التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم تمضى السورة الكريمة فى حديثها عن غزوة أحد، فتذكر المؤمنين بما كان منهم عندما اشيع بأن رسول الله ﷺ قد قتل، وترشدهم إلى أن الآجال بيد الله، وأن المؤمنين الصادقين قاتلوا مع أنبيائهم فى سبيل إعلاء كلمة الله بدون ضعف أو ملل فعليهم أن يتأسوا بهم فى ذلك، وأن الله - تعالى - قد تكفل بان يمنح المؤمنين الصادقين المجاهدين فى سبيله أجرهم الجزيل فى الدنيا والآخرة.
استمع إلى القرآن الكريم وهو يسوق هذه المعانى بأسلوبه البليغ الحكيم فيقول :﴿وَمَا مُحَمَّدٌ...﴾.
قال ابن كثير : لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، وقتل من قتل منهم، نادى الشيطان : ألا إن محمداً قد قتل، ورجع ابن قميئة إلى المشركين فقال لهم : قتلت محمداً. وإنما قد ضرب رسول الله ﷺ فشجه فى رأسه. فوقع ذلك فى قلوب كثير من الناس، واعتقدوا أن رسول الله ﷺ قد قتل، فحصل ضعف ووهن وتأخر - بين المسلمين - عن القتال. ففى ذلك أنزل الله تعالى - ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل﴾ الآية.
وقوله - تعالى - ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل﴾ تقرير لحقيقة ثابتة، ولأمر مؤكد، وهو أن محمداً ﷺ واحد من البشر، وأنه سيموت كما يموت جميع البشر، وأنه ليس له صفة تميزه عن سائر البشر سوى الرسالة التى وهبها الله - تعالى - له، ومنحه إياها، وأن هذه الرسالة لا تقتضى بقاءه أو خلوده، إذ الرسل الذين سبقوه قد أدوا رسالتهم فى الحياة كما أمرهم خالقهم ثم ماتوا أو قتلوا.
وما دام الأمر كذلك فمحمد ﷺ سيموت وينتقل إلى الرفيق الأعلى كما مات الذين سبقوه من الأنبياء، وكما سيموت جميع البشر.
والقصر فى قوله - تعالى - :﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ من باب قصر الموصوف على الصفة، أى قصر محمد ﷺ على وصف الرسالة قصراً إضافياً.
وفى هذا القصر رد على ما صدر من بعض المسلمين من اضطراب وضعف حين أرجف المنافقون فى غزوة أحد بأن الرسول ﷺ قد قتل.
فكأنه - تعالى - يقول لهم : إن محمداً ﷺ رسول من الرسل الذين أرسلهم الله لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وسيكون مصيره إلى الموت إن عاجلا أو آجلا كما هو شأن سائر البشر الذين اصطفى الله - تعالى - منهم رسله، إلا أن رسالته التى جاء بها من عند الله لن تموت من بعده، بل ستستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يصح أن يضعف أتباعه فى عقيدتهم أو فى تبليغ رسالته من بعده، بل عليهم أن يستمسكوا بما جاءهم به، وأن يدافعوا عنه بأنفسهم وأموالهم.
ولذا فقد وبخ الله - تعالى - بعض المسلمين الذين صدر منهم اضطراب أو ضعف عندما أشاع ضعاف النفوس بأن الرسول ﷺ قد قتل فى غزوة أحد فقال - تعالى - :﴿أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقلبتم على أَعْقَابِكُمْ﴾ ؟
أى : إذا مات محمد ﷺ - أيها المؤمنون - وقد علمتم أن موته حق لا ريب فيه، أو قتل وهو يدافع عن دينه وعقيدته، ﴿انقلبتم على أَعْقَابِكُمْ﴾ أى : رجعتم إلى ما كنتم عليه من الكفر والضلال.
والانقلاب : الرجوع إلى المكان. وهو هنا مجاز فى الرجوع إلى الحال التى كانوا عليها قبل الإسلام.
يقال لكل من رجع إلى حاله السىء الأول : نكص على عقبيه، وارتد على عقبيه. والعقب مؤخر الرجل. وجمع أعقاب.
قال صاحب الكشاف : قوله ﴿أَفإِنْ مَّاتَ﴾ الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة قبلها على معنى التسبب. والهمزة لإنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سبباً لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو قتل، مع علمهم أن خلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكاً به يجب أن يجعل سبباً للتمسك بدين محمد ﷺ لا للانقلاب عنه.
قإن : قلت : لم ذكر القتل وقد علم أنه لا يقتل ؟ قلت : لكونه مجوزا عند المخاطبين.
فإن قلت : أما علموه من ناحية قوله :﴿والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس﴾ قلت : هذا مما يختص بالعلماء منهم وذوى البصيرة ".
وفى قوله ﴿انقلبتم على أَعْقَابِكُمْ﴾ تنفير شديد من الرجوع إلى الضلال بعد الهدى، وتصوير بليغ لمن ارتد عن الحق بعد أن هداه الله إليه.
فقد صور - سبحانه - حالة من ترك الهداية إلى الضلال، بحالة من رجع إلى الوراء وبصره إلى الأمام، وأعقابه هى التى تقوده إلى الخلق، وهو فى حالة انتكاس، بأن جعل رأسه إلى أسفل وعقبه إلى أعلا. ولا شك أن هذا أقبح منظر يكون عليه الإنسان.
وقوله ﴿وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئاً﴾ الغرض منه تأكيد الوعيد، لأن كل عاقل يعلم أن الله - تعالى - لا يضره كفر الكافرين.
أى : ومن ينقلب على عقبيه بعد وفاة النبى ﷺ بأن يرجع إلى ما كان عليه من الكفر والضلال، فلن يضر الله شيئاً من الضرر وإن قل، إنما يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب، وبحرمانها من الأجر والثواب.
ثم أتبع - سبحانه - هذا الوعيد بالوعد فقال :﴿وَسَيَجْزِي الله الشاكرين﴾ أى : وسيثيب الله - تعالى - الثابتين على الحق والصابرين على الشدائد الشاكرين له نعمه فى السراء والضراء، سيثيبهم على ذلك بالنصر فى الدنيا وبرضوانه فى الآخرة.
وعبر هنا بالشاكرين ولم يعبر بالصابرين مع أن الصبر فى هذا الموطن أظهر، وذلك لأن الشكر فى هذا المقام هو أسمى درجات الصبر، لأن هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين وقفوا إلى جانب النبى - ﷺ - فى ساعة العسرة، لم يكتفوا بتحمل البلاء معه فقط، بل تجاوزوا حدود الصبر إلى حدود الشكر على هذه الشدائد التى ميزت الخبيث من الطيب، فالشكر هنا صبر وزيادة، وقليل من الناس هو الذى يكون على هذه الشاكلة، ولذا قال - تعالى -
﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور﴾ فالآية الكريمة قد تضمنت عتابا وتوبيخا لأولئك المسلمين الذين ضعف يقينهم، وفترت همتهم، عندما أرجف المرجفون فى غزوة أحد بأن الرسول ﷺ قد قتل.
كما تضمنت الثناء الجزيل على أولئك الثابتين الصابرين الذين لم تؤثر فى قوة إيمانهم تلك الأراجيف الكاذبة، بل مضوا فى جهادهم وثباتهم بدون تردد أو تزعزع ولقد كان الثابتون حول رسول الله ﷺ فى غزوة أحد كثيرين ومن بينهم أنس بن النضر - رضى الله عنه -، فقد ورى البخارى عن أنس - رضى الله عنه - قال : غاب عمى أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال : يا رسول الله. غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين، لئن أشهدنى الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع.
فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون. قال : اللهم إنى أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعنى المسلمين -. وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعنى المشركين -.
ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ. فقال : يا سعد بن معاذ ! ! الجنة ورب النضر إنى لأجد ريحها من دون أحد.
قال سعد : فما استطعت يا رسول الله ما صنع.
قال أنس : فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل، وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه.
قال أنس كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفى أشباهه :﴿مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ﴾ كما تضمنت الآية الكريمة التحذير عن الارتداد عن دين الله بعد وفاة الرسول ﷺ وبيان أنه بشر من البشر، وأنه يموت كما يموت سائر البشر، وأن رسالته هى الخالده الباقية، فمن تمسك بها فقد سعد وفاز. ومن أعرض عنها فلن يضر الله شيئاً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى