البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ هذا استمرار في عتبهم آخر أن محمداً رسول كمن مضى من الرسل، بلّغ عن الله كما بلغوا.
وليس بقاء الرسل شرطاً في بقاء شرائعهم، بل هم يموتون وتبقى شرائعهم يلتزمها أتباعهم.
فكما مضت الرسل وانقضوا، فكذلك حكمهم هو في ذلك واحد.
وقرأ الجمهور الرسل بالتعريف على سبيل التفخيم للرسل، والتنويه بهم على مقتضى حالهم من الله.
وفي مصحف عبد الله رسل بالتنكير، وبها قرأ : ابن عباس، وقحطان بن عبد الله.
ووجهها أنه موضع تبشير لأمر النبي ﷺ في معنى الحياة، ومكان تسوية بينه وبين البشر في ذلك.
وهكذا يتصل في أماكن الاقتضاء به بالشيء ومنه :﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾ إلى غير ذلك.
ذكر هذا الفرق بين التعريف والتنكير في نحو هذا المساق أبو الفتح، وقراءة التعريف أوجه، إذ تدل على تساوي كل في الخلق والموت، فهذا الرسول هو مثلهم في ذلك.
﴿أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ لما صرخ بأن محمداً قد قتل، تزلزلت أقدام المؤمنين ورعبت قلوبهم وأمعنوا في الفرار، وكانوا ثلاث فرق : فرقة قالت : ما نصنع بالحياة بعد رسول الله ﷺ ؟ قاتلوا على ما قاتل عليه، فقاتلوا حتى قتلوا، منهم : أنس بن النضر.
وفرقة قالوا : نلقي إليهم بأيدينا فإنهم قومنا وبنو عمنا.
وفرقة أظهرت النفاق وقالوا : ارجعوا إلى دينكم الأوّل، فلو كان محمد نبياً ما قتل.
وظاهر الانقلاب على العقبين هو الارتداد.
وقيل : هو بالفرار لا الارتداد.
وقد جاء هذا اللفظ في الارتداد والكفر في قوله :﴿لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾ وهذه الهمزة هي همزة الاستفهام الذي معناه الإنكار.
والفاء للعطف، وأصلها التقديم.
إذ التقدير : فأإن مات.
لكنهم يعتنون بالاستفهام فيقدّممونه على حرف العطف، وقد تقدّم لنا مثل هذا وخلاف الزمخشري فيه.
وقال الخطيب كمال الدين الزملكاني : الأوجه أن يقدّر محذوف بعد الهمزة وقيل الفاء، تكون الفاء عاطفة عليه.
ولو صرّح به لقيل : أتؤمنون به مدة حياته، فإن مات ارتددتم، فتخالفوا سنن اتباع الأنبياء قبلكم في ثباتهم على ملل أنبيائهم بعد وفاتهم انتهى.
وهذه نزعة زمخشرية.
وقد تقدم الكلام معه في نحو ذلك.
وأن هذه الفاء إنما عطفت الجملة المستفهم عنها على الجملة الخبرية قبلها، وهمزة الاستفهام داخلة على جملة الشرط وجزائه.
وجزاؤه، هو انقلبتم، فلا تغير همزة الاستفهام شيئاً من أحكام الشرط وجزائه.
فإذا كانا مضارعين كانا مجزومين نحو : أإن تأني آتك.
وذهب يونس إلى أن الفعل الثاني يبنى على أداة الاستفهام، فينوي به التقديم، ولا بد إذ ذاك من جعل الفعل الأول ماضياً لأن جواب الشرط محذوف، ولا يحذف الجواب إلا إذا كان فعل الشرط لا يظهر فيه عمل لأداة الشرط، فيلزم عنده أن تقول : أإن أكرمتني أكرمك.
التقدير فيه : أكرمك أن أكرمتني، ولا يجوز عنده إنْ تكرمني أكرمك بجزمهما أصلاً، ولا إن تكرمني أكرمك بجزم الأول ورفع الثاني إلا في ضرورة الشعر.
والكلام على هذه المسألة مستوفى في علم النحو.
فعلى مذهب يونس : تكون همزة الاستفهام دخلت في التقدير على انقلبتم، وهو ماض معناه الاستقبال، لأنه مقيد بالموت أو بالقتل.
وجواب الشرط عند يونس محذوف، وبقول يونس : قال كثير من المفسرين في الآية قالوا : ألف الاستفهام دخلت في غير موضعها، لأن الغرض إنما هو أتنقلبون على أعقابكم إن مات محمد.
ودخلت إنْ هنا على المحقق وليس من مظانها، لأنه أورد مورد المشكوك فيه للتردد بين الموت والقتل، وتجويزُ قتله عند أكثر المخاطبين.
ألا ترى إليهم حين سمعوا أنه قتل اضطربوا وفروا، وانقسموا إلى ثلاث فرق، ومن ثبت منهم فقاتل حتى قتل ؟ قال بعضهم : يا قوم إنْ كان محمد قد قتل فإنَّ رب محمد لم يقتل، موتوا على ما مات عليه.
وقال بعضهم : إنْ كان محمد قد قتل فإنه قد بلغ، فقاتلوا عن دينكم.
فهذا يدل على تجويز أكثر المخاطبين لأن يقتل.
فأمَّا العلم بأنه لا يقتل من جهة قوله تعالى :﴿والله يعصمك من الناس﴾ فهو مختص بالعلماء من المؤمنين وذوي البصيرة منهم، ومن سمع هذه الآية وعرف سبب نزولها.
﴿ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً﴾ أي مَنْ رجع إلى الكفر أو ارتدّ فاراً عن القتال وعن ما كان عليه الرسول ﷺ من أمر الجهاد على التفسيرين السابقين.
وهذه الجملة الشرطية هي عامة في أنَّ كل من انقلب على عقبيه فلا يضر إلا نفسه، ولا يلحق من ذلك شيء لله تعالى، لأنه تعالى لا يجوز عليه مضار العبد.
ولم تقع ردّة من أحد من المسلمين في ذلك اليوم إلا ما كان من قول المنافقين.
وقرأ الجمهور على عقبيه بالتثنية.
وقرأ ابن أبي إسحاق على عقبه بالإفراد، وانتصاب شيئاً على المصدر.
أي : شيئاً من الضرر لا قليلاً ولا كثيراً.
والانقلاب على الأعقاب أو على العقبين أو العقب من باب التمثيل مثّل من يرجع إلى دينه الأول بمن ينقلب على عقبيه.
وتضمنت هذه الجملة الوعيد الشديد.
﴿وسيجزي الله الشاكرين﴾ وعد عظيم بالجزاء.
وجاء بالسين التي هي في قول بعضهم : قرينة التفسير في الاستقبال، أي : لا يتأخر جزاء الله إياهم عنهم.
والشاكرين هم الذين صبروا على دينه، وصدقوا الله فيما وعدوه، وثبتوا.
شكروا نعمة الله عليهم بالإسلام، ولم يكفروها، كأنس بن النضر، وسعد بن الربيع، والأنصاري الذي كان يتشخط في دمه، وغيرهم ممن ثبت ذلك اليوم.
والشاكرون لفظ عام يندرج فيه كل شاكر فعلاً وقولاً.
وقد تقدم الكلام على الشكر.
وظاهر هذا الجزاء أنه في الآخرة.
وقيل : في الدنيا بالرزق، والتمكين في الأرض.
وفسروا الشاكرين هنا بالثابتين على دينهم قاله : علي.
وقال هو والحسن بن أبي الحسن أبو بكر، أمير الشاكرين يشيران إلى ثباته يوم مات رسول الله ﷺ، واضطراب الناس إذ ذاك، وثباته في أمر الردة وما قام به من أعباء الإسلام.
وفسر أيضاً بالطائعين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وتضمنت هذه الآيات من البيان والبديع ضروباً :
من ذلك الاستفهام الذي معناه الإنكار في : أم حسبتم.
والتجنيس المماثل في : انقلبتم ومن ينقلب، وفي ثواب الدنيا وحسن ثواب.
والمغاير في قولهم : إلا أن قالوا.
وتسمية الشيء باسم سببه في : تمنون الموت أي الجهاد في سبيل الله، وفي قوله : وثبت أقدامنا فيمن فسر ذلك بالقلوب، لأن ثبات الأقدام متسبب عن ثبات القلوب.
والالتفات في : وسنجزي الشاكرين.
والتكرار في : ولما يعلم ويعلم لاختلاف المتعلق.
أو للتنبيه على فضل الصابر.
وفي : أفإن مات أو قتل لأن العرف في الموت خلاف العرف في القتل، والمعنى : مفارقة الروح الجسد فهو واحد.
ومن في ومن يرد ثواب الجملتين، وفي : ذنوبنا وإسرافنا في قول من سوى بينهما، وفي : ثواب وحسن ثواب.
وفي : لفظ الجلالة، وفي : منكم من يريد الجملتين.
والتقسيم في : ومن يرد وفي منكم من يريد.
والاختصاص في : الشاكرين، والصابرين، والمؤمنين.
والطباق : في آمنوا أن تطيعوا الذين كفروا.
والتشبيه في : يردّوكم على أعقابكم، شبه الرجوع عن الدين بالراجع القهقري، والذي حبط عمله بالكفر بالخاسر الذي ضاع ربحه ورأس ماله وبالمنقلب الذي يروح في طريق ويغدو في أخرى، وفي قوله : سنلقى.
وقيل : هذا كله استعارة.
والحذف في عدة مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى