المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
ثم قدم الموت في قوله تعالى :﴿ولئن متم أو قتلتم﴾ لأنها آية وعظ بالآخرة والحشر، وآية تزهيد في الدنيا والحياة، والموت المذكور فيها هو موت على الإطلاق في السبيل وفي المنزل وكيف كان، فقدم لعمومه وأنه الأغلب في الناس من القتل، وقرأ نافع وحمزة والكسائي «مِتم » بكسر الميم و «متنا » و «مت » بالكسر في جميع القرآن وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر : بضم الميم في جميع القرآن، وروى أبو بكر عن عاصم ضم الميم في جميع القرآن، وروى عنه حفص ضم الميم في هذين الموضعين «أو مُتم ولئن مُتم » فقط، وكسر الميم حيث ما وقعت في جميع القرآن، قال أبو علي : ضم الميم هو الأشهر والأقيس، مت تموت مثل : قلت تقول وطفت تطوف، والكسر شاذ في القياس وإن كان قد استعمل كثيراً، وليس كما شذ قياساً واستعمالاً كشذوذ اليجدع(١) ونحوه، ونظير مت تموت بكسر الميم فضل بكسر الضاد يفضل في الصحيح وأنشدوا(٢) :
ذكرت ابن عباس بباب ابن عامر. . . وما مر من عمري ذكرت وما فضل
وقوله تعالى :﴿لمغفرة﴾ رفع بالابتداء ﴿ورحمة﴾، عطف على المغفرة و ﴿خير﴾ خبر الابتداء، والمعنى : المغفرة والرحمة اللاحقة عن القتل أو الموت في سبيل الله خير، فجاء لفظ المغفرة غير معرف إشارة بليغة إلى أن أيسر جزء منها خير من الدنيا، وأنه كاف في فوز العبد المؤمن، وتحتمل الآية أن يكون قوله ﴿لمغفرة﴾ إشارة إلى القتل أو الموت في سبيل الله، سمى ذلك مغفرة ورحمة إذ هما مقترنان به ويجيء التقدير : لذلك مغفرة ورحمة وترتفع المغفرة على خبر الابتداء المقدر، وقوله ﴿خير﴾ صفة لخبر الابتداء، وقرأ جمهور الناس «تجمعون » بالتاء على المخاطبة وهي أشكل بالكلام، وقرأ قوم منهم عاصم فيما روى عن حفص «يجمعون » بالياء، والمعنى مما يجمعه المنافقون وغيرهم.
ثم ذكر تعالى الحشر إليه، وأنه غاية لكل أحد قتل أو مات، وفي الآية تحقير لأمر الدنيا وحض على طلب الشهادة، أي إذا كان الحشر في كلا الأمرين فالمضي إليه في حال الشهادة أولى.
١ - هذه الكلمة قافية بيت قائله ذو الخرق الطهوي، ذكره صاحب "اللسان" في مادة: (جدع). وفي (خزانة الأدب٢/ ٤٨٨) ونص البيت هو:
يقول الخنى وأبغض العجم ناطقا إلى ربنا صوت الحمار اليجدع.

٢ - قائله: أبو الأسود الدؤلي كما في (الأغاني ١٣/ ٣٢٢).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى