غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿رايتموه﴾ بغير همزة يعني بالتليين ونحوه ﴿رأوك﴾[الفرقان: ٤١] و
﴿رأوه﴾[الملك: ٢٧] روى هبة الله بن جعفر عن الأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف. ﴿يرد ثواب﴾ وبابه مدغماً : أبو عمرو وشان بن عامر وسهل وحمزة وعلي وخلف ﴿نؤته﴾ مثل ﴿يؤده﴾[آل عمران: ٧٥] ﴿وكائن﴾ بالمد والهمز مثل " كاعن " حيث كان : ابن كثير. وقرأ يزيد ﴿وكاين﴾ بالمد بغير همزة. وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي بغير نون في الوقف ﴿وكأي﴾ الباقون :﴿وكأين﴾ في الحالين ﴿قتل﴾ أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ونافع وقتيبة والمفضل. الباقون. ﴿قاتل﴾.
الوقوف :﴿الصابرين﴾ ه ﴿تلقوه﴾ ص لطول الكلام ﴿رسول﴾ ج لأن ما بعده يصلح صفة واستئنافاً ﴿الرسل﴾ ط ﴿أعقابكم﴾ ط لتناهي الاستفهام ﴿شيئاً﴾ ط ﴿الشاكرين﴾ ه ﴿مؤجلاً﴾ ج لابتداء الشرط ﴿منها﴾ ج للعطف ﴿منها﴾ ط ﴿الشاكرين﴾ ه ﴿قتل﴾ ط ليكون قتل النبي ﷺ إلزاماً للحجة على من اعتذر في الانهزام بما سمع من نداء إبليس ألا إن محمداً قد قتل. والتقدير ومعه ربيون كثير. ولو وصل كان الربيون مقتولين. ومن قرأ ﴿قاتل﴾ فله أن لا يقف ﴿كثير﴾ ج لابتداء النفي مع فاء التعقيب ﴿وما استكانوا﴾ ط ﴿الصابرين﴾ ه ﴿الكافرين﴾ ه ﴿الآخرة﴾ ط ﴿المحسنين﴾ ه ﴿خاسرين﴾ ه ﴿مولاكم﴾ ج ﴿الناصرين﴾ ه.
﴿فآتاهم الله ثواب الدنيا﴾ من النصرة والغنيمة والعز وطيب الذكر وانشراح الصدر ﴿وحسن ثواب الآخرة﴾ وهو الجنة وما فيها من المنافع واللذات وذلك غير حاصل في الحال. والمراد أنه حكم لهم بحصولها في الآخرة، وحكم الله بالحصول كنفس الحصول. أو المراد أنه سيؤتيهم مثل أتى أمر الله أي سيأتي، قال القاضي : ولا يمتنع أن تكون الآية مختصة بالشهداء وأنهم في الجنة عند ربهم كما ماتوا أحياء، وثواب الآخرة كله حسن، فما ظنك بحسن ثوابها ؟ وإنما لم يصف ثواب الدنيا بالحسن لقلتها وامتزاجها بالمضار وكدر صفوها بالانقطاع والزوال.
قال القفال : يحتمل أن يكون الحسن هو الحسن كقوله :﴿وقولوا للناس حسناً﴾
[البقرة: ٨٣] والغرض منه المبالغة كما يقال : فلان جود وعدل إذا كان غاية في الجود ونهاية في العدل. وههنا نكتة وهي أنه أدخل " من " التبعيضية في الآية المتقدمة في قوله :﴿نؤته منها﴾ في الموضعين، ولم يذكر في هذه الآية. لأن أولئك اشتغلوا بالثواب عن العبودية فلم ينالوا إلا البعض، بخلاف هؤلاء فإنهم لم يذكروا أنفسهم إلا بالعيب والقصور ولم يسألوا ربهم إلا ما يوجب إعلاء كلمته، فلا جرم فازوا بالكل. وفيه تنبيه على أن من أقبل على خدمة الله أقبل على خدمته كل ما سوى الله. ثم قال ﴿والله يحب المحسنين﴾ والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه. وههنا سر وهو أنه تعالى وفقهم للطاعة ثم أثابهم عليها ثم مدحهم على ذلك فسماهم محسنين، ليعلم العبد أن الكل بعنايته وفضله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة﴾ أن تلجوا عالم الملكوت ولم تظهر منكم مجاهدات تورث المشاهدات ولا الصبر على تزكية النفوس وتصفية القلوب على وفق الشريعة وقانون الطريقة لتتحلى الأرواح بأنوار الحقيقة ﴿ولقد كنتم﴾ يا أرباب الصدق وأصحاب الطلب ﴿تمنون﴾ موت النفوس عن صفاتها تزكية لها ﴿من قبل أن تلقوه﴾ بالمجاهدات والرياضات في خلاف النفس وقهرها عند لقاء العدو في الجهاد الأصغر ظاهراً وفي الجهاد الأكبر باطناً ﴿فقد﴾ رأيتم هذه الأسباب التي كنتم تمنونها عياناً ﴿وأنتم تنظرون﴾ لا تفدون أرواحكم و لا تجاهدون حق الجهاد في الله بأرواحكم وأشباحكم ﴿أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ فيه أن الإيمان التقليدي لا اعتبار له فينقلب المقلد عن إيمانه عند إعدام المقلد من الوالدين أو الأستاذ، وكذا عند موت المقلد فيعجز عند سؤال الملكين في قولهما له من ربك ؟ فيقول : هاه لا أدري. فيقولون : ما تقول في هذا الرجل ؟ فيقول : هاه لا أدري كنت أقول فيه ما قال الناس. فيقولان له : لا دريت ولا تليت. ﴿وسيجزي الله﴾ بالإيمان الحقيقي ﴿الشاكرين﴾ الذين شكروا نعمة الإيمان التقليدي بأداء حقوقه وهو الائتمار بأوامر الشرع والانتهاء عن نواهيه. ﴿وما كان لنفس أن تموت﴾ عن أوصافها الدنية وأخلاقها الردية وتتخلص عنها بطبعها إلا بتوفيق الله وجذبه وإشراق نوره كما أن ظلمة الليل لا تنتهي إلا بإشراق طلوع الشمس. ثم أثبت للعبد كسباً في طلب الهداية واستجلاب العناية بقوله :﴿ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها﴾ وهذه رتبة الخواص أي من عمل شوقاً إلى الحق فقد رأى نعمة وجود المنعم، فثوابه نقد في الدنيا لأنه حاضر لا غيبه له وهو معنى قولهم " الصوفي ابن الوقت " وفيه أنشد :
خليلي هل أبصرتما أو سمعتمابأكرم من مولى تمشى إلى عبد
أتى زائراً من غير وعد وقال ليأصونك عن تعذيب قلبك بالوعد.
ومن عمل شوقاً إلى الجنة فنظره على النعمة فثوابه في الآخرة ﴿وسيجزي الشاكرين﴾ أي كلا الفريقين على قدر شكرهما ﴿وكأين من نبي قاتل﴾ أعدى العدو الذي بين جنبيه و ﴿معه ربيون﴾ متخلقون بأخلاق الرب ﴿فما وهنوا لما أصابهم﴾ من تعب المجاهدات ﴿وما ضعفوا﴾ في طلب الحق ﴿وما استكانوا﴾ باحتمال الذلة والالتفات إلى غير الله. ﴿إن تطيعوا الذين كفروا﴾ أي النفوس الكافرة وصفاتها ﴿يردّوكم﴾ إلى أسفل سافلين بشريتكم وبهيميتكم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى