جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَغُلّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾
اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته جماعة من قراء الحجاز والعراق :﴿وَما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَغُلّ﴾ بمعنى : أن يخون أصحابه فيما أفاء الله عليهم من أموال أعدائهم. واحتجّ بعض قارئي هذه القراءة، أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ، في قطيفة فقدت من مغانم القوم يوم بدر، فقال بعض من كان مع النبيّ ﷺ : لعلّ رسول الله ﷺ أخذها. ورووا في ذلك روايات. فمنها ما :
حدثنا به محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال : حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال : حدثنا خصيف، قال : حدثنا مقسم، قال : ثني ابن عباس، أن هذه الاَية :﴿وَما كانَ لِبَنِيّ أنْ يَغُلّ﴾ نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، قال : فقال بعض الناس : أخذها ! قال : فأكثروا في ذلك، فأنزل الله عزّ وجلّ :﴿وَما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَغُلّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾.
حدثنا ابن أبي الشوارب، قال : حدثنا عبد الواحد، قال : حدثنا خصيف، قال : سألت سعيد بن جبير : كيف تقرأ هذه الاَية :﴿وَما ان لِنَبِيّ أنْ يَغُلّ﴾ أو يُغَلّ ؟ قال : لا، بل يَغُلّ، فقد كان النبيّ واللّه يُغَلّ ويُقتل.
حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، قال : حدثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس :﴿وَما كانَ لِنَبِيّ أن يَغُلّ﴾ قال : كان ذلك في قطيفة حمراء فقدت في غزوة بدر، فقال من أصحاب النبي ﷺ : فلعلّ النبيّ أخذها، فأنزل الله عزّ وجلّ :﴿وَما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَغُلّ﴾ قال سعيد : بل والله إن النبيّ لُيغلّ ويُقتل.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا خلاد، عن زهير، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : كانت قطيفة فقدت يوم بدر، فقالوا : أخذها رسول الله ﷺ، فأنزل الله عزّ وجلّ :﴿وَما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَغُلّ﴾.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا مالك بن إسماعيل، قال : حدثنا زهير، قال : حدثنا خصيف، عن سعيد بن جبير وعكرمة، في قوله :﴿وَما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَغُلّ﴾ قالا : يَغُلّ، قال : قال عكرمة أو غيره، عن ابن عباس، قال : كانت قطيفة فقدت يوم بدر، فقالوا : أخذها رسول الله ﷺ، قال : فأنزل الله هذه الاَية :﴿وَما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَغُلّ﴾.
حدثنا مجاهد بن موسى، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا قزعة بن سويد الباهلي، عن حميد الأعرج، عن سعيد بن جبير، قال : نزلت هذه الاَية :﴿وَما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَغُلّ﴾ في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر من الغنيمة.
حدثنا نصر بن علي الجهضمي، قال : حدثنا معتمر، عن أبيه، عن سليمان الأعمش، قال : كان ابن مسعود يقرأ :﴿مَا كانَ لِنَبِيّ أنْ يُغَلّ﴾ فقال ابن عباس : بلى، ويُقتل. قال : فذكر ابن عباس أنه إنما كانت في قطيفة، قالوا : إن رسول الله ﷺ، غلّها يوم بدر، فأنزل الله :﴿وَما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَغُلّ﴾.
وقال آخرون ممن قرأ ذلك كذلك بفتح الياء وضمّ الغين : إنما نزلت هذه الاَية في طلائع كان رسول الله ﷺ وجههم في وجه، ثم غنم النبيّ ﷺ، فلم يقسم للطلائع، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الاَية على نبيه ﷺ، يعلمه فيها أن فعله الذي فعله خطأ، وأن الواجب عليه في الحكم أن يقسم للطلائع مثل ما قسم لغيرهم، ويعرّفه الواجب عليه من الحكم فيما أفاء الله عليه من الغنائم، وأنه ليس له أن يخصّ بشيء منها أحدا ممن شهد الوقعة أو ممن كان ردءا لهم في غزوهم دون أحد. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله :﴿وَما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَغُلّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلّ يَوْمَ القيامَةِ﴾ يقول : ما كان للنبيّ أن يقسم لطائفة من المسلمين ويترك طائفة ويجور في القسم، ولكن يقسم بالعدل، ويأخذ فيه بأمر الله، ويحكم فيه بما أنزل الله. يقول : ما كان الله ليجعل نبيا يغلّ من أصحابه، فإذا فعل ذلك النبيّ ﷺ، استنّوا به.
حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، أنه كان يقرأ :﴿ما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَغُلّ﴾ قال : أن يعطي بعضا، ويترك بعضا، إذا أصاب مغنما.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك، قال : بعث رسول الله ﷺ طلائع، فغنم النبيّ ﷺ، فلم يقسم للطلائع، فأنزل الله عزّ وجلّ :﴿وَما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَغُلّ﴾.
حدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ، قال : أخبرنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك :﴿ما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَغُلّ﴾ يقول : ما كان لنبيّ أن يقسم لطائفة من أصحابه، ويترك طائفة، ولكن يعدل، ويأخذ في ذلك بأمر الله عزّ وجلّ، ويحكم فيه بما أنزل الله.
حدثني يحيى بن أبي طالب، قال : أخبرنا يزيد، قال : أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله :﴿ما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَغُلّ﴾ قال : ما كان له إذا أصاب مغنما أن يقسم لبعض أصحابه ويدع بعضا، ولكن يقسم بينهم بالسوية.
وقال آخرون ممن قرأ ذلك بفتح الياء وضمّ الغين : إنما أنزل ذلك تعريفا للناس أن النبيّ ﷺ، لا يكتم من وحي الله شيئا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿ما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَغُلّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلّ يَوْمَ القيامَةِ ثُمّ تُوَفّى كُلّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ : أي ما كان لنبيّ أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم عن رهبة من الناس ولا رغبة، ومن يعمل ذلك يأت به يوم القيامة.
فتأويل قراءة من قرأ ذلك كذلك : ما ينبغي لنبيّ أن يكون غالاّ، بمعنى : أنه ليس من أفعال الأنبياء خيانة أممهم. يقال منه : غلّ الرجل فهو يغلّ، إذا خان، غلولاً، ويقال أيضا منه : أغلّ الرجل فهو يُغِلّ إغلالاً، كما قال شريح : ليس على المستعير غير المغلّ ضمان، يعني : غير الخائن¹ ويقال منه : أغلّ الجازر : إذا سرق من اللحم شيئا مع الجلد.
وبما قلنا في ذلك جاء تأويل أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿ما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَغُلّ﴾ يقول : ما كان ينبغي له أن يخون، فكما لا ينبغي له أن يخون فلا تخونوا.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله :﴿ما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَغُلّ﴾ قال : أن يخون.
وقرأ ذلك آخرون :«ما كانَ لِنَبِيّ أنْ يُغَلّ » بضم الياء وفتح الغين، وهي قراءة عُظْم قراء أهل المدينة والكوفة.
واختلف قارئو ذلك كذلك في تأويله، فقال بعضهم : معناه : ما كان لنبيّ أن يغله أصحابه. ثم أسقط الأصحاب، فبقي الفعل غير مسمى فاعله¹ وتأويله : وما كان لنبيّ أن يخان. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا عوف، عن الحسن أنه كان يقرأ :«وَما كانَ لِنَبِيّ أنْ يُغَلّ » قال عوف : قال الحسن : أن يُخان.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :«وَما كانَ لِنَبِيّ أنْ يُغْلّ » يقول : وما كان لنبيّ أن يغله أصحابه الذين معه من المؤمنين، ذكر لنا أن هذه الاَية نزلت على النبيّ ﷺ يوم بدر، وقد غلّ طوائف من أصحابه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله :«وَما كانَ لِنَبِيّ أنْ يُغَلّ » قال : أن يغله أصحابه.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله :«وَما كانَ لِنَبِيّ أنْ يُغَلّ » قال الربيع بن أنس، يقول : ما كان لنبيّ أن يغله أصحابه الذين معه، قال : ذكر لنا والله أعلم أن هذه الاَية أنزلت على نبيّ الله ﷺ يوم بدر، وقد غلّ طوائف من أصحابه.
وقال آخرون منهم : معنى ذلك : وما كان لنبيّ أن يتهم بالغلول فيخون ويسرق. وكأن متأوّلي ذلك كذلك وجهوا قوله :«وَما كانَ لِنَبِيّ أنْ يُغَلّ » إلى أنه مراد به يغلّل، ثم خففت العين من يُفَعّل فصارت يفعل، كما قرأ من قرأ قوله :«فإنّهُمْ لا يُكْذِبُونك » بتأوّل يُكَذّبُونك.
وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي قراءة من قرأ :﴿وَما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَغُلّ﴾ بمعنى : ما الغلول من صفات الأنبياء، ولا يكون نبيا من غلّ. وإنما اخترنا ذلك، لأن الله عزّ وجلّ أوعد عقيب قوله :﴿وَما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَغُلّ﴾ أهل الغلول، فقال :﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾. . . الاَية، والتي بعدها، فكان في وعيده عقيب ذلك أهل الغلول، الدليل الواضح على أنه إنما نهى بذلك عن الغلول، وأخبر عباده أن الغلول ليس من صفات أنبيائه بقوله :﴿وَما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَغُلّ﴾ لأنه لو كان إنما نهى بذلك أصحاب رسول الله ﷺ أن يتهموا رسول الله ﷺ بالغلول، لعقب ذلك بالوعيد على التهمة، وسوء الظنّ برسول الله ﷺ، لا بالوعيد على الغلول، وفي تعقيبه ذلك بالوعيد على الغلول بيان بين، أنه إنما عرف المؤمنين وغيرهم من عباده أن الغلول منتف من صفة الأنبياء وأخلاقهم، لأن ذلك جرم عظيم، والأنبياء لا تأتي مثله.
فإن قال قائل ممن قرأ ذلك كذلك : فأولى منه : وَما كان لنبيّ أن يخونه أصحابه إن ذلك كما ذكرت، ولم يعقب الله قوله :﴿وَما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَغُلّ﴾ إلا بالوعيد على الغلول، ولكنه إنما وجب الحكم بالصحة لقراءة من قرأ :«يُغَلّ » بضم الياء وفتح الغين، لأن معنى ذلك : وما كان للنبيّ أن يغله أصحابه، فيخونوه في الغنائم¹ قيل له : أفكان لهم أن يغلوا غير النبيّ ﷺ فيخونوه، حتى خصوا بالنهي عن خيانة النبيّ ﷺ، فإن قالوا : نعم، خرجوا من قول أهل الإسلام، لأن الله لم يبح خيانة أحد في قول أحد من أهل الإسلام قط.
وإن قال قائل : لم يكن ذلك لهم في نبيّ ولا غيره ؟ قيل : فما وجه خصوصهم إذا بالنهي عن خيانة النبيّ ﷺ وغلوله وغلول بعض اليهود، بمنزلة فيما حرّم الله على الغالّ من أموالهما، وما يلزم المؤتمن من أداء الأمانة إليهما. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن معنى ذلك هو ما قلنا من أن الله عزّ وجلّ نفى بذلك أن يكون الغلول والخيانة من صفات أنبيائه، ناهيا بذلك عباده عن الغلول، وآمرا لهم بالاستنان بمنهاج نبيهم، كما قال ابن عباس في الرواية التي ذكرناها من رواية عطية ثم عقب تعالى ذكره نهيهم عن الغلول بالوعيد عليه، فقال :{ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلّ ي

تفسير هذه الآية من كتب أخرى