الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي﴾ ؛ قرأ الجمهور " يَحْسَبَنَّ " بالغيبة، وحمزة بالخطاب، وحكى الزجاج عن خلقٍ كثير كقراءةِ حمزة إلا أنَّهم كسروا " إنما " ونصبوا " خيراً " وأنكرها ابن مجاهد، وسيأتي إيضاح ذلك، ويحيى بن وثاب بالغيبة وكسر " إنما "، وحكى عنه الزمخشري أيضاً أنه قرأ بكسر " إنما " الأولى وفتح الثانية مع الغَيْبة. فهذه خمسُ قراءات.
فأمَّا قراءةُ الجمهور فتخريجُها واضحٌ، وهو أنه يجوز أَنْ يكونَ الفعلُ مسنداً إلى " الذين "، و " أنَّ " وما اتصل بها سادٌّ مسدَّ المفعولين عند سيبويه ومَسَدَّ أحدِهما والآخرُ محذوفٌ عند الأخفش حَسْبما تقدم غير مرة. ويجوز أن يكون مسنداً إلى ضمير غائب يُراد به النبيُّ ﷺ أي : ولا يحسبن النبيُّ عليه السلام، فعلى هذا يكون " الذين كفروا " مفعولاً أول، وأما الثاني فسيأتي الكلام عليه في قراءة حمزة، فتتَّحِدُ هذه القراءةُ على هذا الوجه مع قراءة حمزة رحمه الله، وسيأتي تخريجها. و " ما " يجوز أَنْ تكونَ موصولة اسمية، فيكونُ العائد محذوفاً لاستكمال الشروط، أي : أنَّ الذي نُمْليه، وأن تكونَ مصدرية أي : إملاءنَا، وهي اسم " أنَّ " و " خير " خبرُها. قال أبو البقاء :" ولا يجوزُ أَنْ تكونَ كافةً ولا زائدةً، إذ لو كانت كذلك لانتصَبَ " خيرٌ " ب " نُمْلي "، واحتاجت " أنَّ " إلى خبرٍ إذا كانت " ما " زائدةً، أو قُدِّر الفعلُ يليها، وكلاهما ممتنعٌ ". انتهى. وهو من الواضحات، وكتبوا " أنما " في الموضعين متصلةً، وكان من حقِّ الأولى الفصلُ لأنها موصولة.
وأمَّا قراءة حمزة فاضطربت فيها أقوالُ الناس وتخاريجُهم حتى إنه نُقِل عن أبي حاتم أنها لحن. قال النحاس :" وتابعه على ذلك خلقٌ كثير " وهذا لا يُلْتفت إليه لتواتُرها. وفي تخريجها ستةٌ أوجهٍ، أحدها : أن يكون فاعلُ " تحسَبَنَّ " ضميرَ النبي ﷺ، و ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ مفعولٌ أولُ، و ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ﴾ مفعولٌ ثانٍ. ولا بد على هذا التخريجِ مِنْ حَذْفِ مضافٍ : أمَّا من الأولِ تقديرُه :" ولا تَحْسَبَنَّ شأنَ الذين كفروا "، وإمَّا من الثاني تقديرُه :" أصحابَ أنَّ إملاءنا خيرٌ لهم "، وإنما احتجنا إلى هذا التأويل ؛ لأنَّ " أنما نُمْلي " بتأويلِ مصدرٍ، والمصدرُ معنىً من المعاني لا يَصْدُق على الذين كفروا، والمفعولُ الثاني في هذا البابِ هو الأولُ في المعنى.
الثاني : أن يكونُ ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ بدلٌ من ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وإلى هذا ذهب الكسائي والفراء وتَبِعهما جماعةٌ منهم الزمخشري والزجاج وابن الباذش.
قال الكسائي والفراء :" وجهُ هذه القراءةِ التكريرُ والتأكيدُ، والتقدير : ولا تَحْسَبَنَّ الذين كفروا ولا تحْسَبَنَّ أنما نُمْلي ". قال الفراء :" ومثلُه :﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ﴾ [الزخرف: ٦٦] أي : ما ينظرون إلاَّ أَنْ تأتِيَهم " انتهى. وقد رَدَّ بعضُهُم قول الكسائي والفراء بأَنْ حَذْفَ المفعولِ الثاني في هذه الأفعالِ لا يجوزُ عند أحدٍ، وهذا الردُّ ليس بشيءٍ، لأنَّ الممنوعَ إنما هو حَذْفُ الاقتصارِ، وقد تقدَّم تحقيق ذلك. وقال ابن الباذش :" ويكونُ المفعولُ الثاني حُذِفَ لدلالةِ الكلام عليه، ويكونُ التقديرُ :" ولا تحسبنُ الذين كفروا خيريةَ إملائنا لهم ثابتةً أو واقعةً ".
وقال الزمخشري :" فإنْ قلت : كيف صَحَّ مجيءُ البدلِ ولم يُذْكَرْ إلا أحدُ المفعولين، ولا يجوزُ الاقتصارُ مِنْ فعلِ الحُسْبان على مفعولٍ واحدٍ ؟ قلت : صَحَّ ذلك من حيث إنَّ التعويلَ على البدلِ، والمبدلُ منه في حُكمِ المُنَحَّى، ألا تراك تقول :" جعلت متاعك بعضه فوق بعضٍ " مع امتناعِ سكوتِك على " متاع ".
وهل البدلُ بدلُ اشتمالٍ وهو الظاهرُ أو بدلُ كلٍ من كل فيكونُ على حذفٍ مضافٍ تقديرُه :" ولا تَحْسَبَنَّ إملاء الذين " فَحَذَف " إملاء " وأبدلَ منه " أنما نملي " ؟ قولان مشهوران.
الثالث : وهو أغربُها أن يكونَ " الذين " فاعلاً ب " تَحْسَبَنَّ " على تأويلِ أَنْ تكونَ التاءُ في الفعلِ للتأنيثِ كقولِه :﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء: ١٠٥] أي :" ولا تَحْسَبَنَّ القومَ الذين كفروا " و " الذين " وصفُ " القوم " كقوله :﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ﴾ [الأعراف: ١٣٧] فعلى هذا تَتَّحد هذه القراءةُ مع قراءة الغَيْبة، وتخريجُها كتخريجِها، ذكر ذلك أبو القاسم الكرماني في تفسيرِه المسمى : ب " اللباب ". وفيه نظرٌ من حيث إنَّ " الذين " جارٍ مَجْرى جمعِ المذكرِ السالمِ، والجمعُ المذكرُ السالمُ لا يجوز تأنيثُ فعلِه عند البصريين، لا يجوزُ : قامت الزيدون، ولا : تقوم الزيدون. وأمَّا اعتذارُه عن ذلك بأنَّ " الذين " صفةٌ للقوم الجائزِ تأنيثُ فعلِهم وإنما حُذِفَ فلا ينفعه، لأنَّ الاعتبارَ إنما هو بالملفوظ به لا بالمقدَّرِ، لا يُجيز أحدٌ من البصريين :" قامت المسلمون " على إرادة " القوم المسلمون " البتة. وقال أبو الحسن الحوفي :" أنَّ وما عَمِلَتْ فيه في موضعِ نصبٍ على البدلِ، و " الذين " المفعولُ الأولُ، والثاني محذوفٌ "، وهو معنى قول الزمخشري المتقدم.
الرابع : أن يكونَ ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ بدلاً من ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بدلَ الاشتمالِ أي : إملاءَنا، و " خيرٌ " بالرفعِ خبرُ مبتدأ محذوف أي : هو خيرٌ لأنفسهم، والجملةُ هي المفعولُ الثاني. نقل ذلك الشيخ شهاب الدين أبو شامة عن بعضهم، قال : قلت : ومثلُ هذه القراءة بيتُ الحماسة :
كذا جاءت الرواية بفتح " أنَّا " بعد ذِكْر المفعولِ الأول، فعلى هذا يجوز أن تقول :" حَسِبْتُ زيداً أنه قائمٌ " أي : حَسِبْتُه ذا قيامٍ، فوجهُ الفتحِ أنها وقعت مفعولةً، وهي وما عَمِلَتْ فيه في موضعِ مفردٍ وهو المفعولُ الثاني لحسبت " انتهى. وفيما قاله نظر ؛ لأن النحاة نصوا على وجوب كسر " إنَّ " إذا وقعت مفعولاً ثانياً والأولُ اسمُ عينٍ، وأنشدوا البيت المذكور على ذلك، وعللوا وجوبَ الكسر بأنَّا لو فَتَحْنا لكانت في محل مصدر فليزَمُ الإِخبارُ المعنى عن العين.
الخامس : أن يكون ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ مفعولاً أولَ، و ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً﴾ في موضع المفعول الثاني، و ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ﴾ مبتدأ وخبر، اعترض به بين مفعولي " وَتحْسَبَنَّ "، وفي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، نُقِل ذلك عن الأخفش. قال أبو حاتم :" سمعت الأخفش يذكر فتحَ " أَنَّ " يحتجُّ بها لأهل القَدَر لأنه كان منهم، ويجعله على التقديمِ والتأخير، كأنه قال :" ولا تَحْسَبَنَّ الذين [ كفروا ] إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً، أنما نملي لهم خيرٌ لأنفسِهم " انتهى. وإنما جاز أن تكون " أَنَّ " المفتوحة مبتدأً بها أولُ الكلامِ لأنَّ مذهب الأخفشِ ذلك، وغيرُه يمنع ذلك، فإنْ تَقَدَّم خبرُها عليها نحو :" في ظني أنك منطلقٌ " أو أمَّا التفصيلية نحو :" أما أنك منطلقٌ فعندي " جاز ذلك إجماعاً، وقولُ أبي حاتم :" يذكرُ فتحَ أنَّ " يعني بها التي في قولهِ :﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ﴾. ووجهُ تمسُّكِ القَدَريَّة به أنَّ الله تعالى لا يجوزُ أَنْ يُملي لهم إلا ماهو خيرٌ لأنفسِهم، لأنه يجبُ عندهم رعايةُ الأصلحِ.
[ السادس : قال المهدوي :" وقال قوم ] قدَّم ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ توكيداً، ثم حالَهم مِنْ قولِه :﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ ردَّاً عليهم، والتقدير : ولا تحسبنُ أنَّ إملاءَنا للذين كفروا خيرٌ لأنفسهم " انتهى.
وأمَّا قراءة يحيى بكسر " إنما " مع الغيبة فلا يخلو : إمَّا أَنْ يُجْعَلَ الفعلُ مسنداً إلى " الذين " أو إلى ضمير غائب، فإن كان الأولُ كانت " إنما " وما في حيزها معلِّقَةً ل " يحسبن " وإنْ لم تكن اللام في خبرها لفظاً فهي مقدرةٌ، فتكون " إنما " بالكسر في موضع نصب ؛ لأنها معلقةٌ لفعلِ الحسبان مع نية اللام، ونظيرُ ذلك تعليقُ أفعالِ القلوب عن المفعولين الصريحين لتقديرِ لامِ الابتداء في قولِه :
فلولا تقديرُ اللامِ لوجَبَ نصبُ " مِلاك " و " الأدب "، وكذلك في الآية، لولا تقديرُ اللامِ لوجَبَ فتحُ " إنما "، ويجوزُ أَنْ يكون المفعولُ الأولُ قد حُذِف وهو ضميرُ الأمرِ والشأنِ، وقد قيل بذلك في البيت وهو الأحسن فيه، والأصلُ : ولا يحسَبَنَّه أي : الأمرَ، و " إنما نُمْلِي " في موضع المفعول الثاني وفي المفسِّرة للضمير.
وإن كان الثاني كان " الذين " مفعولاً أول، و " إنما نملي " في موضع الثاني.
وأما قراءته التي حكاها عنه الزمخشري فقد خَرَّجها هو فقال :" على معنى : ولا يَحْسَبَنَّ الذين كفروا أنَّ إملاءَنا لازدياد الإِثم كما يفعلون، وإنما هو ليتوبوا ويَدْخلوا في الإِيمان، وقوله ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ﴾ اعتراضٌ بين الفعلِ ومعمولِه، معناه : أنَّ إملاءَنا خيرٌ لأنفسِهم إنْ عَمِلوا فيه وَعَرَفوا إنعام الله عليهم بتفسيح المُدَّة وتَرْكِ المعاجَلَة بالعقوبة " انتهى. فعلى هذا يكون " الذين " فاعلاً، و " أنما " المفتوحة سادةٌ مَسَدَّ المفعولين أو أحدِهما على الخلاف، واعتُرِض بهذه الجملة بين الفعل ومعموله. قال النحاس :" وقراءةُ يحيى بن وثاب بكسر إنَّ " حسنةٌ، كما تقول :" حسبت عمراً أبو ه خارجٌ ".
وأمَّا ما حكاه الزجاج قراءةً عن خلق كثير وهو نَصْبُ " خيراً " على الظاهر من كلامه فقد ذكر هو تخريجَها على أنَّ ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْراً لأَنْفُسِهِمْ﴾ بدلٌ من " الذين " و " خيراً " مفعولٌ ثانٍ. ولا بُدَّ من إيرادِ نَصِّه ليظهرَ لك، قال رحمه الله :" مَنْ قَرَأَ " ولا تَحْسَبَنَّ " بالتاء لم يجز عن البصريين إلا كسرُ " إنَّ " والمعنى : لا تَحْسَبَنَّ الذين كفروا إملاؤنا خيرٌ لهم، ودخلت " إنَّ " مؤكدةً، فإذا فَتَحْتَ صار المعنى : ولا تَحْسَبَنَّ الذين كفروا إملاءنا خيراً لهم قال :" وهو عندي يجوزُ في هذا الموضعِ على البدلِ من " الذين " المعنى : ولا تَحْسَبَنَّ إملاءَنا للذين كفروا خيراً لهم، وقد قرأَ بها خَلْقٌ كثير، ومثلُ هذه القراءةِ من الشعر :
جَعَل " هُلْكُه " بدلاً من " قيس " المعنى : فما كان هُلْكُ قيسٍ هُلْكَ واحد يعني :" فهُلْك " الأول بدلٌ من المرفوع، فبقي " هُلْكَ واحدٍ " منصوباً خبراً ل " كان "، كذلك ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ :" أن " واسمُها وهو " ما " الموصولةُ وصلتُها والخبرُ وهو " لهم " في محل نصبٍ بدلاً من الذين كفروا، فبقي " خيراً " منصوباً على أنه مفعولٌ ثانٍ ل " تحسبن "
فأمَّا قراءةُ الجمهور فتخريجُها واضحٌ، وهو أنه يجوز أَنْ يكونَ الفعلُ مسنداً إلى " الذين "، و " أنَّ " وما اتصل بها سادٌّ مسدَّ المفعولين عند سيبويه ومَسَدَّ أحدِهما والآخرُ محذوفٌ عند الأخفش حَسْبما تقدم غير مرة. ويجوز أن يكون مسنداً إلى ضمير غائب يُراد به النبيُّ ﷺ أي : ولا يحسبن النبيُّ عليه السلام، فعلى هذا يكون " الذين كفروا " مفعولاً أول، وأما الثاني فسيأتي الكلام عليه في قراءة حمزة، فتتَّحِدُ هذه القراءةُ على هذا الوجه مع قراءة حمزة رحمه الله، وسيأتي تخريجها. و " ما " يجوز أَنْ تكونَ موصولة اسمية، فيكونُ العائد محذوفاً لاستكمال الشروط، أي : أنَّ الذي نُمْليه، وأن تكونَ مصدرية أي : إملاءنَا، وهي اسم " أنَّ " و " خير " خبرُها. قال أبو البقاء :" ولا يجوزُ أَنْ تكونَ كافةً ولا زائدةً، إذ لو كانت كذلك لانتصَبَ " خيرٌ " ب " نُمْلي "، واحتاجت " أنَّ " إلى خبرٍ إذا كانت " ما " زائدةً، أو قُدِّر الفعلُ يليها، وكلاهما ممتنعٌ ". انتهى. وهو من الواضحات، وكتبوا " أنما " في الموضعين متصلةً، وكان من حقِّ الأولى الفصلُ لأنها موصولة.
وأمَّا قراءة حمزة فاضطربت فيها أقوالُ الناس وتخاريجُهم حتى إنه نُقِل عن أبي حاتم أنها لحن. قال النحاس :" وتابعه على ذلك خلقٌ كثير " وهذا لا يُلْتفت إليه لتواتُرها. وفي تخريجها ستةٌ أوجهٍ، أحدها : أن يكون فاعلُ " تحسَبَنَّ " ضميرَ النبي ﷺ، و ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ مفعولٌ أولُ، و ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ﴾ مفعولٌ ثانٍ. ولا بد على هذا التخريجِ مِنْ حَذْفِ مضافٍ : أمَّا من الأولِ تقديرُه :" ولا تَحْسَبَنَّ شأنَ الذين كفروا "، وإمَّا من الثاني تقديرُه :" أصحابَ أنَّ إملاءنا خيرٌ لهم "، وإنما احتجنا إلى هذا التأويل ؛ لأنَّ " أنما نُمْلي " بتأويلِ مصدرٍ، والمصدرُ معنىً من المعاني لا يَصْدُق على الذين كفروا، والمفعولُ الثاني في هذا البابِ هو الأولُ في المعنى.
الثاني : أن يكونُ ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ بدلٌ من ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وإلى هذا ذهب الكسائي والفراء وتَبِعهما جماعةٌ منهم الزمخشري والزجاج وابن الباذش.
قال الكسائي والفراء :" وجهُ هذه القراءةِ التكريرُ والتأكيدُ، والتقدير : ولا تَحْسَبَنَّ الذين كفروا ولا تحْسَبَنَّ أنما نُمْلي ". قال الفراء :" ومثلُه :﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ﴾ [الزخرف: ٦٦] أي : ما ينظرون إلاَّ أَنْ تأتِيَهم " انتهى. وقد رَدَّ بعضُهُم قول الكسائي والفراء بأَنْ حَذْفَ المفعولِ الثاني في هذه الأفعالِ لا يجوزُ عند أحدٍ، وهذا الردُّ ليس بشيءٍ، لأنَّ الممنوعَ إنما هو حَذْفُ الاقتصارِ، وقد تقدَّم تحقيق ذلك. وقال ابن الباذش :" ويكونُ المفعولُ الثاني حُذِفَ لدلالةِ الكلام عليه، ويكونُ التقديرُ :" ولا تحسبنُ الذين كفروا خيريةَ إملائنا لهم ثابتةً أو واقعةً ".
وقال الزمخشري :" فإنْ قلت : كيف صَحَّ مجيءُ البدلِ ولم يُذْكَرْ إلا أحدُ المفعولين، ولا يجوزُ الاقتصارُ مِنْ فعلِ الحُسْبان على مفعولٍ واحدٍ ؟ قلت : صَحَّ ذلك من حيث إنَّ التعويلَ على البدلِ، والمبدلُ منه في حُكمِ المُنَحَّى، ألا تراك تقول :" جعلت متاعك بعضه فوق بعضٍ " مع امتناعِ سكوتِك على " متاع ".
وهل البدلُ بدلُ اشتمالٍ وهو الظاهرُ أو بدلُ كلٍ من كل فيكونُ على حذفٍ مضافٍ تقديرُه :" ولا تَحْسَبَنَّ إملاء الذين " فَحَذَف " إملاء " وأبدلَ منه " أنما نملي " ؟ قولان مشهوران.
الثالث : وهو أغربُها أن يكونَ " الذين " فاعلاً ب " تَحْسَبَنَّ " على تأويلِ أَنْ تكونَ التاءُ في الفعلِ للتأنيثِ كقولِه :﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء: ١٠٥] أي :" ولا تَحْسَبَنَّ القومَ الذين كفروا " و " الذين " وصفُ " القوم " كقوله :﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ﴾ [الأعراف: ١٣٧] فعلى هذا تَتَّحد هذه القراءةُ مع قراءة الغَيْبة، وتخريجُها كتخريجِها، ذكر ذلك أبو القاسم الكرماني في تفسيرِه المسمى : ب " اللباب ". وفيه نظرٌ من حيث إنَّ " الذين " جارٍ مَجْرى جمعِ المذكرِ السالمِ، والجمعُ المذكرُ السالمُ لا يجوز تأنيثُ فعلِه عند البصريين، لا يجوزُ : قامت الزيدون، ولا : تقوم الزيدون. وأمَّا اعتذارُه عن ذلك بأنَّ " الذين " صفةٌ للقوم الجائزِ تأنيثُ فعلِهم وإنما حُذِفَ فلا ينفعه، لأنَّ الاعتبارَ إنما هو بالملفوظ به لا بالمقدَّرِ، لا يُجيز أحدٌ من البصريين :" قامت المسلمون " على إرادة " القوم المسلمون " البتة. وقال أبو الحسن الحوفي :" أنَّ وما عَمِلَتْ فيه في موضعِ نصبٍ على البدلِ، و " الذين " المفعولُ الأولُ، والثاني محذوفٌ "، وهو معنى قول الزمخشري المتقدم.
الرابع : أن يكونَ ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ بدلاً من ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بدلَ الاشتمالِ أي : إملاءَنا، و " خيرٌ " بالرفعِ خبرُ مبتدأ محذوف أي : هو خيرٌ لأنفسهم، والجملةُ هي المفعولُ الثاني. نقل ذلك الشيخ شهاب الدين أبو شامة عن بعضهم، قال : قلت : ومثلُ هذه القراءة بيتُ الحماسة :
| مِنَّا الأَناةُ وبعضُ القوم يَحْسَبُنا | أنَّا بِطاءٌ وفي إبطائنا سَرَعُ |
الخامس : أن يكون ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ مفعولاً أولَ، و ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً﴾ في موضع المفعول الثاني، و ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ﴾ مبتدأ وخبر، اعترض به بين مفعولي " وَتحْسَبَنَّ "، وفي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، نُقِل ذلك عن الأخفش. قال أبو حاتم :" سمعت الأخفش يذكر فتحَ " أَنَّ " يحتجُّ بها لأهل القَدَر لأنه كان منهم، ويجعله على التقديمِ والتأخير، كأنه قال :" ولا تَحْسَبَنَّ الذين [ كفروا ] إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً، أنما نملي لهم خيرٌ لأنفسِهم " انتهى. وإنما جاز أن تكون " أَنَّ " المفتوحة مبتدأً بها أولُ الكلامِ لأنَّ مذهب الأخفشِ ذلك، وغيرُه يمنع ذلك، فإنْ تَقَدَّم خبرُها عليها نحو :" في ظني أنك منطلقٌ " أو أمَّا التفصيلية نحو :" أما أنك منطلقٌ فعندي " جاز ذلك إجماعاً، وقولُ أبي حاتم :" يذكرُ فتحَ أنَّ " يعني بها التي في قولهِ :﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ﴾. ووجهُ تمسُّكِ القَدَريَّة به أنَّ الله تعالى لا يجوزُ أَنْ يُملي لهم إلا ماهو خيرٌ لأنفسِهم، لأنه يجبُ عندهم رعايةُ الأصلحِ.
[ السادس : قال المهدوي :" وقال قوم ] قدَّم ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ توكيداً، ثم حالَهم مِنْ قولِه :﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ ردَّاً عليهم، والتقدير : ولا تحسبنُ أنَّ إملاءَنا للذين كفروا خيرٌ لأنفسهم " انتهى.
وأمَّا قراءة يحيى بكسر " إنما " مع الغيبة فلا يخلو : إمَّا أَنْ يُجْعَلَ الفعلُ مسنداً إلى " الذين " أو إلى ضمير غائب، فإن كان الأولُ كانت " إنما " وما في حيزها معلِّقَةً ل " يحسبن " وإنْ لم تكن اللام في خبرها لفظاً فهي مقدرةٌ، فتكون " إنما " بالكسر في موضع نصب ؛ لأنها معلقةٌ لفعلِ الحسبان مع نية اللام، ونظيرُ ذلك تعليقُ أفعالِ القلوب عن المفعولين الصريحين لتقديرِ لامِ الابتداء في قولِه :
| كذاك أُدِّبْتُ حتى صار مِنْ خُلُقي | إني رأيتُ مِلاكُ الشيمةِ الأَدَبُ |
وإن كان الثاني كان " الذين " مفعولاً أول، و " إنما نملي " في موضع الثاني.
وأما قراءته التي حكاها عنه الزمخشري فقد خَرَّجها هو فقال :" على معنى : ولا يَحْسَبَنَّ الذين كفروا أنَّ إملاءَنا لازدياد الإِثم كما يفعلون، وإنما هو ليتوبوا ويَدْخلوا في الإِيمان، وقوله ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ﴾ اعتراضٌ بين الفعلِ ومعمولِه، معناه : أنَّ إملاءَنا خيرٌ لأنفسِهم إنْ عَمِلوا فيه وَعَرَفوا إنعام الله عليهم بتفسيح المُدَّة وتَرْكِ المعاجَلَة بالعقوبة " انتهى. فعلى هذا يكون " الذين " فاعلاً، و " أنما " المفتوحة سادةٌ مَسَدَّ المفعولين أو أحدِهما على الخلاف، واعتُرِض بهذه الجملة بين الفعل ومعموله. قال النحاس :" وقراءةُ يحيى بن وثاب بكسر إنَّ " حسنةٌ، كما تقول :" حسبت عمراً أبو ه خارجٌ ".
وأمَّا ما حكاه الزجاج قراءةً عن خلق كثير وهو نَصْبُ " خيراً " على الظاهر من كلامه فقد ذكر هو تخريجَها على أنَّ ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْراً لأَنْفُسِهِمْ﴾ بدلٌ من " الذين " و " خيراً " مفعولٌ ثانٍ. ولا بُدَّ من إيرادِ نَصِّه ليظهرَ لك، قال رحمه الله :" مَنْ قَرَأَ " ولا تَحْسَبَنَّ " بالتاء لم يجز عن البصريين إلا كسرُ " إنَّ " والمعنى : لا تَحْسَبَنَّ الذين كفروا إملاؤنا خيرٌ لهم، ودخلت " إنَّ " مؤكدةً، فإذا فَتَحْتَ صار المعنى : ولا تَحْسَبَنَّ الذين كفروا إملاءنا خيراً لهم قال :" وهو عندي يجوزُ في هذا الموضعِ على البدلِ من " الذين " المعنى : ولا تَحْسَبَنَّ إملاءَنا للذين كفروا خيراً لهم، وقد قرأَ بها خَلْقٌ كثير، ومثلُ هذه القراءةِ من الشعر :
| فما كانَ قَيْسٌ هُلْكُه هلكَ واحدٍ | ولكنه بنيانُ قومٍ تَهَدَّما |