البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا﴾ هذه الآية نظير قوله :﴿وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض﴾ الآية وفسر الإخوان هنا بما فسر به هناك.
وتحتمل لام الجر ما احتملته في تلك، وجوزوا في إعراب الذين وجوهاً : الرفع على النعت للذين نافقوا، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو على أنه بدل من الواو في يكتمون، والنصب على الذم أي : أذم الذين، والجرّ على البدل من الضمير في بأفواههم أو في قلوبهم.
والجملة من قوله : وقعدوا حالية أي : وقد قعدوا.
ووقوع الماضي حالاً في مثل هذا التركيب مصحوباً بقد، أو بالواو، أو بهما، أو دونهما، ثابت من لسان العرب بالسماع.
ومتعلق الطاعة هو ترك الخروج.
والقعود كما قعدوا هم، وهذا منهم قول بالأجلين أي : لو وافقونا في التخلف والقعود ما قتلوا، كما لم نقتل نحن.
وقرأ الحسن : ما قتلوا بالتشديد.
﴿قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾ أكذبهم الله تعالى في دعواهم ذلك، فكأنه قيل : القتل ضرب من الموت، فإنْ كان لكم سبيل إلى دفعه عن أنفسكم بفعل اختياري فادفعوا عنها الموت، وإن لم يكن ذلك دلّ على أنكم مبطلون في دعواكم.
والدرة : الدفع، وتقدّمت مادته في قوله :﴿فادارأتم فيها﴾ وقال دغفل النسابة :
والمعنى : إنْ كنتم صادقين في دعواكم أنَّ التحيل والتحرز ينجي من الموت، فجدّوا أنتم في دفعه، ولن تجدوا إلى ذلك سبيلاً بل لا بد أن يتعلق بكم بعض أسباب المنون.
وهب أنكم على زعمكم دفعتم بالقعود هذا السبب الخاص، فادفعوا سائر أسباب الموت، وهذا لا يمكن لكم ألبتة.
قال الزمخشري :( فإن قلت ) : فقد كانوا صادقين في أنهم دفعوا القتل عن أنفسهم بالقعود، فما معنى قوله : إن كنتم صادقين ؟ ( قلت ) : معناه أنّ النجاة من القتل يجوز أن يكون سببها القعود عن القتال، وأن يكون غيره.
لأن أسباب النجاة كثيرة.
وقد يكون قتال الرجل نجاته، ولو لم يقاتل لقتل، فما يدريكم أن سبب نجاتكم القعود وإنكم صادقون في مقاتلتكم وما أنكرتم أن يكون السبب غيره ؟ ووجه آخر : إن كنتم صادقين في قولكم : لو أطاعونا وقعدوا ما قتلوا، يعني : أنهم لو أطاعوكم وقعدوا لقتلوا قاعدين، كما قتلوا مقاتلين.
وقوله : فادرؤا عن أنفسكم الموت، استهزاءً بهم، أي إن كنتم رجالاً دفاعين لأسباب الموت فادرؤا جميع أسبابه حتى لا تموتوا انتهى كلامه.
وهو حسن على طوله.
سورة آل عمران
هذه السورة، سورة آل عمران، وتسمى : الزهراء، والأمان، والكنز، والمعينة، والمجادلة، وسورة الاستغفار وطيبة. وهي : مدنية الآيات، وسبب نزولها فيما ذكره الجمهور : أنه وفد على رسول الله ﷺ وفد نصارى نجران، وكانوا ستين راكباً، فيهم أربعة عشر من أشرافهم، منهم ثلاثة إليهم يؤول أمرهم، أميرهم : العاقب عبد المسيح، وصاحب رحلهم : السيد الأيهم، وعالمهم : أبو حارثة بن علقمة، أحد بني بكر بن وائد. وذكر من جلالتهم، وحسن شارتهم وهيئتهم. وأقاموا بالمدينة أياماً يناظرون رسول الله ﷺ في عيسى، ويزعمون تارة أنه الله، وتارة ولدا لإله، وتارة : ثالث ثلاثة. ورسول الله ﷺ يذكر لهم أشياء من صفات الباري تعالى، وانتفاءها عن عيسى، وهم يوافقونه على ذلك، ثم أبوا إلاَّ جحوداً، ثم قالوا : يا محمد ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه ؟ قال :«بلى ». قالوا : فحسبنا. فأنزل الله فيهم صدر هذه السورة إلى نيف وثمانين آية منها، إلى أن دعاهم رسول الله ﷺ إبلى الإبتهال.
وقال مقاتل : نزلت في اليهود المبغضين لعيسى، القاذفين لأمّه، المنكرين لما أنزل الله عليه من الإنجيل. ومناسبة هذه السورة لما قبلها واضحة لأنه، لما ذكر آخر البقرة ﴿أَنتَ مَوْلَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ ناسب أن يذكر نصرة الله تعالى على الكافرين، حيث ناظرهم رسول الله ﷺ، وردّ عليهم بالبراهين الساطعة، والحجج القاطعة، فقص تعالى أحوالهم، وردّ عليهم في اعتقادهم، وذكر تنزيهه تعالى عما يقولون، وبداءة خلق مريم وابنها المسيح إلى آخر ما ردّ عليهم، ولما كان متفتح آية آخر البقرة ﴿الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ﴾ فكأن فيذلك الإيمان بالله وبالكتب، ناسب ذكر أوصاف الله تعالى، وذكر ما أنزل على رسوله، وذكر المنزل على غيره صلى الله عليهم.
وتحتمل لام الجر ما احتملته في تلك، وجوزوا في إعراب الذين وجوهاً : الرفع على النعت للذين نافقوا، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو على أنه بدل من الواو في يكتمون، والنصب على الذم أي : أذم الذين، والجرّ على البدل من الضمير في بأفواههم أو في قلوبهم.
والجملة من قوله : وقعدوا حالية أي : وقد قعدوا.
ووقوع الماضي حالاً في مثل هذا التركيب مصحوباً بقد، أو بالواو، أو بهما، أو دونهما، ثابت من لسان العرب بالسماع.
ومتعلق الطاعة هو ترك الخروج.
والقعود كما قعدوا هم، وهذا منهم قول بالأجلين أي : لو وافقونا في التخلف والقعود ما قتلوا، كما لم نقتل نحن.
وقرأ الحسن : ما قتلوا بالتشديد.
﴿قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾ أكذبهم الله تعالى في دعواهم ذلك، فكأنه قيل : القتل ضرب من الموت، فإنْ كان لكم سبيل إلى دفعه عن أنفسكم بفعل اختياري فادفعوا عنها الموت، وإن لم يكن ذلك دلّ على أنكم مبطلون في دعواكم.
والدرة : الدفع، وتقدّمت مادته في قوله :﴿فادارأتم فيها﴾ وقال دغفل النسابة :
| صادف درء السيل درأ يدفعه | والعبء لا تعرفه أو ترفعه |
وهب أنكم على زعمكم دفعتم بالقعود هذا السبب الخاص، فادفعوا سائر أسباب الموت، وهذا لا يمكن لكم ألبتة.
قال الزمخشري :( فإن قلت ) : فقد كانوا صادقين في أنهم دفعوا القتل عن أنفسهم بالقعود، فما معنى قوله : إن كنتم صادقين ؟ ( قلت ) : معناه أنّ النجاة من القتل يجوز أن يكون سببها القعود عن القتال، وأن يكون غيره.
لأن أسباب النجاة كثيرة.
وقد يكون قتال الرجل نجاته، ولو لم يقاتل لقتل، فما يدريكم أن سبب نجاتكم القعود وإنكم صادقون في مقاتلتكم وما أنكرتم أن يكون السبب غيره ؟ ووجه آخر : إن كنتم صادقين في قولكم : لو أطاعونا وقعدوا ما قتلوا، يعني : أنهم لو أطاعوكم وقعدوا لقتلوا قاعدين، كما قتلوا مقاتلين.
وقوله : فادرؤا عن أنفسكم الموت، استهزاءً بهم، أي إن كنتم رجالاً دفاعين لأسباب الموت فادرؤا جميع أسبابه حتى لا تموتوا انتهى كلامه.
وهو حسن على طوله.
سورة آل عمران
هذه السورة، سورة آل عمران، وتسمى : الزهراء، والأمان، والكنز، والمعينة، والمجادلة، وسورة الاستغفار وطيبة. وهي : مدنية الآيات، وسبب نزولها فيما ذكره الجمهور : أنه وفد على رسول الله ﷺ وفد نصارى نجران، وكانوا ستين راكباً، فيهم أربعة عشر من أشرافهم، منهم ثلاثة إليهم يؤول أمرهم، أميرهم : العاقب عبد المسيح، وصاحب رحلهم : السيد الأيهم، وعالمهم : أبو حارثة بن علقمة، أحد بني بكر بن وائد. وذكر من جلالتهم، وحسن شارتهم وهيئتهم. وأقاموا بالمدينة أياماً يناظرون رسول الله ﷺ في عيسى، ويزعمون تارة أنه الله، وتارة ولدا لإله، وتارة : ثالث ثلاثة. ورسول الله ﷺ يذكر لهم أشياء من صفات الباري تعالى، وانتفاءها عن عيسى، وهم يوافقونه على ذلك، ثم أبوا إلاَّ جحوداً، ثم قالوا : يا محمد ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه ؟ قال :«بلى ». قالوا : فحسبنا. فأنزل الله فيهم صدر هذه السورة إلى نيف وثمانين آية منها، إلى أن دعاهم رسول الله ﷺ إبلى الإبتهال.
وقال مقاتل : نزلت في اليهود المبغضين لعيسى، القاذفين لأمّه، المنكرين لما أنزل الله عليه من الإنجيل. ومناسبة هذه السورة لما قبلها واضحة لأنه، لما ذكر آخر البقرة ﴿أَنتَ مَوْلَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ ناسب أن يذكر نصرة الله تعالى على الكافرين، حيث ناظرهم رسول الله ﷺ، وردّ عليهم بالبراهين الساطعة، والحجج القاطعة، فقص تعالى أحوالهم، وردّ عليهم في اعتقادهم، وذكر تنزيهه تعالى عما يقولون، وبداءة خلق مريم وابنها المسيح إلى آخر ما ردّ عليهم، ولما كان متفتح آية آخر البقرة ﴿الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ﴾ فكأن فيذلك الإيمان بالله وبالكتب، ناسب ذكر أوصاف الله تعالى، وذكر ما أنزل على رسوله، وذكر المنزل على غيره صلى الله عليهم.