زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَكَأَيّن مّن نَّبِيّ﴾ قرأ الجمهور ﴿وكأين﴾ في وزن " كعيّن ". وقرأ ابن كثير و﴿كائن﴾ في وزن " كاعن " قال الفراء : أهل الحجاز يقولون :﴿كأين﴾ مثل :" كعيّن " ينصبون الهمزة، ويشددون الياء. وتميم يقولون : و﴿كائن﴾ كأنها فاعل من كئت وأنشدني الكسائي :
وكائن ترى يسعى من الناس جاهداعلى ابن غدا منه شجاع وعقرب
وقال آخر :
وكائن أصابت مؤمنا من مصيبةعلى الله عقباها ومنه ثوابها
وقال ابن قتيبة : كائن بمعنى " كم " مثل قوله :﴿وَكَأِيّن مّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبّهَا﴾ [الطلاق: ٨] وفيها لغتان. " كأين " بالهمزة وتشديد الياء، و " كائن " على وزن " قائل "، [ وبائع ] وقد قُرئ بهما جميعا في القرآن والأكثر والأفصح تخفيفها. قال الشاعر :
وكائن أرينا الموت من ذي تحيةإذا ما ازدرانا أو أصرّ لمأثم
وقال الآخر :
وكائن ترى من صامت لك معجبزيادته أو نقصه في التكلم
قوله تعالى :﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ﴾ قرأ ابن كثير، ونافع، أبو عمرو، وأبان، والمفضل كلاهما عن عاصم :﴿قُتل﴾ بضم القاف، وكسر التاء، من غير ألف، وقرأ الباقون :﴿قاتل﴾ بألف، وقرأ ابن مسعود، وأبو رزين، وأبو رجاء، والحسن، وابن يعمر، وابن جبير، وقتادة، وعكرمة، وأيوب :﴿ربيون﴾ بضم الراء. وقرأ ابن عباس، وأنس، وأبو مجلز، وأبو العالية، والجحدري، بفتحها. فعلى حذف الألف يحتمل وجهين.
أحدهما : أن يكون قتل للنبي وحده، ويكون المعنى : وكأين من نبي قتل، ومعه ربيون، فما وهنوا بعد قتله.
والثاني : أن يكون قتل للربيين، ويكون :﴿فما وهنوا﴾ لمن بقي منهم. وعلى إثبات الألف يكون المعنى : أن القوم قاتلوا، فما وهنوا. وفي معنى الربيين خمسة أقوال :
أحدها : أنهم الألوف، قاله ابن مسعود، وابن عباس، في رواية واختاره الفراء.
والثاني : الجماعات الكثيرة، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، والسدي، والربيع، واختاره ابن قتيبة.
والثالث : أنهم الفقهاء والعلماء، رواه سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وبه قال الحسن، واختاره اليزيدي، والزجاج.
والرابع : أنهم الأتباع قاله ابن زيد.
والخامس : أنهم المتألهون العارفون بالله تعالى، قاله ابن فارس.
قوله تعالى :﴿فَمَا وَهَنُواْ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنه الضعف، قاله ابن عباس، وابن قتيبة.
والثاني : أنه العجز، قاله قتادة.
قال ابن قتيبة : والاستكانة الخشوع، والذل، ومنه أخذ المسكين. وفي معنى الكلام قولان :
أحدهما : فما وهنوا بالخوف، وما ضعفوا بنقصان القوة، ولا استكانوا بالخضوع.
والثاني : فما وهنوا لقتل نبيهم، ولا ضعفوا عن عدوهم، ولا استكانوا لما أصابهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى