جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مّنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
يعني تعالى ذكره ﴿وَلا تَحْسَبنّ﴾ : ولا تظننّ. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿وَلا تَحْسَبنّ﴾ : ولا تظننّ.
وقوله :﴿الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ يعني : الذين قُتِلوا بأُحد من أصحاب رسول الله ﷺ ﴿أمواتا﴾ يقول : ولا تحسبنهم يا محمد أمواتا، لا يحسون شيئا، ولا يلتذّون، ولا يتنعمون، فإنهم أحياء عندي، متنعمون في رزقي، فرحون مسرورون بما آتيتهم من كرامتي وفضلي، وحبوتهم به من جزيل ثوابي وعطائي. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ابن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير المكي، عن ابن عباس، قال : قال رسول الله ﷺ :«لَمّا أُصِيبَ إخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ، جَعَلَ اللّهُ أرْوَاحَهُمْ فِي أجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أنْهارَ الجَنّةِ، وَتأكُلُ مِنِ ثِمَارِها، وَتأْوِي إلى قَنادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ فِي ظِلّ العَرْشِ¹ فَلَمّا وَجَدُوا طِيبَ مَشْرَبِهِمْ وَمأْكَلِهِمْ وَحُسْنِ مَقِيِلهِمْ، قالوا : يا لَيْتَ إخْوَانَنا يَعْلَمونَ ما صَنَعَ اللّهُ بِنا ! لِئَلاّ يَزْهَدُوا فِي الجِهادِ وَلا يَنْكَلوا عَنِ الحَرْبِ، فَقالَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ : أنا أُبَلّغُهمْ عَنْكمْ » فأنزل الله عز وجل على رسول الله ﷺ هؤلاء الآيات.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير بن عبد الحميد، وحدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قالا جميعا : حدثنا محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق بن الأجدع، قال : سألنا عبد الله بن مسعود، عن هذه الاَيات :﴿وَلا تَحْسَبنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾. . . الآية، قال : أما إنا قد سألنا عنها، فقيل لنا :«إنّه لما أُصِيبَ إخْوَانُكُمْ بأُحُدٍ، جَعَلَ الله أرْوَاحَهُمْ في أجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أنْهارَ الجَنّةِ وَتأْكُلُ مِنْ ثمارِهَا وتأوي إلى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ في ظِلّ العَرْشِ، فيطّلع الله إليهم اطّلاعَةً، فيقول : يا عبادي ما تَشْتَهُونَ فَأَزِيُدكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : رَبّنا لا فَوْقَ ما أعْطَيْتَنَا الجَنّةَ، نَأْكُلُ منها حيث شِئْنَا ثلاث مرات ثم يَطّلِعُ فَيَقُولُ : يا عِبَادي ما تَشْتَهُونَ فأزيدكم ؟ فيقولون : رَبّنا لا فَوْقَ ما أعْطَيْتَنَا الجَنّةَ، نَأْكُلُ منها حَيْثُ شِئْنا، إلا أنا نَخْتَارُ أن تَرُدّ أرْوَاحَنا في أجْسَادِنا، ثم تَرُدّنا إلى الدّنْيا، فنُقَاتل فيك حتى نُقْتَلَ فيك مرّة أخْرَى ».
حدثنا الحسن بن يحيى العبدي، قال : حدثنا وهب بن جرير، قال : حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال : سألنا عبد الله، عن هذه الاَية، ثم ذكر نحوه، وزاد فيه :«أنّي قَدْ قَضَيْتُ أنْ لا تُرْجَعُوا ».
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن سليمان، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، قال : سألنا عبد الله عن أرواح الشهداء ولولا عبد الله ما أخبرنا به أحد قال : أرواح الشهداء عند الله في أجواف طير خضر، في قناديل تحت العرش، تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم ترجع إلى قناديلها، فيطلع إليها ربها، فيقول : ماذا تريدون ؟ فيقولون : نريد أن نرجع إلى الدنيا فنقتل مرة أخرى.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، وعبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن الحرث بن فضيل، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس، قال : قال رسول الله ﷺ :«الشّهَداءُ على باِرقٍ : نَهْرٍ بِبابِ الجَنّةِ في قُبّةٍ خَضْرَاءَ » وقال عبدة :«فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، يخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقَهُمْ مِنَ الجَنّةِ بُكْرَةً وَعَشِيّا ».
حدثنا أبو كريب، وأنبأنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال : ثني الحرث بن فضيل، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ بمثله، إلا أنه قال :«في قُبّةٍ خَضْرَاء » وقال :«يَخْرُجُ عَلَيهِم فِيها ».
حدثنا ابن وكيع، وأنبأنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، قال : ثني الحرث بن فضيل، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ، مثله.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : قال محمد بن إسحاق : حدثني الحرث بن الفضيل الأنصاريّ عن محمود بن لبيد الأنصاريّ، عن ابن عباس، قال : قال رسول الله ﷺ :«الشّهَداءُ على بارِقٍ نَهْرٍ بِبابِ الجَنّةِ في قُبّةٍ خَضْرَاءَ يَخْرُج عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنَ الجَنّةِ بُكْرَةً وَعشِيّا ».
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : ثني أيضا، يعني : إسماعيل بن عياش، عن ابن إسحاق، عن الحرث بن الفضيل، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ بنحوه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : قال محمد بن إسحاق : وحدثني بعض أصحابي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول : قال لي رسول الله ﷺ :«ألا أُبَشّرُكَ يا جابِرُ ؟ » قال : قلت : بلى يا رسول الله ! قال :«إنّ أباكَ حَيْثُ أُصيب بأُحُدٍ أحيْاهُ اللّهُ، ثُمّ قالَ لَهُ : ما تُحِبّ يا عَبْدَ اللّهِ بْنَ عَمْرٍو أنْ أفْعَلَ بِكَ ؟ قالَ : يا رَبّ أُحِبّ أنْ تَرُدّني إلى الدّنْيا فَأُقاتِلَ فِيكَ فأُقْتَلُ مَرّةً أُخْرَى ».
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : ذكر لنا أن رجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ، قالوا : يا ليتنا نعلم ما فعل إخواننا الذين قُتِلوا يوم أُحد ! فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك القرآن :﴿وَلا تَحْسَبنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أمْوَاتا بَلْ أحيْاءٌ عِنْدَ ربّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. كنا نحدّث أن أرواح الشهداء تعارف في طير بيض تأكل من ثمار الجنة، وأن مساكنهم السدرة.
حُدثت عن عمار، وأنبأنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بنحوه، إلا أنه قال : تعارف في طير خضر وبيض وزاد فيه أيضا : وذكر لنا عن بعضهم في قوله :﴿وَلا تَحْسَبنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أمْواتا بَلْ أحيْاءٌ﴾ قال : هم قتلى بدر وأُحد.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن محمد بن قيس بن مخرمة قال : قالوا : يا ربّ ! ألا رسول لنا يخبر النبيّ ﷺ عنا بما أعطيتنا ؟ فقال الله تبارك وتعالى : أنا رسولكم، فأمر جبريل عليه السلام أن يأتي بهذه الاَية :﴿وَلا تَحْسَبنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾. . . الآيتين.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، قال : سألنا عبد الله عن هذه الاَيات :﴿وَلا تَحْسَبنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أمْواتا بَلْ أحيْاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُون﴾ قال : أرواح الشهداء عند الله كطير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح في الجنة حيث شاءت، قال : فاطّلع إليهم ربك أطلاعة فقال : هل تشتهون من شيء فأزيدكموه ؟ قالوا : ربنا ألسنا نسرح في الجنة في أيها شئنا ثم اطّلع عليهم الثالثة، فقال : هل تستهون من شيء فأزيدكموه ؟ قالوا : تعيد أرواحنا في أجسادنا، فنقاتل في سبيلك مرّة أخرى ! فسكت عنهم.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبيدة، عن عبد الله : أنهم قالوا في الثالثة حين قال لهم : هل تشتهون من شيء فأزيدكموه ؟ قالوا : تقرىء نبينا عنا السلام، وتخبره أن قد رضينا ورُضيَ عنا !
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : قال الله تبارك وتعالى لنبيه محمد ﷺ يرغّب المؤمنين في ثواب الجنة ويهوّن عليهم القتل :﴿وَلا تَحْسَبنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أمْواتا بَلْ أحيْاءٌ عِنْدَ ربّهِمْ يُرْزَقُون﴾ : أي قد أحييتهم، فهم عندي يرزقون في روح الجنة وفضلها، مسرورين بما آتاهم الله من ثوابه على جهادهم عنه.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ، قال : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك، قال : كان المسلمون يسألون ربهم أن يريهم يوما كيوم بدر، يبلون فيه خيرا، ويرزقون فيه الشهادة، ويرزقون فيه الجنة، والحياة في الرزق. فلقوا المشركين يوم أُحد، فاتخذ الله منهم شهداء، وهم الذين ذكرهم الله فقال :﴿وَلا تَحْسَبنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أمْواتا﴾. . . الاَية.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : ذكر الشهداء، فقال :﴿وَلا تَحْسَبنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أمْواتا بَلْ أحيْاءٌ عِنْدَ ربّهِمْ﴾ إلى قوله :﴿ولا هُمْ يْحزنُون﴾. زعم أن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر في قناديل من ذهب معلقة بالعرش، فهي ترعى بكرة وعشية في الجنة، تبيت في القناديل، فإذا سرحن نادى مناد : ماذا تريدون ؟ ماذا تشتهون ؟ فيقولون : ربنا نحن فيما اشتهت أنفسنا ! فيسألهم ربهم أيضا : ماذا تشتهون ؟ وماذا تريدون ؟ فيقولون : نحن فيما اشتهت أنفسنا ! فيسألون الثالثة فيقولون ما قالوا : ولكنا نحبّ أن تردّ أرواحنا في أجسادنا ! لما يرون من فضل الثواب.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا عباد، قال : حدثنا إبراهيم بن معمر، عن الحسن، قال : ما زال ابن آدم يتحمّد حتى صار حيّا ما يموت ثم تلا هذه الاَية :﴿وَلا تَحْسَبنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أمْواتا بَلْ أحيْاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُون﴾.
حدثنا محمد بن مرزوق، قال : حدثنا عمر بن يونس، قال : حدثنا إسحاق بن أبي طلحة، قال : ثني أنس بن مالك في أصحاب النبيّ ﷺ الذين أرسلهم نبيّ الله ﷺ إلى أهل بئر معونة، قال : لا أدري أربعين، أو سبعين، قال : وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري، فخرج أولئك النفر من أصحاب النبيّ ﷺ حتى أتوا غارا مشرفا على الماء قعدوا فيه، ثم قال بعضهم لبعض : أيكم يبلغ رسالة رسول الله ﷺ أهل هذا الماء ؟ فقال أراه أبو ملحان الأنصاري : أنا أبلغ رسالة رسول الله ﷺ ! فخرج حتى أتى حيا منهم، فاحتبى أمام البيوت، ثم قال : يا أهل بئر معونة، إني رسول رسول الله صلى

تفسير هذه الآية من كتب أخرى