المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
﴿نملي﴾ معناه : نمهل ونمد في العمر، والملاوة : المدة من الدهر والملوان الليل والنهار وتقول : ملاك الله النعمة أي منحكها عمراً طويلاً، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع :«يحسبن » بالياء من أسفل وكسر السين وفتح الباء، وقرأ ابن عامر كذلك إلا في السين فإنه فتحها وقرأ حمزة تحسبن. بالتاء من فوق الباء، وقرأ ابن عامر كذلك إلا في -السين- فإنه فتحها، وقرأ حمزة «تحسبن ». بالتاء من فوق وفتح السين، وقرأ عاصم والكسائي، كل ما في هذه السورة بالتاء من فوق إلا حرفين، قوله ﴿ولا يحسبن الذين كفروا﴾ في هذه الآية وبعدها ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون﴾ فأما من قرأ «ولا يحسبن » بالياء من أسفل فإن ﴿الذين﴾ فاعل وقوله ﴿إنما نملي لهم خير﴾ بفتح الألف من «أنما » ساد مسد مفعولي حسب، وذلك أن «حسب » وما جرى مجراها تتعدى إلى مفعولين أو إلى مفعول يسد مسد مفعولين، وذلك إذا جرى في صلة ما تتعدى إليه ذكر الحديث والمحدث عنه، قال أبو علي : وكسر «إن » في قوله من قرأ «يحسبن » بالياء لا ينبغي، وقد قرىء فيما حكاه غير أحمد بن موسى(١) وفي غير السبع، ووجه ذلك أن يتلقى بها القسم كما يتلقى بلام الابتداء، ويدخلان على الابتداء والخبر، أعني -اللام- وإن فعلق عن «إنما » عمل الحسبان كما تعلق عن اللام في قولك : حسبت لزيد قائم، فيعلق الفعل عن العمل لفظاً، وأما بالمعنى فما بعد «أن أو اللام » ففي موضع مفعولي «حسب »، وما يحتمل أن تكون بمعنى الذي، ففي ﴿نملي﴾ عائد مستكن، ويحتمل أن تكون مصدرية فلا تحتاج إلى تقدير عائد وأما من قرأ «ولا تحسبن » بالتاء فالذين مفعول أول للحسبان، قال أبو علي : وينبغي أن تكون الألف من «إنما » مكسورة في هذه القراءة، وتكون «إن » وما دخلت عليه في موضع المفعول الثاني لتحسبن، ولا يجوز فتح الألف من «إنما » لأنها تكون المفعول الثاني، والمفعول الثاني في هذا الباب هو المفعول الأول بالمعنى، والإملاء لا يكون إياهم، قال مكي في مشكله(٢) : ما علمت أحداً قرأ «تحسبن » بالتاء من فوق وكسر الألف من «إنما » وجوز الزجّاج هذه القراءة «تحسبن » بالتاء و «أنما » بفتح الألف، وظاهر كلامه أنها تنصب<خيراً>، قال وقد قرأ بها خلق كثير وساق عليها مثالاً قول الشاعر :[ الطويل ]
فما كان قيسٌ هُلْكُهُ هُلْكُ وَاحِدٍ(٣) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ( الطويل )
بنصب هلك الثاني على أن الأول بدل.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :
فكذلك يكون ﴿إنما نملي﴾ بدلاً من ﴿الذين كفروا﴾ كقوله تعالى :
﴿وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره﴾(٤) وقوله ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم﴾(٥) ويكون «خيراً » المفعول الثاني قال أبو علي : لم يقرأ هذه القراءة أحد، وقد سألت أحمد بن موسى عنها فزعم أنه لم يقرأ بها أحد، ويظهر من كلام أبي علي أن أبا إسحاق إنما جوز المسألة مع قراءة «خير » بالرفع، وأبو علي أعلم لمشاهدته أبا إسحاق، وذكر قوم أن هذه القراءة تجوز على حذف مضاف تقديره : ولا تحسبن شأن الذين كفروا أنما نملي لهم، فهذا كقوله تعالى :﴿واسأل القرية﴾(٦) وغير ذلك ويذهب الأستاذ أبو الحسن بن البادش(٧) : إلى أنها تجوز على بدل أن من الذين وحذف المفعول لحسب، إذ الكلام يدل عليه.
قال القاضي : والمسألة جائزة إذ المعنى لا تحسبن إملاءنا للذين كفروا خيراً لهم أو نحو هذا ومعنى هذه الآية : الرد على الكفار في قولهم : إن كوننا ظاهرين ممولين أصحة دليل على رضى الله بحالنا واستقامة طريقتنا عنده، فأخبر الله أن ذلك التأخير والإمهال إنما هو إملاء واستدارج، ليكتسبوا الآثام، وقال عبد الله بن مسعود : ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموت خير لها، أما البرة فلتسرع إلى رحمة الله، وقرأ ﴿وما عند الله خير للأبرار﴾ [آل عمران: ١٩٨] وأما الفاجرة فلئلا تزداد إثماً، وقرأ هذه الآية(٨) ووصف العذاب بالمهين معناه : التخسيس لهم : فقد يعذب من لا يهان، وذلك إذا اعتقدت إقالة عثرته يوماً ما.
فما كان قيسٌ هُلْكُهُ هُلْكُ وَاحِدٍ(٣) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ( الطويل )
بنصب هلك الثاني على أن الأول بدل.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :
فكذلك يكون ﴿إنما نملي﴾ بدلاً من ﴿الذين كفروا﴾ كقوله تعالى :
﴿وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره﴾(٤) وقوله ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم﴾(٥) ويكون «خيراً » المفعول الثاني قال أبو علي : لم يقرأ هذه القراءة أحد، وقد سألت أحمد بن موسى عنها فزعم أنه لم يقرأ بها أحد، ويظهر من كلام أبي علي أن أبا إسحاق إنما جوز المسألة مع قراءة «خير » بالرفع، وأبو علي أعلم لمشاهدته أبا إسحاق، وذكر قوم أن هذه القراءة تجوز على حذف مضاف تقديره : ولا تحسبن شأن الذين كفروا أنما نملي لهم، فهذا كقوله تعالى :﴿واسأل القرية﴾(٦) وغير ذلك ويذهب الأستاذ أبو الحسن بن البادش(٧) : إلى أنها تجوز على بدل أن من الذين وحذف المفعول لحسب، إذ الكلام يدل عليه.
قال القاضي : والمسألة جائزة إذ المعنى لا تحسبن إملاءنا للذين كفروا خيراً لهم أو نحو هذا ومعنى هذه الآية : الرد على الكفار في قولهم : إن كوننا ظاهرين ممولين أصحة دليل على رضى الله بحالنا واستقامة طريقتنا عنده، فأخبر الله أن ذلك التأخير والإمهال إنما هو إملاء واستدارج، ليكتسبوا الآثام، وقال عبد الله بن مسعود : ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموت خير لها، أما البرة فلتسرع إلى رحمة الله، وقرأ ﴿وما عند الله خير للأبرار﴾ [آل عمران: ١٩٨] وأما الفاجرة فلئلا تزداد إثماً، وقرأ هذه الآية(٨) ووصف العذاب بالمهين معناه : التخسيس لهم : فقد يعذب من لا يهان، وذلك إذا اعتقدت إقالة عثرته يوماً ما.
١ - المقصود به: ابن مجاهد كما في إبراز المعاني شرح الشاطبية: ٢٨٠ (ط. البابي الحلبي، مصر).
٢ - هو كتاب "مشكل غريب القرآن" ذكر ابن خلكان (٥/٢٧٦) أنه في ثلاثة أجزاء..
٣ - البيت من قصيدة لعبدة بن الطبيب يرثي بها قيس بن عاصم، وعجز البيت:
........................ ولكنه بنيان قوم تهدما (الإصابة ٣/٢٥٢)..
٤ - من الآية (٦٤) من سورة الكهف..
٥ - من الآية (٧) من سورة الأنفال..
٦ - من الآية (٨٢) من سورة يوسف..
٧ - من الآية (٨٢) من سورة يوسف..
٨ - أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، والمنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه –عن ابن مسعود. "فتح القدير للشوكاني ١/٣٧١". وفي "الدر المنثور ٢/١٠٤" أخرجه من ذكره الشوكاني بزيادة: عبد بن حميد وأبو بكر المروزي في "الجنائز" و﴿ما عند الله خير للأبرار﴾ من الآية (١٩٨) من سورة آل عمران..
٢ - هو كتاب "مشكل غريب القرآن" ذكر ابن خلكان (٥/٢٧٦) أنه في ثلاثة أجزاء..
٣ - البيت من قصيدة لعبدة بن الطبيب يرثي بها قيس بن عاصم، وعجز البيت:
........................ ولكنه بنيان قوم تهدما (الإصابة ٣/٢٥٢)..
٤ - من الآية (٦٤) من سورة الكهف..
٥ - من الآية (٧) من سورة الأنفال..
٦ - من الآية (٨٢) من سورة يوسف..
٧ - من الآية (٨٢) من سورة يوسف..
٨ - أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، والمنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه –عن ابن مسعود. "فتح القدير للشوكاني ١/٣٧١". وفي "الدر المنثور ٢/١٠٤" أخرجه من ذكره الشوكاني بزيادة: عبد بن حميد وأبو بكر المروزي في "الجنائز" و﴿ما عند الله خير للأبرار﴾ من الآية (١٩٨) من سورة آل عمران..