مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فأعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين﴾.
واعلم أن القوم لما انهزموا عن النبي ﷺ يوم أحد ثم عادوا لم يخاطبهم الرسول ﷺ بالتغليط والتشديد، وإنما خاطبهم بالكلام اللين، ثم إنه سبحانه وتعالى لما أرشدهم في الآيات المتقدمة إلى ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم، وكان من جملة ذلك أن عفا عنهم، زاد في الفضل والإحسان بأن مدح الرسول ﷺ على عفوه عنهم، وتركه التغليظ عليهم فقال :﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ ومن أنصف علم أن هذا ترتيب حسن في الكلام. وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن لينه ﷺ مع القوم عبارة عن حسن خلقه مع القوم قال تعالى :﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾ وقال :﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾، وقال :﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ وقال :﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ وقال عليه الصلاة والسلام :" لا حلم أحب إلى الله تعالى من حلم إمام ورفقه ولا جهل أبغض إلى الله من جهل إمام وخرقه " فلما كان عليه الصلاة والسلام إمام العالمين، وجب أن يكون أكثرهم حلما وأحسنهم خلقا. وروي أن امرأة عثمان دخلت عليه ﷺ، وكان النبي وعلي يغسلان السلاح، فقالت : ما فعل ابن عفان ؟ أما والله لا تجدونه أمام القوم، فقال لها علي : ألا إن عثمان فضح الزمان اليوم، فقال عليه الصلاة والسلام «مه » وروي أنه قال حينئذ : أعياني أزواج الأخوات أن يتحابوا، ولما دخل عليه عثمان مع صاحبيه ما زاد على أن قال :" لقد ذهبتم فيها عريضة " وروي عن بعض الصحابة أنه قال : لقد أحسن الله إلينا كل الإحسان، كنا مشركين، فلو جاءنا رسول الله بهذا الدين جملة، وبالقرآن دفعة لثقلت هذه التكاليف علينا، فما كنا ندخل في الإسلام، ولكنه دعانا إلى كلمة واحدة، فلما قبلناها وعرفنا حلاوة الإيمان، قبلنا ما وراءها كلمة بعد كلمة على سبيل الرفق إلى أن تم الدين وكملت الشريعة. وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال :" إنما أنا لكم مثل الوالد فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها " واعلم أن سر الأمر في حسن الخلق أمران : اعتبار حال القائل، واعتبار حال الفاعل، أما اعتبار حال القائل فلأن جواهر النفوس مختلفة بالماهية، كما قال عليه الصلاة والسلام :" الأرواح جنود مجندة " وقال :" الناس معادن كمعادن الذهب والفضة " وكما أنها في جانب النقصان تنتهي إلى غاية البلادة والمهانة والنذالة، واستيلاء الشهوة والغضب عليها واستيلاء حب المال واللذات، فكذلك في جانب الكمال قد تنتهي إلى غاية القوة والجلالة، أما في القوة النظرية فيكون كما وصفه الله تعالى بقوله :﴿نور على نور﴾ وقوله :﴿وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما﴾ وأما في القوة العملية، فكما وصفه الله بقوله :﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ كأنها من جنس أرواح الملائكة، فلا تنقاد للشهوة ولا تميل لدواعي الغضب، ولا تتأثر من حب المال والجاه، فإن من تأثر عن شيء كان المتأثر أضعف من المؤثر، فالنفس إذا مالت إلى هذه المحسوسات كانت روحانياتها أضعف من الجسمانيات، وإذا لم تمل إليها ولم تلتفت إليها كانت روحانياتها مستعلية على الجسمانيات، وهذه الخواص نظرية، وكانت نفسه المقدسة في غاية الجلالة والكمال في هذه الخصال. وأما اعتبار حال الفاعل فقوله عليه الصلاة والسلام :«من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب » فإنه يعلم أن الحوادث الأرضية مستندة إلى الأسباب الإلهية، فيعلم أن الحذر لا يدفع القدر، فلا جرم إذا فاته مطلوب لم يغضب، وإذا حصل له محبوب لم يأنس به، لأنه مطلع على الروحانيات التي هي أشرف من هذه الجسمانيات، فلا ينازع أحدا من هذا العالم في طلب شيء من لذاتها وطيباتها، ولا يغضب على أحد بسبب فوت شيء من مطالبها، ومتى كان الإنسان كذلك كان حسن الخلق، طيب العشرة مع الخلق، ولما كان صلوات الله وسلامه عليه أكمل البشر في هذه الصفات الموجبة لحسن الخلق، لا جرم كان أكمل الخلق في حسن الخلق.
المسألة الثانية : احتج أصحابنا في مسألة القضاء والقدر بقوله :﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ وجه الاستدلال أنه تعالى بين أن حسن خلقه مع الخلق، إنما كان بسبب رحمة الله تعالى، فنقول : رحمة الله عند المعتزلة عامة في حق المكلفين، فكل ما فعله مع محمد عليه الصلاة والسلام من الهداية والدعوة والبيان والإرشاد، فقد فعل مثل ذلك مع إبليس وفرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب، فإذا كان على هذا القول كل ما فعله الله تعالى مع المكلفين في هذا الباب مشتركا فيه بين أصفى الأصفياء، وبين أشقى الأشقياء لم يكن اختصاص بعضهم بحسن الخلق وكمال الطريقة مستفادا من رحمة الله، فكان على هذا القول تعليل حسن خلق الرسول عليه الصلاة والسلام برحمة الله باطلا، ولما كان هذا باطلا علمنا أن جميع أفعال العباد بقضاء الله وبقدره، والمعتزلة يحملون هذا على زيادة الألطاف وهذا في غاية البعد، لأن كل ما كان ممكنا من الألطاف، فقد فعله في حق المكلفين، والذي يستحقه المكلف بناء على طاعته من مزيد الألطاف، فذاك في الحقيقة إنما اكتسبه من نفسه لا من الله، لأنه متى فعل الطاعة استحق ذلك المزيد من اللطف، ووجب إيصاله إليه، ومتى لم يفعل امتنع إيصاله، فكان ذلك للعبد من نفسه لا من الله.
المسألة الثالثة : ذهب الأكثرون إلى أن ( ما ) في قوله :﴿فبما رحمة من الله﴾ صلة زائدة ومثله في القرآن كثير، كقوله :﴿عما قليل﴾ و ﴿جند ما هنالك﴾ ﴿فبما نقضهم﴾ ﴿مما خطاياهم﴾ قالوا : والعرب قد تزيد في الكلام للتأكيد على ما يستغنى عنه، قال تعالى :﴿فلما أن جاء البشير﴾ أراد فلما جاء، فأكد بأن، وقال المحققون : دخول اللفظ المهمل الضائع في كلام أحكم الحاكمين غير جائر، وههنا يجوز أن تكون ( ما ) استفهاما للتعجب تقديره : فبأي رحمة من الله لنت لهم، وذلك لأن جنايتهم لما كانت عظيمة ثم إنه ما أظهر ألبتة، تغليظا في القول، ولا خشونة في الكلام، علموا أن هذا لا يتأتى إلا بتأييد رباني وتسديد إلهي، فكان ذلك موضع التعجب من كمال ذلك التأييد والتسديد، فقيل : فبأي رحمة من الله لنت لهم، وهذا هو الأصوب عندي.
المسألة الرابعة : اعلم أن هذه الآية دلت على أن رحمة الله هي المؤثرة في صيرورة محمد عليه الصلاة والسلام رحيما بالأمة، فإذا تأملت حقيقة هذه الآية عرفت دلالتها على أنه لا رحمة إلا لله سبحانه، والذي يقرر ذلك وجوه : أحدها : أنه لولا أن الله ألقى في قلب عبده داعية الخير والرحمة واللطف لم يفعل شيئا من ذلك، وإذا ألقى في قلبه هذه الداعية فعل هذه الأفعال لا محالة، وعلى هذا التقدير فلا رحمة إلا لله : وثانيها : أن كل رحيم سوى الله تعالى فإنه يستفيد برحمته عوضا، إما هربا من العقاب، أو طلبا للثواب، أو طلبا للذكر الجميل، فإذا فرضنا صورة خالية عن هذه الأمور كان السبب هو الرقة الجنسية، فإن من رأى حيوانا في الألم رق قلبه، وتألم بسبب مشاهدته إياه في الألم، فيخلصه عن ذلك الألم دفعا لتلك الرقة عن قلبه، فلو لم يوجد شيء من هذه الأعراض لم يرحم ألبتة، أما الحق سبحانه وتعالى فهو الذي يرحم لا لغرض من الأغراض، فلا رحمة إلا لله، وثالثها : أن كل من رحم غيره فإنه إنما يرحمه بأن يعطيه مالا، أو يبعد عنه سببا من أسباب المكروه والبلاء، إلا أن المرحوم لا ينتفع بذلك المال إلا مع سلامة الأعضاء، وهي ليست إلا من الله تعالى، فلا رحمة في الحقيقة إلا لله، وأما في الظاهر فكل من أعانه الله على الرحمة سمي رحيما، قال عليه السلام :«الراحمون يرحمهم الرحمن » وقال في صفة محمد عليه السلام :﴿بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ ثم قال تعالى :﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾.
واعلم أن كمال رحمة الله في حق محمد ﷺ أنه عرفه مفاسد الفظاظة والغلظة وفيه مسائل.
المسألة الأولى : قال الواحدي : رحمه الله تعالى : الفظ، الغليظ الجانب السيء الخلق، يقال : فظظت تفظ فظاظة فأنت فظ، وأصله فظظ، كقوله : حذر من حذرت، وفرق من فرقت، إلا أن ما كان من المضاعف على هذا الوزن يدغم نحو رجل صب، وأصله صبب، وأما «الفض » بالضاد فهو تفريق الشيء، وانفض القوم تفرقوا، قال تعالى :﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها﴾ ومنه : فضضت الكتاب، ومنه يقال : لا يفضض الله فاك.
فان قيل : ما الفرق بين الفظ وبين غليظ القلب ؟
قلنا : الفظ الذي يكون سيء الخلق، وغليظ القلب هو الذي لا يتأثر قلبه عن شيء، فقد لا يكون الإنسان سيء الخلق ولا يؤذي أحدا ولكنه لا يرق لهم ولا يرحمهم، فظهر الفرق من هذا الوجه.
المسألة الثانية : إن المقصود من البعثة أن يبلغ الرسول تكاليف الله إلى الخلق، وهذا المقصود لا يتم إلا إذا مالت قلوبهم إليه وسكنت نفوسهم لديه، وهذا المقصود لا يتم إلا إذا كان رحيما كريما، يتجاوز عن ذنبهم، ويعفو عن إساءتهم، ويخصهم بوجوه البر والمكرمة والشفقة، فلهذه الأسباب وجب أن يكون الرسول مبرأ عن سوء الخلق، وكما يكون كذلك وجب أن يكون غير غليظ القلب، بل يكون كثير الميل إلى إعانة الضعفاء، كثير القيام بإعانة الفقراء، كثير التجاوز عن سيآتهم، كثير الصفح عن زلاتهم، فلهذا المعنى قال :﴿ولو كنت فظا القلب لانفضوا من حولك﴾ ولو انفضوا من حولك فات المقصود من البعثة والرسالة. وحمل القفال رحمه الله هذه الآية على واقعة أحد قال :﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ يوم أحد حين عادوا إليك بعد الانهزام ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب﴾ وشافهتهم بالملامة على ذلك الانهزام لانفضوا من حولك، هيبة منك وحياء بسبب ما كان منهم من الانهزام، فكان ذلك مما لا يطمع العدو فيك وفيهم.
المسألة الثالثة : اللين والرفق إنما يجوز إذا لم يفض إلى إهمال حق من حقوق الله، فأما إذا أدى إلى ذلك لم يجز، قال تعالى :﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ وقال للمؤمنين في إقامة حد الزنا :﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾.
وههنا دقيقة أخرى : وهي أنه تعالى منعه من الغلظة في هذه الآية، وأمره بالغلظة في قوله :﴿واغلظ عليهم﴾ فههنا نهاه عن الغلظة على المؤمنين، وهناك أمره بالغلظة مع الكافرين، فهو كقوله :﴿أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ وقوله :﴿أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ وتحقيق القول فيه أن طرفي الإفراط والتفريط مذمومان، والفضيلة في الوسط، فورود الأمر بالتغليظ تارة، وأخرى بالنهي عنه، إنما كان لأجل أن يتباعد عن الإفراط والتفريط، فيبقى على الوسط الذي هو الصراط المستقيم، فلهذا السر مدح الله الوسط فقال :﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾.
ثم قال تعالى :﴿فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر﴾ واعلم أنه تعالى أمره في هذه الآية بثلاثة أشياء : أولها : بالعفو عنهم وفيه مسائل.
المسألة الأولى : أن كمال
واعلم أن القوم لما انهزموا عن النبي ﷺ يوم أحد ثم عادوا لم يخاطبهم الرسول ﷺ بالتغليط والتشديد، وإنما خاطبهم بالكلام اللين، ثم إنه سبحانه وتعالى لما أرشدهم في الآيات المتقدمة إلى ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم، وكان من جملة ذلك أن عفا عنهم، زاد في الفضل والإحسان بأن مدح الرسول ﷺ على عفوه عنهم، وتركه التغليظ عليهم فقال :﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ ومن أنصف علم أن هذا ترتيب حسن في الكلام. وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن لينه ﷺ مع القوم عبارة عن حسن خلقه مع القوم قال تعالى :﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾ وقال :﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾، وقال :﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ وقال :﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ وقال عليه الصلاة والسلام :" لا حلم أحب إلى الله تعالى من حلم إمام ورفقه ولا جهل أبغض إلى الله من جهل إمام وخرقه " فلما كان عليه الصلاة والسلام إمام العالمين، وجب أن يكون أكثرهم حلما وأحسنهم خلقا. وروي أن امرأة عثمان دخلت عليه ﷺ، وكان النبي وعلي يغسلان السلاح، فقالت : ما فعل ابن عفان ؟ أما والله لا تجدونه أمام القوم، فقال لها علي : ألا إن عثمان فضح الزمان اليوم، فقال عليه الصلاة والسلام «مه » وروي أنه قال حينئذ : أعياني أزواج الأخوات أن يتحابوا، ولما دخل عليه عثمان مع صاحبيه ما زاد على أن قال :" لقد ذهبتم فيها عريضة " وروي عن بعض الصحابة أنه قال : لقد أحسن الله إلينا كل الإحسان، كنا مشركين، فلو جاءنا رسول الله بهذا الدين جملة، وبالقرآن دفعة لثقلت هذه التكاليف علينا، فما كنا ندخل في الإسلام، ولكنه دعانا إلى كلمة واحدة، فلما قبلناها وعرفنا حلاوة الإيمان، قبلنا ما وراءها كلمة بعد كلمة على سبيل الرفق إلى أن تم الدين وكملت الشريعة. وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال :" إنما أنا لكم مثل الوالد فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها " واعلم أن سر الأمر في حسن الخلق أمران : اعتبار حال القائل، واعتبار حال الفاعل، أما اعتبار حال القائل فلأن جواهر النفوس مختلفة بالماهية، كما قال عليه الصلاة والسلام :" الأرواح جنود مجندة " وقال :" الناس معادن كمعادن الذهب والفضة " وكما أنها في جانب النقصان تنتهي إلى غاية البلادة والمهانة والنذالة، واستيلاء الشهوة والغضب عليها واستيلاء حب المال واللذات، فكذلك في جانب الكمال قد تنتهي إلى غاية القوة والجلالة، أما في القوة النظرية فيكون كما وصفه الله تعالى بقوله :﴿نور على نور﴾ وقوله :﴿وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما﴾ وأما في القوة العملية، فكما وصفه الله بقوله :﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ كأنها من جنس أرواح الملائكة، فلا تنقاد للشهوة ولا تميل لدواعي الغضب، ولا تتأثر من حب المال والجاه، فإن من تأثر عن شيء كان المتأثر أضعف من المؤثر، فالنفس إذا مالت إلى هذه المحسوسات كانت روحانياتها أضعف من الجسمانيات، وإذا لم تمل إليها ولم تلتفت إليها كانت روحانياتها مستعلية على الجسمانيات، وهذه الخواص نظرية، وكانت نفسه المقدسة في غاية الجلالة والكمال في هذه الخصال. وأما اعتبار حال الفاعل فقوله عليه الصلاة والسلام :«من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب » فإنه يعلم أن الحوادث الأرضية مستندة إلى الأسباب الإلهية، فيعلم أن الحذر لا يدفع القدر، فلا جرم إذا فاته مطلوب لم يغضب، وإذا حصل له محبوب لم يأنس به، لأنه مطلع على الروحانيات التي هي أشرف من هذه الجسمانيات، فلا ينازع أحدا من هذا العالم في طلب شيء من لذاتها وطيباتها، ولا يغضب على أحد بسبب فوت شيء من مطالبها، ومتى كان الإنسان كذلك كان حسن الخلق، طيب العشرة مع الخلق، ولما كان صلوات الله وسلامه عليه أكمل البشر في هذه الصفات الموجبة لحسن الخلق، لا جرم كان أكمل الخلق في حسن الخلق.
المسألة الثانية : احتج أصحابنا في مسألة القضاء والقدر بقوله :﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ وجه الاستدلال أنه تعالى بين أن حسن خلقه مع الخلق، إنما كان بسبب رحمة الله تعالى، فنقول : رحمة الله عند المعتزلة عامة في حق المكلفين، فكل ما فعله مع محمد عليه الصلاة والسلام من الهداية والدعوة والبيان والإرشاد، فقد فعل مثل ذلك مع إبليس وفرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب، فإذا كان على هذا القول كل ما فعله الله تعالى مع المكلفين في هذا الباب مشتركا فيه بين أصفى الأصفياء، وبين أشقى الأشقياء لم يكن اختصاص بعضهم بحسن الخلق وكمال الطريقة مستفادا من رحمة الله، فكان على هذا القول تعليل حسن خلق الرسول عليه الصلاة والسلام برحمة الله باطلا، ولما كان هذا باطلا علمنا أن جميع أفعال العباد بقضاء الله وبقدره، والمعتزلة يحملون هذا على زيادة الألطاف وهذا في غاية البعد، لأن كل ما كان ممكنا من الألطاف، فقد فعله في حق المكلفين، والذي يستحقه المكلف بناء على طاعته من مزيد الألطاف، فذاك في الحقيقة إنما اكتسبه من نفسه لا من الله، لأنه متى فعل الطاعة استحق ذلك المزيد من اللطف، ووجب إيصاله إليه، ومتى لم يفعل امتنع إيصاله، فكان ذلك للعبد من نفسه لا من الله.
المسألة الثالثة : ذهب الأكثرون إلى أن ( ما ) في قوله :﴿فبما رحمة من الله﴾ صلة زائدة ومثله في القرآن كثير، كقوله :﴿عما قليل﴾ و ﴿جند ما هنالك﴾ ﴿فبما نقضهم﴾ ﴿مما خطاياهم﴾ قالوا : والعرب قد تزيد في الكلام للتأكيد على ما يستغنى عنه، قال تعالى :﴿فلما أن جاء البشير﴾ أراد فلما جاء، فأكد بأن، وقال المحققون : دخول اللفظ المهمل الضائع في كلام أحكم الحاكمين غير جائر، وههنا يجوز أن تكون ( ما ) استفهاما للتعجب تقديره : فبأي رحمة من الله لنت لهم، وذلك لأن جنايتهم لما كانت عظيمة ثم إنه ما أظهر ألبتة، تغليظا في القول، ولا خشونة في الكلام، علموا أن هذا لا يتأتى إلا بتأييد رباني وتسديد إلهي، فكان ذلك موضع التعجب من كمال ذلك التأييد والتسديد، فقيل : فبأي رحمة من الله لنت لهم، وهذا هو الأصوب عندي.
المسألة الرابعة : اعلم أن هذه الآية دلت على أن رحمة الله هي المؤثرة في صيرورة محمد عليه الصلاة والسلام رحيما بالأمة، فإذا تأملت حقيقة هذه الآية عرفت دلالتها على أنه لا رحمة إلا لله سبحانه، والذي يقرر ذلك وجوه : أحدها : أنه لولا أن الله ألقى في قلب عبده داعية الخير والرحمة واللطف لم يفعل شيئا من ذلك، وإذا ألقى في قلبه هذه الداعية فعل هذه الأفعال لا محالة، وعلى هذا التقدير فلا رحمة إلا لله : وثانيها : أن كل رحيم سوى الله تعالى فإنه يستفيد برحمته عوضا، إما هربا من العقاب، أو طلبا للثواب، أو طلبا للذكر الجميل، فإذا فرضنا صورة خالية عن هذه الأمور كان السبب هو الرقة الجنسية، فإن من رأى حيوانا في الألم رق قلبه، وتألم بسبب مشاهدته إياه في الألم، فيخلصه عن ذلك الألم دفعا لتلك الرقة عن قلبه، فلو لم يوجد شيء من هذه الأعراض لم يرحم ألبتة، أما الحق سبحانه وتعالى فهو الذي يرحم لا لغرض من الأغراض، فلا رحمة إلا لله، وثالثها : أن كل من رحم غيره فإنه إنما يرحمه بأن يعطيه مالا، أو يبعد عنه سببا من أسباب المكروه والبلاء، إلا أن المرحوم لا ينتفع بذلك المال إلا مع سلامة الأعضاء، وهي ليست إلا من الله تعالى، فلا رحمة في الحقيقة إلا لله، وأما في الظاهر فكل من أعانه الله على الرحمة سمي رحيما، قال عليه السلام :«الراحمون يرحمهم الرحمن » وقال في صفة محمد عليه السلام :﴿بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ ثم قال تعالى :﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾.
واعلم أن كمال رحمة الله في حق محمد ﷺ أنه عرفه مفاسد الفظاظة والغلظة وفيه مسائل.
المسألة الأولى : قال الواحدي : رحمه الله تعالى : الفظ، الغليظ الجانب السيء الخلق، يقال : فظظت تفظ فظاظة فأنت فظ، وأصله فظظ، كقوله : حذر من حذرت، وفرق من فرقت، إلا أن ما كان من المضاعف على هذا الوزن يدغم نحو رجل صب، وأصله صبب، وأما «الفض » بالضاد فهو تفريق الشيء، وانفض القوم تفرقوا، قال تعالى :﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها﴾ ومنه : فضضت الكتاب، ومنه يقال : لا يفضض الله فاك.
فان قيل : ما الفرق بين الفظ وبين غليظ القلب ؟
قلنا : الفظ الذي يكون سيء الخلق، وغليظ القلب هو الذي لا يتأثر قلبه عن شيء، فقد لا يكون الإنسان سيء الخلق ولا يؤذي أحدا ولكنه لا يرق لهم ولا يرحمهم، فظهر الفرق من هذا الوجه.
المسألة الثانية : إن المقصود من البعثة أن يبلغ الرسول تكاليف الله إلى الخلق، وهذا المقصود لا يتم إلا إذا مالت قلوبهم إليه وسكنت نفوسهم لديه، وهذا المقصود لا يتم إلا إذا كان رحيما كريما، يتجاوز عن ذنبهم، ويعفو عن إساءتهم، ويخصهم بوجوه البر والمكرمة والشفقة، فلهذه الأسباب وجب أن يكون الرسول مبرأ عن سوء الخلق، وكما يكون كذلك وجب أن يكون غير غليظ القلب، بل يكون كثير الميل إلى إعانة الضعفاء، كثير القيام بإعانة الفقراء، كثير التجاوز عن سيآتهم، كثير الصفح عن زلاتهم، فلهذا المعنى قال :﴿ولو كنت فظا القلب لانفضوا من حولك﴾ ولو انفضوا من حولك فات المقصود من البعثة والرسالة. وحمل القفال رحمه الله هذه الآية على واقعة أحد قال :﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ يوم أحد حين عادوا إليك بعد الانهزام ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب﴾ وشافهتهم بالملامة على ذلك الانهزام لانفضوا من حولك، هيبة منك وحياء بسبب ما كان منهم من الانهزام، فكان ذلك مما لا يطمع العدو فيك وفيهم.
المسألة الثالثة : اللين والرفق إنما يجوز إذا لم يفض إلى إهمال حق من حقوق الله، فأما إذا أدى إلى ذلك لم يجز، قال تعالى :﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ وقال للمؤمنين في إقامة حد الزنا :﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾.
وههنا دقيقة أخرى : وهي أنه تعالى منعه من الغلظة في هذه الآية، وأمره بالغلظة في قوله :﴿واغلظ عليهم﴾ فههنا نهاه عن الغلظة على المؤمنين، وهناك أمره بالغلظة مع الكافرين، فهو كقوله :﴿أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ وقوله :﴿أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ وتحقيق القول فيه أن طرفي الإفراط والتفريط مذمومان، والفضيلة في الوسط، فورود الأمر بالتغليظ تارة، وأخرى بالنهي عنه، إنما كان لأجل أن يتباعد عن الإفراط والتفريط، فيبقى على الوسط الذي هو الصراط المستقيم، فلهذا السر مدح الله الوسط فقال :﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾.
ثم قال تعالى :﴿فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر﴾ واعلم أنه تعالى أمره في هذه الآية بثلاثة أشياء : أولها : بالعفو عنهم وفيه مسائل.
المسألة الأولى : أن كمال