المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿سنلقي﴾ استعارة، إذ حقيقة الإلقاء إنما هي في الأجرام، وهذا مثل قوله تعالى :﴿والذين يرمون المحصنات﴾(١) ونحوه قول الفرزدق :[ الطويل ]
هما نفثا في فيّ من فَمَوَيْهِما. . . عَلى النَّابحِ الْعاوي أَشَدَّ رَجَامِ(٢)
وقرأ جمهور الناس «سنلقي » بنون العظمة، وقرأ أيوب السختياني «سيلقي » بالياء على معنى هو، وقرأ ابن عامر والكسائي «الرعُب » بضم العين حيث وقع، وقرأ الباقون «الرعْب » بسكون العين، وهذا كقولهم : عُنُق وعنْق وكلاهما حسن فصيح، وسبب هذه الآية : أنه لما ارتحل أبو سفيان بالكفار بعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وقال : انظر القوم، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وركبوا الإبل فهم متشمرون إلى مكة، وإن كانوا على الخيل فهم عامدون(٣) إلى المدينة، فمضى علي فرآهم قد جنبوا الخيل فأخبر رسول الله ﷺ، فسر وسر المسلمون، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة فتجهز واتبع المشركين يريهم الجلد، فبلغ حمراء الأسد وأن أبا سفيان قال له كفار قريش : أحين قتلناهم وهزمناهم ولم يبق إلا الفل والطريد(٤) ننصرف عنهم ؟ ارجع بنا إليهم حتى نستأصلهم فعزموا على ذلك، وكان معبد بن أبي معبد الخزاعي(٥) قد جاء إلى رسول الله عليه السلام وهو على كفره، إلا أن خزاعة كلها كانت تميل إلى رسول الله ﷺ، فقال له، والله يا محمد لقد ساءنا ما أصابك، ولوددنا أنك لم ترزأ في أصحابك، فلما سمع رسول الله ﷺ والناس بما عزمت عليه قريش من الانصراف، اشتد ذلك عليهم، فسخر الله ذلك الرجل معبد بن أبي معبد، وألقى بسببه الرعب في قلوب الكفار، وذلك أنه لما سمع الخبر، ركب حتى لحق بأبي سفيان بالروحاء، وقريش قد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، فلما رأى أبو سفيان معبداً قال : ما وراءك يا معبد ؟ قال : محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أرى مثله قط، يتحرقون عليكم، قد اجتمع إليه من كان تخلف عنه، وندموا على ما صنعوا، قال : ويلك ما تقول ؟ قال والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال : فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال : فإني أنهاك عن ذلك، والله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه شعراً قال وما قلت ؟ قال قلت :[ البسيط ]
كادت تُهَدُّ مِنَ الأَصْواتِ رَاحلتي. . . إذ سالتِ الأرضُ بالجُرْدِ الأَبابيلِ
ترْدِي بِأُسْدٍ كِرامٍ لا تنابلةٍ. . . عندَ اللقاءِ ولا ميلٍ معازيلِ
فَظلْتُ عَدْواً أَظُنُّ الأَرْضَ مائلة. . . لمّا سَمَوْا برئيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ(٦)
إلى آخر الشعر، فوقع الرعب في قلوب الكفار، وقال صفوان بن أمية : لا ترجعوا فإني أرى أنه سيكون للقوم قتال غير الذي كان، فنزلت هذه الآية في هذا الإلقاء(٧)، وهي بعد متناولة كل كافر، ويجري معها قول النبي عليه السلام : نصرت بالرعب مسيرة شهر(٨)، ويظهر ان هذه الفضيلة إنما أعلم عليه السلام بها بعد هذه الأحوال كلها حين امتد ظل الإسلام، قال بعض أهل العلم : إنه لما أمر الله المؤمن بالصبر، ووعده النصر، وأخبره أن الرعب ملقى في قلوب الكفار، نقص الرعب من كل كافر جزءاً مع زيادة شجاعة المؤمن، إذ قد وعد النصر فلذلك كلف المؤمن الوقوف للكافرين، وقوله تعالى :﴿بما أشركوا﴾ هذه باء السبب، والمعنى : أن المشرك بالله نفسه مقسمة في الدنيا وليس له بالله تعالى ثقة، فهو يكره الموت ويستشعر الرعب منه، و «السلطان »، الحجة والبرهان(٩)، ثم أخبر تعالى بعاقبة الكفار في الآخرة، و «المأوى » : مفعل من أويت إلى المكان إذا دخلته وسكنت فيه، و «المثوى »، مفعل من : ثويت، والتقدير : وبئس مثوى الظالمين هي.
١ - من الآية (٤) من سورة النور..
٢ - البيت في الديوان، وروايته هي:
هما تفلا في فيّ من فمويهما على النابح العاوي أشد رجام
ونفث نفثا إذا بزق من فيه ولا ريق معه، وقوله: أشد رجام، أي: أشد نفث..

٣ -عامدون: قاصدون..
٤ - الفل: المنهزمون، والطريد: الذي لا يستشعر أمنا..
٥ - معبد الخزاعي ذكره أبو عمر بن عبد البر فقال: هو الذي رد أبا سفيان يوم أحد عن الرجوع إلى المدينة. قال ابن حجر العسقلاني: قلت: وزعم بعضهم أن معبدا هذا هو ولد أم معبد الخزاعية التي مر النبي ﷺ بها في الهجرة، والذي يظهر لي أنه غيره. "الإصابة ٣/٤٤٢".
٦ - الهد: الهدم الشديد. الجرد: جمع أجرد، وهو الفرس الرقيق الشعر. الأبابيل جمع إبالة: القطعة من الخيل والإبل. تردي: تمشي مشيا فيه نوع من التبختر. التنابلة: القصار، واحدهم تنبال. ميل: جمع أميل، معازيل: جمع معزال، الذي ليس معه سلاح. وبقية القطعة الشعرية ورد في سيرة ابن هشام..
٧ - يريد إلقاء الرعب في قلوب الكفار..
٨ - أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن جابر وهو صحيح (الجامع الصغير ١/١٥٢)..
٩ - قال أبو حيان: [ما لم ينزل به سلطان]، تسليط النفي على الإنزال والمقصود نفي السلطان، أي آلهة لا سلطان في إشراكها، فينزل نحو قوله: (على لاحب لا يهتدي بمناره)؛ أي لا منار له..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى