البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
كائن : كلمة يكثر بها بمعنى كم الخبرية.
وقلَّ الاستفهام بها.
والكاف للتشبيه، دخلت على أي وزال معنى التشبيه، هذا مذهب سيبويه والخليل، والوقف على قولهما بغير تنوين.
وزعم أبو الفتح : أنّ أيا وزنه فعل، وهو مصدر أوى يأوي إذا انضم واجتمع، أصله : أوى عمل فيه ما عمل في طي مصدر طوي.
وهذا كله دعوى لا يقوم دليل على شيء منها.
والذي يظهر أنه اسم مبني بسيط لا تركيب فيه، يأتي للتكثير مثل كم، وفيه لغات : الأولى وهي التي تقدمت.
وكائن ومن ادعى أن هذه اسم فاعل من كان فقوله بعيد.
وكئن على وزن كعن، وكأين وكيين، ويوقف عليها بالنون.
وأكثر ما يجيء تمييزها مصحوباً بمن.
ووهم ابن عصفور في قوله : إنه يلزمه مِنْ، وإذا حذفت انتصب التمييز سواء أولها أم لم يليها، نحو قول الشاعر :
أطرد اليأس بالرجاء فكاينآلماً عم يسره بعد عسر
وقول الآخر :
وكائن لنا فضلاً عليكم ونعمةقديماً ولا تدرون ما من منعم
﴿وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا﴾ لما كان من المؤمنين ما كان يوم أحد وعتب عليهم الله ما حذر منهم في الآيات التي تقدمت، أخبرهم بأنّ الأمم السالفة قتلت أنبياء لهم كثيرون أو قتل ربيون كثير معهم، فلم يلحقهم ما لحقكم من الوهن والضعف، ولا ثناهم عن القتال فجعهم بقتل أنبيائهم، أو قتل ربيبهم، بل مضوا قدماً في نصرة دينهم صابرين على ما حل بهم.
وقتل نبي أو أتباعه من أعظم المصاب، فكذلك كان ينبغي لكم التأسي بمن مضى من صالحي الأمم السابقة، هذا وأنتم خير الأمم، ونبيكم خير الأنبياء.
وفي هذه الجملة من العتب لمن فرّ عن النبي ﷺ.
وقرأ الجمهور وكأين قالوا : وهي أصل الكلمة، إذ هي أي دخل عليها كاف التشبيه، وكتبت بنون في المصحف، ووقف عليها أبو عمرو.
وسورة بن المبارك عن الكسائي بياء دون نون، ووقف الجمهور على النون اتباعاً للرسم.
واعتل لذلك أبو علي الفارسي بما يوقف عليه في كلامه وذلك على عادة المعللين، ومما جاء على هذه اللغة قول الشاعر :
وكائن في المعاسر من أناسأخوهم فرقهم وهم كرام
وقرأ ابن كثير : وكائن وهي أكثر استعمالاً في لسان العرب وأشعارها.
قال :.
وكائن رددنا عنكم من مدجج *** وقرأ ابن محيصين والأشهب العقيلي : وكأين على مثال كعين.
وقرأ بعض القراء من الشواذ كيئن، وهو مقلوب قراءة ابن محيصين.
وقرأ ابن محيصين أيضاً فيما حكاه الداني كان على مثال كع وقال الشاعر :
كان صديق خلته صادق الإخاأبان اختياري أنه لي مداهن
وقرأ الحسن كي بكاف بعدها ياء مكسورة منونة.
وقد طول المفسرون ابن عطية وغيره بتعليل هذه التصرفات في كأين، وبما عمل في كأين، فلذلك أضربنا عن ذكره صفحاً.
وقرأ الحرميان وأبو عمرو قتل مبنياً للمفعول، وقتادة كذلك، إلا أنه شدّد التاء، وباقي السبعة قاتل بألف فعلاً ماضياً.
وعلى كل من هذه القرآت يصلح أن يسند الفعل إلى الضمير، فيكون صاحب الضمير هو الذي قتل أو قتل على معنى التكثير بالنسة لكثرة الأشخاص، لا بالنسبة لفرد فرد.
إذ القتل لا يتكثر في كل فرد فرد.
أو هو قاتل ويكون قوله : معه ربيون محتملاً أن تكون جملة في موضع الحال، فيرتفع ربيون بالابتداء، والظرف قبله خبره، ولم يحتج إلى الواو لأجل الضمير في معه العائد على ذي الحال، ومحتملاً أن يرتفع ربيون على الفاعلية بالظرف، ويكون الظرف هو الواقع حالاً التقدير : كائناً معه ربيون، وهذا هو الأحسن.
لأن وقوع الحال مفرداً أحسن من وقوعه جملة.
وقد اعتمد الظرف لكونه وقع حالاً فيعمل وهي حال محكية، فلذلك ارتفع ربيون بالظرف.
وإنْ كان العامل ماضياً لأنه حكى الحال كقوله تعالى :﴿وكلبهم باسط ذراعيه﴾ وذلك على مذهب البصريين.
وأما الكسائي وهشام فإنه يجوز عندهما إعمال اسم الفاعل الماضي غير المعرف بالألف واللام من غير تأويل، بكونه حكاية حال، ويصلح أن يسند الفعل إلى ربيون فلا يكون فيه ضمير، ويكون الربيون هم الذين قَتلوا أو قُتلوا أو قاتلوا، وموضع كأين رفع على الابتداء.
والظاهر أن خبره بالجملة من قوله : قتل أو قتل أو قاتل، سواء أرفع الفعل الضمير، أم الربيين.
وجوزوا أن يكون قتل إذا رفع الضمير في موضع الصفة ومعه ربيون في موضع الخبر كما تقول : كم من رجل صالح معه مال.
أو في موضع الصفة فيكون قد وصف بكونه مقتولاً، أو مقتلاً، أو مقاتلاً، وبكونه معه ربيون كثير.
ويكون خبر كأين قد حذف تقديره : في الدنيا أو مضى.
وهذا ضعيف، لأن الكلام مستقل بنفسه لا يحتاج إلى تكلف إضمار.
وأما إذا رفع الظاهر فجوزوا أن تكون الجملة الفعلية من قتل ومتعلقاتها في موضع الصفة لنبي، والخبر محذوف.
وهذا كما قلنا ضعيف.
ولما ذكروا أن أصل كأين هو أي دخلت عليها كاف التشبيه فجرتها، فهي عاملة فيها، كما دخلت على ذا في قولهم : له عندي كذا.
وكما دخلت على أنّ في قولهم : كأن ادعى أكثرهم إن كأن، بقيت فيها الكاف على معنى التشبيه.
وإن كذا، وكأن، زال عنهما معنى التشبيه.
فعلى هذا لا تتعلق الكاف بشيء، وصار معنى كأين معنى كم، فلا تدل على التشبيه ألبتة.
وقال الحوفي : أما العامل في الكاف فإن حملناها على حكم الأصل فمحمول على المعنى، والمعنى : إصابتكم كإصابة من تقدّم من الأنبياء وأصحابهم.
وإن حملنا الحكم على الانتقال إلى معنى كم، كان العامل بتقدير الابتداء، وكانت في موضع رفع وقتل الخبر.
ومن متعلقة بمعنى الاستقرار، والتقدير الأول أوضح لحمل الكلام على اللفظ دون المعنى بما يجب من الخفض في أي.
وإذا كانت أي على بابها من معاملة اللفظ، فمن متعلقة بما تعلقت به الكاف من المعنى المدلول عليه انتهى كلامه.
وهو كلام فيه غرابة.
وجرَّهم إلى التخليط في هذه الكلمة ادّعاؤهم بأنها مركبة من : كاف التشبيه، وإن أصلها أي : فجرت بكاف التشبيه.
وهي دعوى لا يقوم على صحتها دليل.
وقد ذكرنا رأينا فيها أنها بسيطة مبنية على السكون، والنون من أصل الكلمة وليس بتنوين، وحملت في البناء على نظيرتها كم.
وإلى أن الفعل مسند إلى الضمير.
ذهب الطبري وجماعة ورجح ذلك بأن القصة هي سبب غزوة أحد، وتخاذل المؤمنين حين قتل محمد ﷺ، فضرب المثل بنبي قتل.
ويؤيد هذا الترجيح قوله : أفإن مات أو قتل.
وقد قال ابن عباس في قوله :﴿وما كان لنبي أن يغل﴾ النبي، يقتل، فكيف لا يخان ؟ وإذا أسند لغير النبي كان المعنى تثبيت المؤمنين لفقد مَن فقد منهم فقط.
وإلى أن الفعل مسند إلى الربيين ذهب الحسن وجماعة.
قال هو وابن جبير : لم يقتل نبي في حرب قط.
وقال ابن : عطية قراءة من قرأ قاتل أعم في المدح، لأنه يدخل فيها من قتل ومن بقي.
ويحسن عندي على هذه القراءة إسناد الفعل إلى الربيين، وعلى قراءة قتل إسناده إلى نبي انتهى كلامه.
ونقول : قتل : يظهر أنها مدح، وهي أبلغ في مقصود الخطاب، لأنها نص في وقوع القتل، ويستلزم المقاتلة.
وقاتل : لا تدل على القتل، إذ لا يلزم من المقاتلة وجود القتل.
قد تكون مقاتلة ولا يقع قتل.
وما ذكر من أنه يحسن عنده ما ذكر لا يظهر حسنه، بل القراءتان تحتملان الوجهين.
وقال أبو الفتح بن جني : في قراءة قتادة لا يحسن أن يستند الفعل إلى الربيين لما فيه من معنى التكثير الذي لا يجوز أن يستعمل في قتل شخص واحد.
فإن قيل : يستند إلى نبي مراعاة لمعنى كأين، فالجواب : أن اللفظ قد مشى على جهة الإفراد في قوله : من نبي، ودل الضمير المفرد في معه على أن المراد إنما هو التمثيل بواحد واحد، فخرج الكلام على معنى كأين.
قال أبو الفتح : وهذه القراءة تقوي قول من قال لمن قتل وقاتل : إنما يستند إلى الربيين.
انتهى كلامه وليس بظاهر.
لأن كأين مثل كم، وأنت خبير إذا قلت : كم من عانٍ فككته، فأفردت.
راعيت لفظ كم ومعناها الجمع : وإذا قلت : كم من عان فككتهم، راعيت معنى كم لا لفظها.
وليس معنى مراعاة اللفظ إلا أنك أفردت الضمير، والمراد به الجمع.
فلا فرق من حيثُ المعنى بين فككته وفككتهم، كذلك لا فرق بين قتلوا معهم ربيون وقتل معه ربيون، وإنما جاز مراعاة اللفظ تارة، ومراعاة المعنى تارة، لأن مدلول كم وكأين كثير، والمعنى جمع كثير.
وإذا أخبرت عن جمع كثير فتارةً تفرد مراعاة للفظ، وتارةً تجمع مراعاة للمعنى كما قال تعالى :{ أم يقولون نحن جميع منتصر.
سيهزم الجمع ويولون الدبر } فقال : منتصر، وقال : ويولون.
فأفرد منتصر، وجمع في يولون.
وقول أبي الفتح في جواب السؤال الذي فرضه : أن اللفظ قد جرى على جهة الإفراد في قوله : من نبي، أي روعي لفظ كأين لكون تمييزها جاء مفرداً، فناسب لما ميزت بمفرد أن يراعي لفظها، والمعنى على الجمع.
وقوله : ودل الضمير المفرد في معه على أن المراد إنما هو التمثيل بواحد واحد، هذا المراد مشترك بين أن يفرد الضمير، أو يجمع.
لأن الضمير المفرد ليس معناه هنا إفراد مدلوله، بل لا فرق بينه مفرداً ومجموعاً من حيث المعنى.
وإذ لا فرق فدلالته عامة، وهي دلالته على كل فرد فرد.
وقوله : فخرج الكلام عن معنى كأين، لم يخرج الكلام عن معنى كأين، إنما خرج عن جمع الضمير على معني كأين دون لفظها، لأنه إذا أفرد لفظاً لم يكن مدلوله مفرداً، إنما يكون جمعاً كما قالوا : هو أحسن الفتيان وأجمله، معناه : وأجملهم.
ومن أسند قتل أو قتل إلى ربيون، فالمعنى عنده : قتل بعضهم.
كما تقول : قتل بنو فلان في وقعة كذا، أي جماعة منهم.
والربي عابد الرب.
وكسر الراء من تغيير النسب، كما قالوا : إمسي في النسبة إلى أمس، قاله : الأخفش.
أو الجماعة قاله : أبو عبيدة.
أو منسوب إلى الرّبة وهي الجماعة، ثم جمع بالواو والنون قاله : الزجاج.
أو الجماعة الكثيرة قاله : يونس بن حبيب.
وربيون منسوب إليها.
قال قطرب : جماعة العلماء على قول يونس، وأمّا المفسرون فقال ابن مسعود، وابن عباس : هم الألوف، واختاره الفراء وغيره.
عدد ذلك بعض المفسرين فقال : هم عشرة آلاف.
وقال ابن عباس في رواية، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، والسدي، والربيع : هم الجماعات الكثيرة، واختاره ابن قتيبة.
وقال ابن عباس في رواية الحسن : هم العلماء الأتقياء الصبر على ما يصيبهم.
واختاره اليزيدي والزجاج.
وقال ابن زيد : الاتباع، والربانيون الولاة.
وقال ابن فارس : الصالحون العارفون بالله.
وقيل : وزراء الأنبياء.
وقال الضحاك : الربية الواحدة ألف، والربيون جمعها.
وقال الكلبي : الربية الواحدة عشرة آلاف.
وقال النقاش : هم المكثرون العلم من قولهم : ربا الشيء يربو إذا كثر.
وهذا لا يصح لاختلاف المادتين، لأن ربا أصوله راء وباء وواو، وأصول هذا راء وباء وباء.
وقرأ الجمهور بكسر الراء.
وقرأ علي، وابن مسعود، وابن عباس، وعكرمة، والحسن، وأبو رجاء، وعمرو بن عبيد، وعطاء بن السائب بضم الراء، وهو من تغيير النسب.
كما قالوا : دُهري بضم الدال، وهو منسوب إلى الدهر الطويل.
وقرأ ابن عباس فيما روى قتادة عنه : بف

تفسير هذه الآية من كتب أخرى