الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿الذين قَالُواْ﴾ في إعرابه أوجه : أن يكون نصباً على الذمّ أو على الردّ على الذين نافقوا، أو رفعاً على هم الذين قالوا أو على الإبدال من واو يكتمون. ويجوز أن يكون مجروراً بدلاً من الضمير في بأفواههم أو قلوبهم، كقوله :
عَلَى جُودِهِ لَضَنَّ بِالماءِ حَاتِمُ ***
﴿لإخوانهم﴾ لأجل إخوانهم من جنس المنافقين المقتولين يوم أحد أو إخوانهم في النسب وفي سكنى الدار ﴿وَقَعَدُواْ﴾ أي قالوا وقد قعدوا على القتال : لو أطاعنا إخواننا فيما أمرناهم به من القعود ووافقونا فيه لما قتلوا كما لم نقتل ﴿قُلْ فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صادقين﴾ معناه : قل إن كنتم صادقين في أنكم وجدتم إلى دفع القتل سبيلاً وهو القعود عن القتال، فجدوا إلى دفع الموت سبيلاً، يعني أن ذلك الدفع غير مغن عنكم، لأنكم إن دفعتم القتل الذي هو أحد أسباب الموت، لم تقدروا على دفع سائر أسبابه المبثوثة، ولا بد لكم من أن يتعلق بكم بعضها. وروي : أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقاً.
فإن قلت : فقد كانوا صادقين في أنهم دفعوا القتل عن أنفسهم بالقعود، فما معنى قوله :﴿إِن كُنتُمْ صادقين﴾ ؟ قلت : معناه أن النجاة من القتل يجوز أن يكون سببها القعود عن القتال وأن يكون غيره، لأن أسباب النجاة كثيرة، وقد يكون قتال الرجل سبب نجاته ولو لم يقاتل لقتل، فما يدريكم أن سبب نجاتكم القعود وأنكم صادقون في مقالتكم ؟ وما أنكرتم أن يكون السبب غيره. ووجه آخر : إن كنتم صادقين في قولكم : لو أطاعونا وقعدوا ما قتلوا، يعني أنهم لو أطاعوكم وقعدوا لقتلوا قاعدين كما قتلوا مقاتلين. وقوله :﴿فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ استهزاء بهم، أي إن كنتم رجالاً دفاعين لأسباب الموت، فادرؤا جميع أسبابه حتى لا تموتوا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى