الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فَرِحِينَ﴾ : فيه خمسةُ أوجه، أحدها : أن يكونَ حالاً من الضمير في " أحياءٌ ". الثاني : من الضمير في الظرف. الثالث : من الضمير في " يُرْزَقون " : الرابع أنه منصوب على المدح. الخامس أنه صفةٌ ل " أحياء "، وهذا يختصُّ بقراءة ابن أبي عبلة. و " بما " يتعلَّقُ ب " فرحين ".
قوله :﴿مِن فَضْلِهِ﴾ في " مِنْ " وجهان، أحدُهما : أنَّ معناها السببيّة أي : بسبب فضله أي : الذي آتاهم الله متسبِّبٌ عن فضله. الثاني : أنها لابتداءِ الغاية، وعلى هذين الوجهين تتعلق بآتاهم. الثالث : أنها للتبعيضِ أي : بعضَ فضله، وعلى هذا فتتعلق بمحذوف على أنها حال من الضمير العائد على الموصول، ولكنه حُذِف والتقدير : بما آتاهموه كائناً من فضله.
قوله :﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ فيه أربعةُ أوجه، أحدها : أن يكونَ من باب عطفِ الفعلِ على الاسم لكونِ الفعلِ في تأويلهِ، فيكونُ عطفاً على " فرحين " كأنه قيل : فَرِحين ومستبشرين، ونَظَّروه بقوله تعالى :﴿فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩]. والثاني : أنه أيضاً/ يكونُ من باب عطف الفعل على الاسم، لكنْ لأنَّ الاسم في تأويل الفعل. قال أبو البقاء :" هو معطوفٌ على " فرحين " ؛ لأنَّ اسم الفاعل هنا يُشْبه الفعل المضارع " يعني أنَّ " فرحين " بمنزلة " يفرحون "، وكأنه جعله من باب قوله :﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُواْ﴾ [الحديد: ١٨]، والتقديرُ الأولُ أَوْلى، لأنَّ الاسمَ وهو " فرحين " لا ضرورةَ بنا إلى أَنْ نجعلَه في مَحلِّ فعلٍ مضارعٍ حتى نتأَوَّل الاسمَ به، والفعلُ فرعٌ عليه، فينبغي أن يُرَدَّ إليه، وإنما فعلنا ذلك في الآيةِ لأنَّ أل الموصولةَ بمعنى الذي، و " الذي " لا تُوصَلُ إلا بجملة أو شبههِا، وذلك الشَّبَهُ في الحقيقةِ يِتأوَّل بجملة.
الثالث : أَنْ يكونَ مستأنفاً، الواو للعطف عَطَفْت فعليةً على اسمية.
الرابع : أن يكونَ خبراً لمبتدأ محذوف أي : وهم يستبشرون، وحينئذ يجوز وجهان، أحدُهما : أن تكونَ الجملةُ حاليةً من الضمير المستكِنِّ في " فرحين " أو من العائد المحذوف من " آتاهم "، وإنما احتجنا إلى تقدير مبتدأ عند جَعْلِنا إياها حالاً لأنَّ المضارع المثبت لا يجوز اقترانُه بواو الحال لِما تقدَّم غيرَ مرة. والثاني من هذين الوجهين : أن تكونَ استئنافية عَطَفَتْ جملةً اسميةً على مثلها.
واستفعل هنا ليست للطلب، بل تكون بمعنى المجردِ نحو :" استغنى الله، واستمجد المَرْخ والعَفار " بمعنى غَنِي ومَجُد. وقد سمع " بَشِر الرجل " بكسر العين فيكون استبشر بمعناه، قاله ابن عطية. ويجوز أن يكونَ مطاوعَ أبشر نحو :" أكأنه فاستكان، وأراحه فاستراح، وأشلاه فاستشلى، وأَحْكمه فاستحكم " وهو كثير.
وجَعَله الشيخ أظهرَ مِنْ حيث إنَّ المطاوعة تدلُّ على الانفعال عن الغير، فحصلت لهم البشرى بإبشار الله تعالى، وهذا لا يلزمُ إذا كان بمعنى المجرد.
قوله :﴿مِّنْ خَلْفِهِمْ﴾ في هذا الجارِّ وجهان، أحدهما : أنه متعلق ب " يَلْحقوا " على معنى أنهم قد بَقُوا بعدهم، وهم قد تقدَّموهم. والثاني : أن يكونَ متعلقاً بمحذوف على أنه حال من فاعل " يلحقوا " أي : لم يلحقوا بهم حالَ كونِهم مُتَخَلِّفين عنهم أي : في الحياة.
قوله :﴿أَلاَّ خَوْفٌ﴾ فيه وجهان أحدُهما : أنَّ " أَنْ " وما في حَيِّزها في محل جر بدلاً من " بالذين " بدلَ اشتمال أي : يستبشرون بعدم خوفهم وحزنهم فهم المُسْتَبْشَرُ به في الحقيقة لأنَّ الذواتِ لا يُسْتَبْشَر بها. والثاني : أنها في محل نصب على أنها مفعولٌ من أجله أي : لأنهم لا خوف. و " أَنْ " هذه هي المخففةُ، واسمها ضمير الشأن، وجملةُ النفي بعدها في محلِّ الخبر، والذواتُ لا يُسْتبشر بها كما تقدَّم فلا بد من حذف مضاف مناسبٍ، والتقدير : ويستبشرون بسلامةِ الذين، أو لُحوقهم بهم في الدرجة.
وقال مكيّ بعد أَنْ حَكَى أنها بدلُ اشتمال :" ويجوز أن تكون " أَنْ " في موضع نصب على معنى " بأن لا ". وهذا هو بعينِه هو وجه البدلِ المتقدم، غايةُ ما في الباب أنه أعاد مع البدلِ العاملَ في تقديره، اللهم أَنْ يعني أنها وإنْ كانت بدلاً من " الذين " فليست في محلِّ جر بل في محلِّ نصب، لأنها سقطت منها الباءُ فإنَّ الأصل " بأَنْ لا " و " أَنْ " إذا حُذِف منها حرفُ الجر كانت في محلِّ نصب على رأي سيبويه والفراء. وهو بعيد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى