جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَلاَ يَحْسَبَنّ الّذِينَ كَفَرُواْ أَنّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوَاْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مّهِينٌ﴾
يعني بذلك تعالى ذكره : ولا يظنن الذين كفروا بالله ورسوله، وما جاء به من عند الله، أن إملاءنا لهم خير لأنفسهم. ويعني بالإملاء : الإطالة في العمر والإنساء في الأجل¹ ومنه قوله جل ثناؤه :﴿وَاهجُرْنِي مَلِيّا﴾ : أي حينا طويلاً¹ ومنه قيل : عشت طويلاً وتمليت حينا والملأ نفسه : الدهر، والملوان : الليل والنهار، ومنه قول تميم بن مقبل :
| ألا يا دِيارَ الحَيّ بالسّبُعانِ | أمَلّ عَلَيها بالبلي المَلَوَانِ |
وقد اختلفت القراء في قراءة قوله :«وَلا تَحسَبنّ الّذِينَ كَفَرُوا أنّمَا نُملِيَ لهُمْ خَيرٌ لأَنفُسِهِمْ » فقرأ ذلك جماعة منهم :﴿وَلا يَحسَبنّ﴾ بالياء وفتح الألف من قوله ﴿أنّمَا﴾ على المعنى الذي وصفت من تأويله. وقرأه آخرون :«وَلا تَحسَبنّ » بالتاء و﴿أنّمَا﴾ أيضا بفتح الألف من «أنما »، بمعنى : ولا تحسبن يا محمد الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم.
فإن قال قائل : فما الذي من أجله فتحت الألف من قوله :﴿أنّمَا﴾ في قراءة من قرأ بالتاء، وقد علمت أن ذلك إذا قرىء بالتاء فقد أعلمت تحسبنّ في الذين كفروا، وإذا أعملتها في ذلك لم يجز لها أن تقع على «أنما » لأن «أنّما » إنما يعمل فيها عامل يعمل في شيئين نصبا ؟ قيل : أما الصواب في العربية ووجه الكلام المعروف من كلام العرب كسر إن قرئت تحسبن بالتاء، لأن تحسبن إذا إذا قرئت بالتاء، فإنها قد نصبت الذين كفروا، فلا يجوز أن تعمل وقد نصبت اسما في أن، ولكنى أظن أن من قرأ ذلك بالتاء في تحسبن وفتح الألف من أنما، إنما أراد تكرير تحسبن على أنما، كأنه قصد إلى أن معنى الكلام : ولا تحسبن يا محمد أنت الذين كفروا، لا تحسبن أنما نملي لهم خير لأنفسهم، كما قال جل ثناؤه :﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إلاّ السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهُمْ بَغتَةً﴾ بتأويل : هل ينظرون إلا الساعة، هل ينظرون إلا أن تأتيهم بغتة ؟ وذلك وإن كان وجها جائزا في العربية، فوجه كلام العرب ما وصفنا قبل.
والصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأ :﴿وَلا يَحسَبنّ الّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالياء من «يحسبن »، وبفتح الألف من «أنما »، على معنى الحسبان للذين كفروا دون غيرهم، ثم يعمل في «أنما » نصبا¹ لأن «يحسبن » حينئذ لم يشغل بشيء عمل فيه، وهي تطلب منصوبين. وإنما اخترنا ذلك لإجماع القراء على فتح الألف من «أنما » الأولى، فدل ذلك على أن القراءة الصحيحة في «يحسبن » بالياء لما وصفنا¹ وأما ألف «إنما » الثانية فالكسر على الابتداء بالإجماع من القراء عليه.
وتأويل قوله :﴿إنّمَا نُملِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إثْما﴾ : إنما نؤخر آجالهم فنطيلها ليزدادوا إثما، يقول : يكتسبوا المعاصي فتزداد آثامهم وتكثر ﴿ولَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ يقول : ولهؤلاء الذين كفروا بالله ورسوله في الآخرة عقوبة لهم مهينة مذلة.
وبنحو ما قلنا في ذلك جاء الأثر.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن خيثمة، عن الأسود، قال : قال عبد الله : ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموت خير لها، وقرأ :﴿وَلا يَحسَبنّ الّذِينَ كَفَرُوا أنّمَا نُملِي لَهُمْ خَيرٌ لأَنْفُسِهِمْ إنّمَا نُملِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إثْما﴾ وقرأ :﴿نُزُلاً مِنْ عِندِ الله وما عِندَ اللّهِ خَيرٌ للأبرَارِ﴾.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: ولا يظنن الذين كفروا بالله ورسوله وما جاء به من عند الله (١)، أن إملاءنا لهم خيرٌ لأنفسهم.
* * *
ويعني بـ"الإملاء"، الإطالة في العمر، والإنساء في الأجل، ومنه قوله جل ثناؤه: (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) [سورة مريم: ٤٦] أي: حينًا طويلا ومنه قيل:"عشتَ طويلا وتملَّيت حبيبًا" (٢). "والملأ" نفسه الدهر،"والملوان"، الليل والنهار، ومنه قول تميم بن مقبل: (٣)
| أَلا يَا دِيَارَ الحَيِّ بِالسَّبُعَانِ | أَمَلَّ عَلَيْهَا بالبلي المَلَوَانِ (٤) |
(٢) في المطبوعة: "وتمليت حينًا"، وهو خطأ، وفي المخطوطة: "وتمليت حنينًا"، وهو تصحيف، والصواب ما أثبت. وهو قول يقال في الدعاء، ومثله في الدعاء لمن لبس ثوبًا جديدًا: "أبليت جديدًا، وتمليت حبيبًا"، أي: عشت معه ملاوة من دهرك وتمتعت به.
(٣) وينسب البيت لابن أحمر، وإلى أعرابي من بني عقيل.
(٤) سيبويه ٢: ٣٢٢، ومجاز القرآن ١: ١٠٩، والأمالي ١: ٢٣٣، والسمط: ٥٣٣، والخزانة ٣: ٢٧٥، واللسان (ملل)، وغيرها، وسيأتي في التفسير ١٣: ١٠٦ (بولاق). وقد بين صاحب الخزانة نسبة هذه الأبيات وذكر الشعر المختلف فيه، وقال إن أبيات ابن مقبل بعد هذا البيت:
| نَهَارٌ وَلَيْلٌ دَائِبٌ مَلَوَاهُمَا | عَلَى كُلِّ حَالِ النَّاسِ يَخْتَلِفَانِ |
| ألا يا دَيارَ الحَيِّ لا هَجْرَ بَيْننَا | وَلكنَّ رَوْعَاتٍ مِنَ الحَدَثَانِ |
| لِدَهْمَاءَ إِذْ لِلنَّاس والعَيْشِ غِرَّةٌ | وَإِذْ خُلُقَانَا بِالصِّبَا عَسِرَانِ |
* * *
وقد اختلفت القرأة في قراءة قوله:"ولا تحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم".
فقرأ ذلك جماعة منهم: (وَلا يَحْسَبَنَّ) بالياء، وبفتح"الألف" من قوله:"أَنَّمَا"، على المعنى الذي وصفتُ من تأويله.
* * *
وقرأه آخرون: (وَلا تَحْسَبَنَّ) بالتاء و"أَنَّمَا" أيضا بفتح"الألف" من"أنما"، بمعنى: ولا تحسبنّ، يا محمد، الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم.
* * *
فإن قال قائل: فما الذي من أجله فتحت"الألف" من قوله:"أنما" في قراءة من قرأ بالتاء، وقد علمت أن ذلك إذا قرئ بالتاء فقد أعملت"تحسبن"، في"الذين كفروا"، وإذا أعملتها في ذلك، لم يجز لها أن تقع على"أنما" لأن"أنما" إنما يعمل فيها عاملٌ يعمل في شيئين نصبًا؟
قيل: أما الصواب في العربية ووجهُ الكلام المعروف من كلام العرب، كسر"إن" إذا قرئت"تحسبن" بالتاء، لأن"تحسبن" إذا قرئت بالتاء فإنها قد نصبت"الذين كفروا"، فلا يجوز أن تعمل، وقد نصبت اسمًا، في"أن". ولكني أظن أنّ من قرأ ذلك بالتاء في"تحسبن" وفتح الألف من"أنما"، إنما أراد تكرير تحسبن على"أنما"، كأنه قصد إلى أنّ معنى الكلام: ولا تحسبن، يا محمد أنت، الذين كفروا، لا تحسبن أنما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم، كما قال جل ثناؤه: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً) [سورة محمد: ١٨] بتأويل: هل ينظرون إلا الساعة، هل ينظرون إلا أن تأتيهم بغتة. (١) وذلك وإن كان وجهًا
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا، قراءة من قرأ: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالياء من"يحسبن"، وبفتح الألف من"أنما"، على معنى الحسبان للذين كفروا دون غيرهم، ثم يعمل في"أنما" نصبًا لأن"يحسبن" حينئذ لم يشغل بشيء عمل فيه، وهي تطلب منصوبين.
وإنما اخترنا ذلك لإجماع القرأة على فتح"الألف" من"أنما" الأولى، فدل ذلك على أن القراءة الصحيحة فى"يحسبن" بالياء لما وصفنا.
وأما ألف"إنما" الثانية، فالكسر على الابتداء، بإجماع من القرأة عليه:
* * *
وتأويل قوله:"إنما نُملي لهم ليزدادوا إثمًا"، إنما نؤخر آجالهم فنطيلها ليزدادوا إثمًا، يقول: يكتسبوا المعاصي فتزداد آثامهم وتكثر="ولهم عذاب مهين"، يقول: ولهؤلاء الذين كفروا بالله ورسوله في الآخرة عقوبة لهم مهينة مذلة. (١)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك جاء الأثر.
٨٢٦٧ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن خيثمة، عن الأسود قال، قال عبد الله: ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموتُ خير لها. وقرأ:"ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا"، وقرأ: (نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرَارِ) [سورة آل عمران: ١٩٨]. (٢)
* * *
(٢) الحديث: ٨٢٦٧ - عبد الرحمن: هو ابن مهدي. وسفيان: هو الثوري.
خيثمة: هو ابن عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي. وهو تابعي ثقة، أخرج له الجماعة كلهم.
الأسود: هو ابن يزيد النخعي.
وهذا الحديث، وإن كان موقوفًا لفظًا، فإنه - عندنا - مرفوع حكمًا، لأنه مما لا يدرك بالرأي.
وسيأتي مرة أخرى: ٨٣٧٤، من طريق عبد الرزاق، عن الثوري، بهذا الإسناد. ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٩٨، من رواية جرير، عن الأعمش، به. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
وذكره ابن كثير ٢: ٣٢٨، من رواية ابن أبي حاتم، من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، به، نحوه. ثم قال: "وكذا رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، به".
وذكره السيوطي ٢: ١٠٤، وزاد نسبته لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبي بكر المروزي في الجنائز، وابن المنذر، والطبراني.
وسيأتي نحو معناه، من حديث أبي الدرداء: ٨٣٧٥.