البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الرعب : الخوف، رعبته فهو مرعوب.
وأصله من الملي.
يقال : سيل راعب يملأ الوادي، ورعبت الحوض ملأته.
السلطان : الحجة والبرهان، ومنه قيل للوالي : سلطان.
وقيل : اشتقاق السلطان من السليط، وهو ما يضيء به السراج من دهن السمسم.
وقيل : السليط الحديد، والسلاطة الحدة، والسلاطة من التسليط وهو القهر.
والسلطان من ذلك فالنون زائدة.
والسليطة : المرأة الصخابة.
والسليط : الرجل الفصيح اللسان.
المثوى : مفعل من ثوى يثوي أقام.
يكون للمصدر والزمان والمكان، والثواء : الإقامة بالمكان.
﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾ أي هؤلاء الكفار، وإنْ كانوا ظاهرين عليكم يوم أحد فإنا نخذلهم بإلقاء الرعب في قلوبهم.
وأتى بالسين القريبة الاستقبال، وكذا وقع.
ألقى الله في قلوبهم الرّعب يوم أحد فانهزموا إلى مكة من غير سبب من المسلمين، ولهم إذ ذاك القوة والغلبة.
وقيل : ذهبوا إلى مكة، فلما كانوا ببعض الطريق قالوا : ما صنعنا شيئاً قتلنا منهم ثم تركناهم ونحن قاهرون، ارجعوا فاستأصلوهم، فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرّعب في قلوبهم فأمسكوا.
والإلقاء حقيقة في الإجرام، واستعير هنا للجعل، ونظيره :﴿والذين يرمون المحصنات﴾ ومثله قول الشاعر :
هما نفثا في فيّ من فويهماعلى النابح العاوي أشد رجام
وقرأ الجمهور : سنلقي بالنون، وهو مشعر بعظم ما يلقى، إذ أسنده إلى المتكلم بنون العظمة.
وقرأ أيوب السختياني : سيلقي بالياء جرياً على الغيبة السابقة في قوله :﴿وهو خير الناصرين﴾ وقدم في قلوبهم : وهو مجرور على المفعول للاهتمام بالمحل الملقى فيه قبل ذكر الملقى.
وقرأ ابن عامر والكسائي : الرعب بضم العين، والباقون بسكونها.
فقيل : لغتان.
وقيل : الأصل السكون، وضم اتباعاً كالصبح والصبح.
وقيل : الأصل الضم، وسكن تخفيفاً، كالرّسل والرسل.
وذكروا في إلقاء الرعب في قلوب الكفار يوم أحد قصة طويلة أردنا أن لا نخلي الكتاب من شيء منها، فلخصنا منها أن علياً أخبر الرسول بأن أبا سفيان وأصحابه حين ارتحلوا ركبوا الإبل وجنبوا الخيل، فسرَّ بذلك رسول الله ﷺ ثم رجع الرسول إلى المدينة فتجهز واتبع المشركين إلى حمراء الأسد.
وأن معبد الخزاعي جاء إلى الرسول ﷺ وهو كافر ممتعض مما حل بالمسلمين، وكانت خزاعة تميل إلى الرسول ﷺ، وأن المشركين هموا بالرجوع إلى القتال فخذلهم صفوان بن أمية ومعبد.
وقال معبد : خرجوا يتحرقون عليكم في جمع لم أر مثله، ولم أر إلا نواصي خيلهم قد جاءتكم.
وحملني ما رأيت أني قلت في ذلك شعراً وأنشد :
كادت تهد من الأصوات راحلتيإذ سالت الأرض بالحرد الأبابيل
تردي بأسد كرام لا تنابلهعند اللقاء ولا ميل مهازيل
فظلت أعدو أظن الأرض مائلةلما سموا برئيس غير مخذول
إلى آخر الشعر، فوقع الرعب في قلوب الكفار.
وقوله : سنلقي، وعد للمؤمنين بالنصر بعد أحد، والظفر.
وقال :« نصرت بالرعب مسيرة شهر » وفيها دلالة على صدق نبوة رسول الله ﷺ إذ أخبر عن الله بأنه يلقي الرعب في قلوبهم فكان كما أخبر به.
﴿بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً﴾ الباء للسبب، وما مصدرية : أي بسبب إشراكهم بالله آلهة لم ينزل بإشراكها حجة ولا برهاناً، وتسليط النفي على الإنزال، والمقصود : نفي السلطان، أي آلهة لا سلطان في إشراكها، فينزل نحو قوله :
على لاحب لا يهتدى بمناره *** أي لا منار له فيهتدى به وقوله :
ولا ترى الضب بها ينجحرأي لا ينجحر الضب فيرى بها.
والمرادُ نفي السلطان والنزول معاً.
وكان الإشراك بالله سبباً لإلقاء الرعب، لأنهم يكرهون الموت ويؤثرون الحياة، إذ لم تتعلق آمالهم بالآخرة ولا بثواب فيها ولا عقاب، فصار اعتقادهم ذلك مؤثراً في الرغبة في الحياة الدنيا كما قالوا :﴿وما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين﴾ وفي قوله : ما لم ينزل به سلطاناً، دليل على إبطال التقليد، إذ لا برهان مع المقلد.
﴿ومأواهم النار﴾ أخبر تعالى بأن مصيرهم ومرجعهم إلى النار فهم في الدنيا مرعوبون وفي الآخرة معذبون، بسبب إشراكهم.
فهو جالب لهم الشر في الدنيا والآخرة.
﴿وبئس مثوى الظالمين﴾ بالغ في ذم مثواهم والمخصوص بالذم محذوف، أي : وبئس مثوى الظالمين النار.
وجعل النار مأواهم ومثواهم.
وبدأ بالمأوى وهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان ولا يلزم منه الثواء، لأن الثواء دال على الإقامة، فجعلها مأوى ومثوى كما قال تعالى :﴿والنار مثوى لهم﴾ ونبه على الوصف الذي استحقوا به النار وهو الظلم، ومجاوزة الحد إذ أشركوا بالله غيره.
كما قال :﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وتضمنت هذه الآيات من البيان والبديع ضروباً :
من ذلك الاستفهام الذي معناه الإنكار في : أم حسبتم.
والتجنيس المماثل في : انقلبتم ومن ينقلب، وفي ثواب الدنيا وحسن ثواب.
والمغاير في قولهم : إلا أن قالوا.
وتسمية الشيء باسم سببه في : تمنون الموت أي الجهاد في سبيل الله، وفي قوله : وثبت أقدامنا فيمن فسر ذلك بالقلوب، لأن ثبات الأقدام متسبب عن ثبات القلوب.
والالتفات في : وسنجزي الشاكرين.
والتكرار في : ولما يعلم ويعلم لاختلاف المتعلق.
أو للتنبيه على فضل الصابر.
وفي : أفإن مات أو قتل لأن العرف في الموت خلاف العرف في القتل، والمعنى : مفارقة الروح الجسد فهو واحد.
ومن في ومن يرد ثواب الجملتين، وفي : ذنوبنا وإسرافنا في قول من سوى بينهما، وفي : ثواب وحسن ثواب.
وفي : لفظ الجلالة، وفي : منكم من يريد الجملتين.
والتقسيم في : ومن يرد وفي منكم من يريد.
والاختصاص في : الشاكرين، والصابرين، والمؤمنين.
والطباق : في آمنوا أن تطيعوا الذين كفروا.
والتشبيه في : يردّوكم على أعقابكم، شبه الرجوع عن الدين بالراجع القهقري، والذي حبط عمله بالكفر بالخاسر الذي ضاع ربحه ورأس ماله وبالمنقلب الذي يروح في طريق ويغدو في أخرى، وفي قوله : سنلقى.
وقيل : هذا كله استعارة.
والحذف في عدة مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى