غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿يغل﴾ بفتح الياء وضم الغين : ابن كثير وأبو عمرو وعاصم غير المفضل ويعقوب غير رويس. الباقون : بالضم والفتح على البناء للمفعول. ﴿ولا يحسبن﴾ بياء الغيبة : الحلواني عن هشام. الباقون : بتاء الخطاب. ﴿قتلوا﴾ بالتشديد : ابن عامر. الباقون : بالتخفيف. ﴿وإن الله﴾ بالكسر على الابتداء : عليّ. الباقون : بالفتح. ﴿وخافوني﴾ بالياء في الحالين : سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل. الباقون بالحذف.
الوقوف :﴿إن يغل﴾ ط لابتداء الشرط ﴿يوم القيامة﴾ ج لانتهاء جزاء الشرط مع العطف ﴿لا يظلمون﴾ ه ﴿جهنم﴾ ط ﴿المصير﴾ ه ﴿عند الله﴾ ط ﴿بما تعملون﴾ ه ﴿والحكمة﴾ ج لمكان العطف ﴿مبين﴾ ه ﴿مثليها﴾ ( لا ) لأن استفهام الإنكار دخل على ﴿قلتم﴾ ﴿هذا﴾ ط ﴿أنفسكم﴾ ط ﴿قدير﴾ ه ﴿وليعلم المؤمنين﴾ ه لا ﴿نافقوا﴾ ج لاحتمال العطف والاستئناف والوصل أولى على تقدير وقد قيل لهم. ﴿أو ادفعوا﴾ ط ﴿لاتبعناكم﴾ ط ﴿للإيمان﴾ ج لاحتمال الحال والاستئناف. ﴿في قلوبهم﴾ ط ﴿يكتمون﴾ ج لاحتمال كون " الذين " بدلاً عن ضمير ﴿يكتمون﴾ أو خبر مبتدأ محذوف. ﴿ما قتلوا﴾ ط ﴿صادقين﴾ ه ﴿أمواتاً﴾ ط ﴿عند ربهم﴾ ص ﴿يرزقون﴾ ه لا لأن ﴿فرحين﴾ حالهم. ﴿من فضله﴾ ( لا ) للعطف. ﴿من خلفهم﴾ ( لا ) لتعلق " أن ". ﴿يحزنون﴾ ه م للآية واستئناف الفعل إذ يستحيل أن يكون الاستبشار حالاً للذين يحزنون. ﴿وفضل﴾ ( لا ) لأن التقدير وبأن ومن كسر وقف والجملة حينئذٍ اعتراضية. ﴿المؤمنين﴾ ه ج لأن " الذين " يصلح صفة للمؤمنين ومبتدأ خبره للذين أحسنوا، أو نصباً على المدح والأول أوجه لاتحاد الصفة. ﴿القرح﴾ ط لمن لم يقف على ﴿المؤمنين﴾. ﴿عظيم﴾ ج لاحتمال البدل وكونه خبر مبتدأ محذوف. ﴿إيماناً﴾ ق والوصل أولى للعطف واتصال توكل اللسان بيقين القلب. ﴿الوكيل﴾ ه ﴿سوء﴾ لا للعطف ﴿رضوان الله﴾ ط ﴿عظيم﴾ ه ﴿أولياءه﴾ ص لوصل النهي عن الخوف بعد ذكر التخويف ﴿مؤمنين﴾ ه.
ثم لما أجاب عن نسبة النبي ﷺ إلى الغلول، حكى عنهم شبهة أخرى وهي قولهم لو كان رسولاً من عند الله ما انهزم عسكره وهو المراد بقوله :﴿أنى هذا﴾ وأجاب عنها بقوله :﴿قل هو من عند أنفسكم﴾ والواو في قوله ﴿أو لما أصابتكم﴾ لعطف هذه الجملة الاستفهامية على ما قبلها من قصة أحد إلا أن حرف الاستفهام قدم على واو العطف لأن له صدر الكلام و ﴿لما﴾ ظرف ﴿قلتم﴾ ومقول القول ﴿أنى هذا﴾. و ﴿وأصابتكم﴾ في محل الجر بإضافة ﴿لما﴾ إليه. والتقدير : أقلتم حين أصابتكم ؟ ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على محذوف كأنه قيل : أفعلتم كذا، وقلتم حينئذٍ من أين أصابنا هذا، وكيف نصروا علينا، ونحن على الحق ومعنا الرسول وهم على الباطل ولا نبي معهم ؟ والمراد بالمصيبة واقعة أحد، وبمثلها وقعة بدر. وذلك أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين، وقتل المسلمون منهم يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، وقيل : أراد نسبة الضعف في الهزيمة لا في عدد القتلى والأسرى.
فالمسلمون هزموا الكفار يوم بدر وهزموهم أيضاً في الأولى يوم أحد، ثم لما عصوا الله هزمهم المشركون فانهزام المشركين حصل مرتين، وانهزام المسلمين حصل مرة واحدة فخرج عن قوله :﴿قد أصبتم مثليها﴾ جواب ضمني يعني أن أحوال الدنيا لا تدوم على حالة واحدة، فإذا أصبتم منهم مثلي ما نالوا منكم فما وجه الاستبعاد ؟ لكنه صرح بجواب آخر فقال :﴿قل هو من عند أنفسكم﴾ وفي تقريره وجهان : الأول أن هذه المصيبة بشؤم معصيتكم. وذلك أنهم عصوا الرسول في أمور في الخروج عن المدينة وكان رأيه في الإقامة، ثم في الفشل وفي التنازع وفي مفارقة المركز وفي الاشتغال بطلب الغنيمة. الثاني ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال : جاء جبريل عليه السلام إلى النبي ﷺ يوم بدر فقال : يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى، وأمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا الأسارى فيضربوا أعناقهم وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم. فذكر رسول الله ﷺ ذلك لقومه فقالوا : يا رسول الله عشائرنا وإخواننا نأخذ الفداء منهم فنتقوى به على قتال العدو ونرضى أن يستشهد منا بعددهم. فقتل يوم أحد سبعون رجلاً بعدد أسارى بدر. فمعنى ﴿هو من عند أنفسكم﴾ هو بأخذكم الفداء واختياركم القتل. وتمسك المعتزلة بالآية على أن للعبد اختياراً في الفعل والترك، وأنه من عند نفسه. وعارضهم الأشاعرة بقوله :﴿إن الله على كل شيء قدير﴾ فإن فعل العبد من جملة الأشياء فيكون الله قادراً عليه. فلو وجد بإيجاد العبد امتنع من الله أن يقدر عليه إذ لا قدرة على إيجاد الموجود والحق أن وجود الواسطة لا ينافي انتهاء الكل إلى مسبب الأسباب ويؤيده قوله :﴿وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله﴾
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : قد ذكرنا أن النفس يبقى لها نوع تعلق ببدنها. فالآن نقول : إن روح الشهيد مخصوص بمزيد تعلق ببدنه جزاء له على تعجيب إذاقة مرارة الفراق عن الدنيا، ولهذا لا تبلى أجساد كثير منهم وتبقى غضة طرية وكأنهم هم الشهداء في الحقيقة، وهكذا أجساد الكاملين من النبيين والصديقين الذين قتلوا أنفسهم بسيوف الرياضات، ومطارف الأذكار، وأسنة ألسنة الطاعنين، وتجرع سموم مخالفات النفس، ومكايدة الشيطان حتى ماتوا بالإرادة وحيوا بالطبيعة. وليس كل تعلق بهذا العالم سبباً للتألم بل بعضه سبب اللذة والابتهاج ﴿يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين﴾
[يس: ٢٦-٢٧] وكما ورد في حديث الشهداء " من يبلغ إخواننا عنا إنا في الجنة " والذي جاء فيه " إن أرواحهم في أجواف طير خضر " فلعل ذلك جزاء لهم على خروج الدم والأبخرة اللطيفة منهم ظلماً. فمن الممكن أن يخلق الله تعالى من ذلك جسماً لطيفاً شبه طائر، ويكون لروح الشهيد به مزيد تعلق حتى تحركه ويطير حيث شاء من السماء والأرض وإلى الجنة بإذن الله تعالى. وأما كون الطير خضراً فإما لأن بدن الميت يميل إلى الخضرة، وإما أن يكون عبارة عن النضرة ﴿تعرف في وجوههم نضرة النعيم﴾[المطففين: ٢٤] وإما لأن حالهم بالنسبة إلى ما سيؤول إليه أهل الجنة والنار يوم القيامة كالمتوسط بين الحالين الذين يعبر عنهما بالبياض والسواد في قوله :﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾[آل عمران: ١٠٦] وهذه المعاني ما وجدتها في كتب التفسير والتأويل، وأرجو أن أكون مصيباً فيها الغرض والله تعالى ورسوله أعلم بمرادهما.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى