البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين﴾ الخطاب عامّ يتناول أهل أحد وغيرهم.
وما زال الكفار مثابرين على رجوع المؤمنين عن دينهم، ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء.
وودُّوا لو تكفرون، لن تنفعكم ﴿ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردُّونكم من بعد إيمانكم كفاراً﴾ ﴿ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم﴾ وقيل : الخطاب خاص بمن كان مع رسول الله ﷺ من المؤمنين يوم أحد.
فعلى الأول علق على مطلق طاعتهم الرد على العقب والانقلاب بالخسران وهذا غاية في التحرز منهم والمجانبة لهم، فلا يطاعون في شيء ولا يشاورون، لأن ذلك يستجر إلى موافقتهم، ويكون الذين كفروا عاماً.
وعلى القول الثاني : يكون الذين كفروا خاصاً.
فقال عليّ وابن عباس : هم المنافقون قالوا للمؤمنين لما رجعوا من أحد : لو كان نبياً ما أصابه الذي أصابه فارجعوا إلى إخوانكم.
وقال ابن جريج : هم اليهود والنصارى وقاله : الحسن.
وعنه : إن تستنصحوا اليهود والنصارى وتقبلوا منهم لأنهم كانوا يستغوونهم، ويوقعون لهم الشبه، ويقولون : لو كان لكم نبياً حقاً لما غلب ولما أصابه وأصحابه ما أصابهم، وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس، يوماً له ويوماً عليه.
وقال السدي : هم أبو سفيان وأصحابه من عباد الأوثان.
وقال الحسن أيضاً : هو كعب وأصحابه.
وقال أبو بكر الرّازي : فيها دلالة على النهي عن طاعة الكفار مطلقاً، لكن أجمع المسلمون على أنه لا يندرج تحته من وثقنا بنصحه منهم، كالجاسوس والخرّيت الذي يهدي إلى الطريق، وصاحب الرأي ذي المصلحة الظاهرة، والزوجة تشير بصواب.
والردة هنا على العقب كناية عن الرجوع إلى الكفر.
وخاسرين : أي مغبونين ببيعكم الآخرة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وتضمنت هذه الآيات من البيان والبديع ضروباً :
من ذلك الاستفهام الذي معناه الإنكار في : أم حسبتم.
والتجنيس المماثل في : انقلبتم ومن ينقلب، وفي ثواب الدنيا وحسن ثواب.
والمغاير في قولهم : إلا أن قالوا.
وتسمية الشيء باسم سببه في : تمنون الموت أي الجهاد في سبيل الله، وفي قوله : وثبت أقدامنا فيمن فسر ذلك بالقلوب، لأن ثبات الأقدام متسبب عن ثبات القلوب.
والالتفات في : وسنجزي الشاكرين.
والتكرار في : ولما يعلم ويعلم لاختلاف المتعلق.
أو للتنبيه على فضل الصابر.
وفي : أفإن مات أو قتل لأن العرف في الموت خلاف العرف في القتل، والمعنى : مفارقة الروح الجسد فهو واحد.
ومن في ومن يرد ثواب الجملتين، وفي : ذنوبنا وإسرافنا في قول من سوى بينهما، وفي : ثواب وحسن ثواب.
وفي : لفظ الجلالة، وفي : منكم من يريد الجملتين.
والتقسيم في : ومن يرد وفي منكم من يريد.
والاختصاص في : الشاكرين، والصابرين، والمؤمنين.
والطباق : في آمنوا أن تطيعوا الذين كفروا.
والتشبيه في : يردّوكم على أعقابكم، شبه الرجوع عن الدين بالراجع القهقري، والذي حبط عمله بالكفر بالخاسر الذي ضاع ربحه ورأس ماله وبالمنقلب الذي يروح في طريق ويغدو في أخرى، وفي قوله : سنلقى.
وقيل : هذا كله استعارة.
والحذف في عدة مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى