تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني

عن الكتاب
أن رضي الله عنهم، وأن يكون على أن رضوا عن الله، فإن من رضي
عن الله فقد رضي الله عنه، ولهذا قال تعالى: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) وذكر تعالى في الآيات الثلاث ثلاث فرق، بعضهم أخصُّ من
بعض، وذاك أن المؤمنين المستجيبين لله عام، والذين أحسنوا واتقوا
أخصّ، ، فجعل تعالى للمستجيب لله أجرا غير مُعين، وللمحسن
المتقي في ذلك أجراً عظيماً، وهذا شبيه بما تقدم في قوله (وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) (وَاللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
قوله تعالى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)
إن قيل: إلى ماذا أشار بقوله: (ذَلِكُمُ)؟
قيل: فيه أقوال:
الأول: أنه إشارة إلى من قال: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ)
فسمّاه شيطاناً لمشابهته في فعله، والثاني: أنه إشارة إلى الشيطان
المتعارف بين الناس، أي الشيطان الذي عرفتموه هو الذي يُخوّف.
والثالث: إشارة إلى ما دل عليه قوله: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا).
أي ذلك العارض الذي هو الوهن والحزن شيطان: كقول الشاعر:
ما ليلة الفقير إلا شيطان...
وأمّا (أَوْلِيَاءَهُ) فقد قال ابن عباس: معناه: يخوفكم
أولياءه، فعلى هذا حذف المفعول الأول، كقوله: (لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا) ووقولهم: فلان يعطي الدراهم، فالأولياء على هذا هم المخوف بهم،
وقيل: بل أولياؤه هم المخوَّفون، وذاك أن الناس ضربان:
ضرب لا سبيل للشيطان عليه، وهم المعنيون بقوله: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)، وضرب بخلافهم، وهم الذين قال فيهم: (أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ)، وقد صرّح تعالى بذلك في قوله: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ
إلى قوله: (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ).
وحقيقة خوف الله أمتثال أمره، وعلى هذا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى