الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ) الآية [ ١٥٩ ].
هذا خطاب للنبي ﷺ، والمعنى : فبرحمة(١) من الله لنت للمؤمنين حتى آمنوا بك فسهلت(٢) عليهم الأمر، وبينت لهم الحجج، وحسنت خلقك، وصبرت على الأذى ( وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لَاْنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) أي : لتركوك ( فَاعْفُ عَنْهُمْ ) أي : تجاوز عنهم، واصفح فيما نالك منهم، ثم قال :( وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) أي : ادع ربك(٣) لهم بالمغفرة. وقوله ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الاَمْرِ ) أَمَرَ الله تعالى نبيه ﷺ أن يشاور أصحابه عند الحرب ولقاء العدو، وتطييباً لأنفسهم، وتأليفاً(٤) لهم على دينهم.
قال أبو اسحاق(٥) :( وَشَاوِرْهُمْ فِي الاَمْرِ ) معناه : ليريهم أنه يستعين بهم، ويسمع من آرائهم، فيكون أطيب لأنفسهم وقد كان عنهم غنياً لتوفيق الله عز وجل له بالوحي.
وقيل : إنما أمره بذلك لما فيه من الفضل وليتأسى أمته ﷺ بذلك بعده. روى ابن(٦) وهب أن مالكاً قال : ما تشاور قوم قط إلا هُدوا(٧). وسئل النبي ﷺ عن الحزم فقال " تستشيروا الرجل ذا الرأي ثم تمضي إلى ما أمرك به " (٨). ويقال : ما هلك امرؤ عن مشورة، ولا سعد بتوحيد رأي. وقال النبي عليه السلام " المستشار بالخيار ما لم يتكلم، فإذا تكلم فحق عليه أن ينصح " (٩).
قال الحسن والله ما تشاور [ قوم ](١٠) قط بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما بحضرتهم(١١).
قال أبو هريرة رضي الله عنه : ما رأيت من الناس أحداً أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم(١٢). قال ابن شهاب : بلغني أن عمر بن الخطاب قال : واستشر في أمرك الذين يخشون الله.
وعن النبي ﷺ أنه قال : " ما شقي عبد بمشورة ولا سعد عبد باستغناء رأي " (١٣).
وقال الشعبي : مكتوب في التوراة من لم يستشر يندم.
أنس بن مالك قال : قال رسول الله ﷺ " ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار " (١٤).
وقال ابن عباس :( وَشَاوِرْهُمْ فِي الاَمْرِ ) أبو بكر وعمر رضي الله عنهما(١٥).
وقيل(١٦) : إنما أمر أن يشاورهم فيما لم يكن عنده علم فيه وحي لأنه قد يكون عند بعضهم فيه علم، والناس قد يعرفون من أمور الدنيا ما لا تعرف الأنبياء صلوات الله عليهم(١٧).
( فَإِذَا عَزَمْتَ ) أي : إذا ثبت الرأي على أمر ( فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) فيه، وامض فيه، إن الله يحب من يتوكل عليه ويفوض الأمر إليه.
١ - (ج): فبما رحمة..
٢ - (ج): فهلت..
٣ - (ب) (د): ادعوا لهم ربك..
٤ - (ب) (د): تالفاء..
٥ - كذا في كل النسخ وعند ابن هشام والطبري: ابن إسحاق وهو الصواب. انظر: سيرة ابن هشام ٢/١١٦ جامع البيان ٤٥٢..
٦ - زيادة يقتضيها السياق..
٧ - ورواه الطبري من قول الحسن، وزاد "إلا هدوا لأرشد أمورهم" [المدقق]..
٨ - أخرجه أبو داود في المراسيل ١٨٦ والبيهقي في كتاب أدب القضاة ١٠/١١٢..
٩ - لم أقف عليه..
١٠ - ساقط من (أ) (ج)..
١١ - انظر: جامع البيان ٤/١٥٢ والدر المنثور ٢/٣٥٩..
١٢ - انظر: الدر المنثور ٢/٣٥٩..
١٣ - لم أقف عليه، وسبق ذكره قريباً [المدقق]..
١٤ - انظر: تخريجه في المعجم الصغير (٩٧٧) للطبراني ٢/٨٧ قال المدقق: والأوسط لكن بسند ضعيف عن أنس (٦٨١٦) ١٤/٣٩٤. والجامع الصغير ٢/٤٩٤..
١٥ - انظر: الدر المنثور ٢/٣٥٩. ونسبه للحاكم وصححه البيهقي في السنن [المدقق]..
١٦ - عزاه الطبري لقتادة ٤/١٥٢..
١٧ - انظر: الشفا حيث عقد لهذه المسألة فصلاً خاصاً ١/٣٤١ و٢/٨٧٢..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى