غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
سورة آل عمران
وهي مدنية حروفها ٤٤٢٤ كلماتها ٤٨٥ آياتها مائتان
﴿وكأين﴾ الأكثرون على أنها في الأصل مركبة من كاف التشبيه و " أي " التي هي في غاية الإبهام إذا قطعت عن الإضافة. كما أن " كذا " مركبة من " الكاف " و " ذا " المقصود به الإشارة.
" فكأين " مثل " كذا " في كون المجرورين مبهمين عند السامع إلا أن في " ذا " إشارة في الأصل إلى ما في ذهن المتكلم بخلاف " أي " فإنه للعدد المبهم ومميزها منصوب ومفرد على الأصل. والأكثر إدخال " من " في مميز " كأين " وبه ورد القرآن، والتمييز بعد " كذا " و " كأين " في الأصل عن الكاف لا عن " ذا " و " أي " كما في " مثلك رجلاً " لأنك تبين في كذا رجلاً وكأين رجلاً أن مثل العدد المبهم في أي جنس هو ولم تبين العدد المبهم. فأي في الأصل كان معرباً لكنه انمحى عن الجزأين معناهما الإفرادي وصار المجموع كاسم مفرد بمعنى " كم " الخبرية فصار كأنه اسم مبني على السكون آخره نون ساكنة كما في " من " لا تنوين تمكن فلهذا يكتب بعد الياء نون، مع أن التنوين لا صورة له خطاً ولأجل التركيب تصرف فيه فقيل : كائن مثل كاعن. وربما ظن بعضهم أنه اسم فاعل من كان، ولكنه بني لكثرة الاستعمال وهاتان اللغتان فيه مشهورتان ولهذا قرئ بهما. وفيه لغات آخر غير مشهورة تركنا ذكرها لأنه لم يقرأ بها ولعلك تجدها في كتبنا الأدبية، ومحل ﴿كأين﴾ ههنا رفع على الابتداء، وقوله ﴿قتل﴾ أو ﴿قاتل﴾ خبره والضمير يعود إلى لفظ ﴿كأين﴾ فإنه مفرد اللفظ. وإن كان مجموع المعنى. والربيون معناه الألوف أو الجماعات الكثيرة. الواحد ربى عن الفراء والزجاج. قال ابن قتيبة : أصله من الربة الجماعة، فحذفت الهاء في النسبة، ويقال : ترببوا أي تجمعوا. وقال ابن زيد : الربانيون الأئمة والولاة، والربيون الرعية. والكسر فيه من تغييرات النسب كالضم في دهري، والقياس الفتح، ثم من قرأ ﴿قتل﴾ فمعنى الآية إن كثيراً من الأنبياء قتلوا والذين بقوا بعده ما وهنوا في دينهم بل استمروا على جهاد عدوّهم ونصرة دينهم وكان ينبغي أن يكون لكم فيهم أسوة حسنة. فيكون المقصود من الآية حكاية ما جرى لسائر الأنبياء لتقتدي هذه الأمم بهم. ومن قرأ ﴿قاتل﴾ فالمعنى : وكم من نبي قاتل معه العدد الكثير من أصحابه فأصابهم من عدوّهم قروح فما وهنوا. فعلى هذا يكون الغرض من الآية ترغيب الذين كانوا مع النبي ﷺ في القتال. وربما تؤيد هذه القراءة بما روي عن سعيد بن جبير أنه قال : ما سمعنا بنبي قتل في القتال، ويحتمل أن تنزل القراءة الأولى على هذه الرواية أيضاً بأن يقال : المعنى وكأين من نبي قتل ممن كان معه وعلى دينه ربيون كثير، فما ضعف الباقون وما استكانوا لقتل من قتل من إخوانهم، بل مضوا على جهاد عدّوهم.
ثم إنه تعالى مدح هؤلاء الربيين بصفات وذلك قوله ﴿فما وهنوا﴾ إلخ ولا بد من تغايرها فقيل ﴿فما وهنوا﴾ عند قتل النبي ﴿وما ضعفوا﴾ عن الجهاد بعده ﴿وما استكانوا﴾ للعدو أي لم يخضعوا له، وفيه تعريض بما أصاب المسلمين من الوهن والانكسار عن الإرجاف بقتل رسول الله ﷺ، وبضعفهم عند ذلك عن جهاد الكفار واستكانتهم لهم حين أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبد الله بن أبي في طلب الأمان من أبي سفيان. وقيل : الوهن استيلاء الخوف عليهم، والضعف ضعف الإيمان واختلاج الشبهات في صدورهم، والاستكانة الانتقال من دينهم إلى دين عدوهم. وقيل : الوهن ضعف يلحق القلب، والضعف مطلقاً اختلال القوة الجسمية، والاستكانة إظهار ذلك العجز والضعف. واستكان قيل " افتعل " من السكون كأنه سكن لصاحبه ليفعل به ما يريد. وعلى هذا فالمد شاذ كقولهم " هو منه بمنتزاح " أي ببعد يراد بمنتزح. والأصح أنه استفعل من " كان " والمد قياسي كأن صاحبه تغير من كون إلى كون أي من حال إلى حال. ﴿والله يحب الصابرين﴾ بأن يريد إكرامهم والحكم بالثواب والجنة لهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة﴾ أن تلجوا عالم الملكوت ولم تظهر منكم مجاهدات تورث المشاهدات ولا الصبر على تزكية النفوس وتصفية القلوب على وفق الشريعة وقانون الطريقة لتتحلى الأرواح بأنوار الحقيقة ﴿ولقد كنتم﴾ يا أرباب الصدق وأصحاب الطلب ﴿تمنون﴾ موت النفوس عن صفاتها تزكية لها ﴿من قبل أن تلقوه﴾ بالمجاهدات والرياضات في خلاف النفس وقهرها عند لقاء العدو في الجهاد الأصغر ظاهراً وفي الجهاد الأكبر باطناً ﴿فقد﴾ رأيتم هذه الأسباب التي كنتم تمنونها عياناً ﴿وأنتم تنظرون﴾ لا تفدون أرواحكم و لا تجاهدون حق الجهاد في الله بأرواحكم وأشباحكم ﴿أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ فيه أن الإيمان التقليدي لا اعتبار له فينقلب المقلد عن إيمانه عند إعدام المقلد من الوالدين أو الأستاذ، وكذا عند موت المقلد فيعجز عند سؤال الملكين في قولهما له من ربك ؟ فيقول : هاه لا أدري. فيقولون : ما تقول في هذا الرجل ؟ فيقول : هاه لا أدري كنت أقول فيه ما قال الناس. فيقولان له : لا دريت ولا تليت. ﴿وسيجزي الله﴾ بالإيمان الحقيقي ﴿الشاكرين﴾ الذين شكروا نعمة الإيمان التقليدي بأداء حقوقه وهو الائتمار بأوامر الشرع والانتهاء عن نواهيه. ﴿وما كان لنفس أن تموت﴾ عن أوصافها الدنية وأخلاقها الردية وتتخلص عنها بطبعها إلا بتوفيق الله وجذبه وإشراق نوره كما أن ظلمة الليل لا تنتهي إلا بإشراق طلوع الشمس. ثم أثبت للعبد كسباً في طلب الهداية واستجلاب العناية بقوله :﴿ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها﴾ وهذه رتبة الخواص أي من عمل شوقاً إلى الحق فقد رأى نعمة وجود المنعم، فثوابه نقد في الدنيا لأنه حاضر لا غيبه له وهو معنى قولهم " الصوفي ابن الوقت " وفيه أنشد :
خليلي هل أبصرتما أو سمعتمابأكرم من مولى تمشى إلى عبد
أتى زائراً من غير وعد وقال ليأصونك عن تعذيب قلبك بالوعد.
ومن عمل شوقاً إلى الجنة فنظره على النعمة فثوابه في الآخرة ﴿وسيجزي الشاكرين﴾ أي كلا الفريقين على قدر شكرهما ﴿وكأين من نبي قاتل﴾ أعدى العدو الذي بين جنبيه و ﴿معه ربيون﴾ متخلقون بأخلاق الرب ﴿فما وهنوا لما أصابهم﴾ من تعب المجاهدات ﴿وما ضعفوا﴾ في طلب الحق ﴿وما استكانوا﴾ باحتمال الذلة والالتفات إلى غير الله. ﴿إن تطيعوا الذين كفروا﴾ أي النفوس الكافرة وصفاتها ﴿يردّوكم﴾ إلى أسفل سافلين بشريتكم وبهيميتكم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى