَدِيقٍ خِلْتُهُ صَادِقَ الإخَاءِ أبَانَ اخْتِبَاري أنَّهُ لِي مُدَاهِنُ(٩)
وفيها وجهان :
أحدهما : أنه حذف الياءين دُفعَةً واحدةً لامتزاج الكلمتين بالتركيب.
والثاني : أنه حذف إحدى الياءين - على ما تقدم تقريره -، ثم حذف الأخرى لالتقائها ساكنةً مع التنوين ووزنه - على هذا - كَفٍ ؛ لحذف العين واللام منه.
واختلفوا في " أي " هل هي مصدر في الأصل، أم لا ؟
فذهب جماعة إلى أنها ليست مصدراً، وهو قول أبي البقاء ؛ فإنه قال " كَأيِّنْ " الأصل فيه :" أيٌّ "، التي هي بعض من كل، أدخلت عليها كافُ التشبيه.
وفي عبارته عن " أيّ " بأنها بعض من كل، نظر لأنها ليست بمعنى : بعض من كل، نعم إذا أضيفت إلى معرفة فحُكْمها حُكم " بعض " في مطابقة الجُزْء، وعود الضمير، نحو : أيُّ الرجلين قائم ولا نقول : قاما، فليست هي التي " بعض " أصلاً.
وذهب ابنُ جني إلى أنها - في الأصل - مصدر أوَى يأوِي - إذا انضم، واجتمع - والأصل : أوْيٌ، نحو طَوَى يَطْوي طيًّا - فاجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، وكأن ابن جنِّي ينظر إلى أن معنى المادة من الاجتماع الذي يدل عليه " أي " فإنها للعموم، والعموم يستلزم الاجتماع.
وهل هذه الكاف الداخلة على " أي " تتعلق بغيرها من حروف الجر، أم لا ؟
والصحيح أنها لا تتعلق بشيء ؛ لأنها مع " أي " صارتا بمنزلة كلمة واحدة - وهي " كم " - فلم تتعلق بشيء، ولذلك هُجِر معناه الأصلي - وهو التشبيه-.
وزعم الحوفيّّ أنها تتعلق بعامل، فقال :" أما العامل في الكاف، فإن جعلناها على حكم الأصل، فمحمول على المعنى، والمعنى : إصابتكم كإصابة من تقدَّم من الأنبياء وأصحابهم، وإن حملنا الحكم على الانتقال إلى معنى " كم "، كان العامل بتقدير الابتداء، وكانت في موضع رفع، و " قاتل " الخبر، و " مِنْ " متعلقة بمعنى " الاستقرار "، والتقدير الأول أوضح ؛ لحمل الكلام على اللفظ دون المعنى، بما يجب من الخفض في " أي "، وإذا كانت " أي " على بابها من معاملة اللفظ، ف " من " متعلقة بما تعلقت به الكاف من المعنى المدلول عليه " اه. وهو كلام غريب.
واختار أبو حيان أن " كأين " كلمة بسيطة - غير مركبة - وأن آخرها نون - هي من نفس الكلمة - لا تنوين ؛ لأن هذه الدعاوى المتقدمة لا يقوم عليها دليل، وهذه طريق سهلة، والنحويون ذكروا هذه الأشياء ؛ محافظةً على أصولهم، مع ما ينضم إلى ذلك من الفوائد، وتمرين الذهن. هذا ما يتعلق بها من حيث التركيب، فموضعها رفع بالابتداء، وفي خبرها أربعة أوجه :
أحدها : أنه " قاتل " فإن فيه ضميراً مرفوعاً به، يعود على المبتدأ، والتقدير : كثير من الأنبياء قاتل.
قال أبو البقاء : والجيد أن يعود الضمير على لفظ " كأين "، كما تقول : مائة نبي قُتِل، فالضمير للمائة ؛ إذ هي المبتدأ.
فإن قيل : لو كان كذلك لأنثت، فقلت : قُتِلَتْ ؟
قيل : هذا محمول على المعنى ؛ لأن التقدير : كثير من الرجال قُتِل.
كأنه يعني بغير الجيد عوده على لفظ " نَبِيّ "، فعلى هذا جملة ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ جملة في محل نصب على الحال من الضمير في " قُتِل ".
ويجوز أن يرتفع " ربيون " على الفاعلية بالظرف، ويكون الظرف هو الواقع حالاً، التقدير : استقر معه ربيون.
وهو أولى ؛ لأنه من قبيل المفردات، وأصل الحال والخبر والصفة أن تكون مفردة.
ويجوز أن يكون " مَعَهُ " - وحده - هو الحال، و " رِبِّيُّونَ " فاعل به، ولا يحتاج - هنا - إلى واو الحال ؛ لأن الضمير هو الرابط - أعني : الضمير في " مَعَهُ ".
ويجوز أن يكون حالاً من " نَبِيّ " - وإن كان نكرة - لتخصيصه بالصفة حينئذ ؛ ذكره مكي. وعمل الظرف - هنا - لاعتماده على ذي الحال.
قال أبو حيان : وهي حال محكية، فلذلك ارتفع " ربيون " بالظرف - وإن كان العامل ماضياً، لأنه حكى الحال الماضية، كقوله :﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالوَصِيد﴾ [الكهف: ١٨]، وذلك على مذهب البصريين، وأما الكسائي فيعمل اسم الفاعل العاري من " أل " مطلقاً.
وفيه نظر ؛ لأنا لا نسلم أن الظرف يتعلق باسم فاعل، حتى يلزم عليه ما قال من تأويله اسم الفاعل بحال ماضية، بل يدعى تعلُّقه بفعل، تقديره : استقر معه ربيون.
الوجه الثاني : أن يكون " قَاتَلَ " جملة في محل جر ؛ صفة لِ " نَبِيّ "، و ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ هو الخبر، لكن الوجهان المتقدمان في جعله حالاً - أعني : إن شئت أن تجعل " مَعَهُ " خبراً مقدماً، و " ربِّيُّونَ " مبتدأ مؤخراً، والجملة خبر " كَأيِّنْ "، وأن تجعل " مَعَهُ " - وحده - هو الخبر، و " ربِّيُّونَ " فاعل به ؛ لاعتماد الظرف على ذي خبر.
الوجه الثالث : أن يكون الخبر محذوفاً، تقديره : في الدنيا، أو مضى، أو : صابر، وعلى هذا، فقوله :" قَاتَلَ " في محل جر ؛ صفة لِ " نَبِيٍّ "، و " مَعَهُ ربِّيُّونَ " حال من الضمير في " قَاتَلَ " - على ما تقدم تقريره - ويجوز أن يكون " مَعَهُ ربِّيُّونَ " صفة ثانية ل " نَبِيٍّ "، وُصِف بصفتين : بكونه قاتل، وبكونه معه ربيون.
الوجه الرابع : أن يكون " قَاتَلَ " فارغاً من الضمير، مسنداً إلى " رِبِّيُّونَ " وفي هذه الجملة - حينئذ - احتمالان :
أحدهما : أن تكون خبراً ل " كأيِّنْ ".
الثاني : ان تكون في محل جر ل " نَبِيٍّ " والخبر محذوف - على ما تقدم - وادِّعَاء حذف الخبر ضعيف لاستقلال الكلام بدونه.
وقال أبو البقاء : ويجوز أن يكون " قَاتَلَ " مسنداً لِ " رِبِّيُّونَ "، فلا ضمير فيه على هذا، والجملة صفة " نَبِيٍّ ".
ويجوز أن يكون خبراً، فيصير في الخبر أربعة أوجه، ويجوز أن يكون صفةً لِ " نَبِيٍّ " والخبر محذوف على ما ذكرنا.
وقوله : صفة ل " رَبِّيُّونَ " يعني : أن القتل من صفتهم في المعنى، وقوله :" فيصير في الخبر أربعة أوجه " يعني : ما تقدم له من أوجه ذكرها، وقوله : فلا ضمير فيه - على هذا - والجملة صفة " نبي " غلط ؛ لأنه يبقى المبتدأ بلا خبرٍ.
فإن قلتَ : إنما يزعم هذا لأنه يقدر خبراً محذوفاً ؟
قلت : قد ذكر أوجهاً أخَر ؛ حيثُ قال :" ويجوز أن تكون صفة ل " نَبِيٍّ " والخبرُ محذوفٌ - على ما ذكرنا ".
١ ينظر: السبعة ٢١٦، والكشف ١/٣٥٧، وإتحاف ١/٤٨٩، والمحرر الوجيز ١/٥١٩، والبحر المحيط ٣/٧٧، والدر المصون ٢/٢٢٤..
٢ ينظر: الحجة ٣/٨٠، وحجة القراءات ١٧٤، ١٥٧، والعنوان ٨١، وإعراب القراءات ١/١٢٠، وشرح الطيبة ٤/١٦٩، وشرح شعلة ٣٢٢، وإتحاف ١/٤٨٩..
٣ ينظر معاني القرآن للزجاج ١/٤٩٠، والبحر المحيط ٣/٧٧، والدر المصون ٢/٢٢٥..
٤ ينظر القراءة السابقة..
٥ البيت لجرير. ينظر: خزانة الأدب ٥/٣٩٧، ٤٠١، وشرح شواهد المغني ص ٤٨٧٥؛ ومغني اللبيب ص ٤٩٥، والدرر ١/٢٤٤، وشرح شواهد الإيضاح ص ٢٠٠، وأمالي ابن الحاجب ص ٦٦٢، وخزانة الأدب ٤/٥٣، ٥/١٣٩ ورصف المباني ص ١٣٠ وشرح الأشموني ٣/٦٣٩، وشرح المفصل ٣/١١٠، ٤/١٣٥، وهمع الهوامع ١/٦٨، ٢٥٦، ٢/٧٦، والدر المصون ٢/٢٢٥..
٦ صدر بيت لعمرو بن شأس وتمامه:
وكائن رددنا عنكم من مدججيجيء أمام الركب يردي مقنعا
ينظر ديوانه ص ٣٢ والدرر ١/٢١٣ والكتاب ١/٢٩٧ والهمع ١/٢٥٦ ومعاني القرآن للزجاج ١/٤٨٩ ورغبة الآمل ٨/٢٢ وارتشاف الضرب ١/٣٧٨ والبحر ٣/٧٧ والكامل ٣/٣٢١ والدر المصون ٢/٢٢٥..

٧ ينظر البيت في مفاتيح الغيب ٩/٢٥..
٨ انظر هذه اللغات في الدر المصون ٢/٢٢٥- ٢٢٦..
٩ ينظر البيت في حاشية الشهاب ٣/٦٩ والبحر ٣/٧٨ والدر المصون ٢/٢٢٦..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى