اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
جوَّزوا في موضع " الذين " الألقاب الثلاثة : الرفع والنصب والجر، فالرفعُ من ثلاثةِ أوجهٍ :
أحدها : أن يكون مرفوعاً على خبر مبتدأ محذوفٍ، تقديره : هم الذين.
ثانيها : أنه بدل من واو " يكتمون ".
ثالثها : أنه مبتدأ، والخبر قوله :" قل فادْرءوا " ولا بُدَّ من حذف عائدٍ، تقديره : قُلْ لَهُمْ.
والنصبُ من ثلاثة أوجه - أيضاً - :
أحدها : النصبُ على الذَّم، أي : أذم الذين قالوا.
ثانيها : أنه بدل من " الذين نافقوا ".
ثالثها : أنه صفة.
والجر من وجهينِ : البدل من الضمير في " بأفواهم " أو من الضمير في " قلوبهم " كقول الفرزدق :[ الطويل ]
عَلَى حَالَةٍ لَوْ أنَّ فِي الْقَوْمِ حَاتِماًعَلَى جُودِهِ لَضَنَّ بِالْمَاءِ حَاتِمِ(١)
بجر " حاتم " على أنه بدل من الهاء في " جوده " - وقد تقدم الخلافُ في هذه المسألةِ وقال أبو حيان : وجوَّزوا في إعراب " الذين " وُجُوهاً :
الرفع، على النعت ل " الذين نافقوا " أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف والنصب. . . فذكره إلى آخره.
قال شهابُ الدينِ : وهذا عجيبٌ منه ؛ لأنَّ " الذين نافقوا " منصوب بقوله :" وليعلم " وهم - في الحقيقة - عطف على " المؤمنين " وإنَّمَا كرر العاملَ توكيداً، والشيخُ لا يخفَى عليه ما هو أشكلُ من هذا فيحتمل أن يكون تبع غيرَه في هذا السهو - وهو الظاهر من كلامه - ولم ينظر في الآية، اتكالاً على ما رآه منقولاً، وكثيراً ما يقع الناس فيه، وأن يُعْتَقَدَ أنّ " الذين " فاعل بقوله :" وليعلم " أي : فعل الله ذلك ليعلم هو المؤمنين، وليعلم المنافقون، ولكن مثل هذا لا ينبغي أن يجوز ألبتة.
قوله :" وقعدوا " يجوز في هذه الجملة وجهانِ :
أحدهما : أن تكون حالية من فاعل " قالوا " و " قد " مرادة أي : وقد قعدوا، ومجيء الماضي حالاً بالواو و " قد " أو بأحدهما، أو بدونهما، ثابتٌ من لسان العربِ.
الثاني : أنها معطوفة على الصلة، فتكون معترضة بين " قالوا " ومعمولها، وهو " لو أطاعونا ".

فصل في المراد ب " الذين "


قال المفسّرون المراد ب " الذين " عبدُ بنُ أبَيٍّ وأصحابُهُ. وقال الأصَم : هذا لا يجوزُ ؛ لأن عبد الله بن أبي خرج مع النبي ﷺ في الجهادِ يوم أحُدٍ، وهذا القول واقع ممن تخلَّف، لأنه قال :﴿الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا﴾ أي في القعود " ما قتلوا " فهو كلامُ متأخرٍ عن الجهاد قاله لمن خرج إلى الجهادِ ولمن هو قوي النية في ذلك ؛ ليجعله شُبْهَةً فيما بعد، صارفاً لهم عن الجهاد.
وهذا فيه نظرٌ ؛ لأنه يحتمل أنه أراد بقوله :" وقعدوا " القعود عن القتالِ، لا عن الخروج إلى القتال ؛ فإن عبد الله بن أبَيّ خَرَجَ إلى الْقِتَالِ، ولم يُقَاتِل، بل هَرَبَ بمن معه، ويُطْلَق عليه أنه قَعَد عن القتال وهو القائلُ هذا الكلام.
وقوله :﴿لإِخْوَانِهِمْ﴾ أي : لأجل إخوانهم - وقد تقدم : هل المرادُ - من هذه الأخوة - الأخوة في النسب، أو الأخوة بسبب المشاركة في الدَّارِ، أو في عداوة الرسول ﷺ أو في عبادة الأوثان ؟
قوله :﴿قُلْ فَادْرَءُوا﴾ ادفعوا ﴿عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ذكر ذلك على سبيل الجوابِ لقولهم :﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾.
فإن قيل : ما وجه هذا الاستدلالِ مع أن الفرقَ ظاهرٌ ؛ فإن التحرُّز عن القتل ممكن، وأما التحرزُ عن الموتِ فغير ممكن ألبته ؟
فالجوابُ : أن هذا الدليلَ لا يتمشى إلا إذا قلنا : إنّ الكُلَّ بقضاء الله وقَدَرِه، فحينئذٍ لا يبقى بين القتلِ وبين الموتِ فرق، فيصح الاستدلالُ، أما إذا قلنا : بأن فعل العبد ليس بتقدير الله وقضائه، كان الفرق بين القتل والموتِ ظاهراً.
وقوله :﴿إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي : في كونكم مشتغلين بالحذر عن المكاره، والوصول إلى المطالب.
١ تقدم برقم ٦٤١..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى