معاني القرآن — الفراء

عن الكتاب
وقوله :﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذلكمْ...﴾
ثم قال ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَناتٌ﴾ فرفع الجنات باللام. ولم يجز ردّها على أوّل الكلام ؛ لأنك حُلْت بينهما باللام، فلم يضمر خافض وقد حالت اللام بينهما. وقد يجوز أن تحول باللام ومثلِها بين الرافع وما رَفَع، والناصبِ وما نَصَب. فتقول : رأيت لأخيك مالا، ولأبيك إبلا. وترفع باللام إذا لم تُعمِل الفعل، وفي الرفع : قد كان لأخيك مال ولأبيك إبل. ولم يجُز أن تقول في الخفض : قد أمرتُ لك بألف بألف ولأخيك ألفين، وأنت تريد ( بألفين ) لأن إضمار الخفض غير جائز ؛ ألا ترى أنك تقول : مَنْ ضربتَ ؟ فتقول : زيدا، ومن أتاك ؟ فتقول : زيدٌ. فيضمر الرافع والناصب. ولو قال : بمن مررت ؟ لم تقل : زيدٍ ؛ لأن الخافض مع ما خَفَض بمنزلة الحرف الواحد. فإذا قدّمت الذي أخرته بعد اللام جاز فيه الخفض ؛ لأنه كالمنسوق على ما قبله إذا لم تَحُلْ بينهما بشيء. فلو قُدّمِت الجنات قبل اللام فقيل :( بخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ جناتٍ للذين اتقوا ) لجاز الخفض والنصب على معنى تكرير الفعل بإسقاط الباء ؛ كما قال الشاعر :
أتيتَ بعبد الله في القِدّ مُوثَقافهلا سعِيدا ذا الخيانةِ والغدرِ‍‍‍‍‍‍‍‍
كذلك تفعل بالفعل إذا اكتسب الباء ثم أضمرا جميعا نصب كقولك : أخاك، وأنت تريد امْرُرْ بأخيك. وقال الشاعر [ في ] استجازة العطف إذا قدّمته ولم تَحُلْ بينهما بشيء :
ألا يا لقومٍ كُلُّ ما حُمَّ واقعولِلطيرِ مَجْرىً والجُنُوبِ مَصَارع
أراد : وللجنوبِ مصارع، فاستجاز حذف اللام، وبها ترتفع المصارع إذ لم تحل بينهما بشيء. فلو قلت :( ومصارعُ الجنوبِ ) لم يجز وأنت تريد إضمار اللام. وقال الآخر :
أوعدني بالسجن والأداهِمرِجلِي ورِجلي شَثْنَة المناسِمِ
أراد : أوعد رجلي بالأداهم.
وقوله :﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَرَاء إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ والوجه رفع يعقوب. ومن نصب نوى به النصب، ولم يجز الخفض إلا بإعادة الباء : ومن وراء إسحاق بيعقوب.
وكلّ شيئين اجتمعا قد تقدم [ أحدهما ] قبل المخفوض الذي ترى أن الإضمار فيه يجوز على هذا. ولا تبالِ أن تفرق بينهما بفاعل أو مفعول به أو بصفة. فمن ذلك أن تقول : مررت بزيد وبعمرو ومحمد [ أو ] وعمرو ومحمد. ولا يجوز مررت بزيد وعمرو وفي الدار محمدٍ، حتى تقول : بمحمد. وكذلك : أمرت لأخيك بالعبيد ولأبيك بالوِرِق. ولا يجوز : لأبيك الوِرِق. وكذلك : مَُرَّ بعبد الله موثَقا ومطلقا زيدٍ، وأنت تريد : ومطلقا بزيد. وإن قلت : وزيدٍ مطلقا جاز ذلك على شبيه بالنَسَق إذا لم تَحُل بينهما بشيء.
وقوله :﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرّ مِن ذَلِكُمُ النارُ وَعَدها الله الَّذِينَ كَفَروا﴾ فيها ثلاثة أوجه أجودها الرفع، والنصب من جهتين : من وعدها إذ لم تكن النار مبتدأة، والنصب الآخر بإيقاع الإنباء عليها بسقوط الخفض. جائز لأنك لم تَحُلْ بينهما بمانع. والرفع على الابتداء.
فإن قلت : فما تقول في قول الشاعر :
الآن بعد لجاجتي تَلْحَوْننِيهلا التقدّمُ والقلوبُ صِحاحُ
بِم رُفع التقدّم ؟ قلت : بمعنى الواو في قوله :( والقلوبُ صحاح ) كأنه قال : العِظَة والقلوب فارغة، والرُطَبُ والحرّ شديد، ثم أدخلت عليها هلاّ وهي على ما رفعتها، ولو نصبت التقدّم بنية فِعل كما تقول : أتيتنا بأحاديث لا نعرفها فهلا أحاديثَ معروفة.
ولو جعلت اللام في قوله :﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ﴾ من صلة الإنباء جاز خفض الجنات والأزواج والرضوان.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى