اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قرأ الجمهور " يحسبن " بالغيبة، وحمزة بالخطاب(١)، وحكى الزّجّاج عن خلق كثير(٢) كقراءة حمزة إلا أنهم كسروا " أنما " ونصبوا " خير " وأنكرها ابن مجاهدٍ - وسيأتي إيضاح ذلك - وقرأ يحيى بن وثاب(٣) بالغيبة وكسر " إنما ". وحكى عنه الزمخشري - أيضاً - أنه قرأ بكسر " أنما " الأولى وفتح الثانية مع الغيبة(٤)، فهذه خَمْسُ قراءاتٍ.
فأما قراءة الجمهور، فتخريجها واضح، وهو أنه يجوز أن يكون الفعل مسنداً إلى " الذين " و " أن " وما اتصل بها سادَّة مسد المفعولين - عند سيبويه - أو مسدَّ أحدهما، والآخر محذوف - عند الأخفش - ويجوز أن يكون مسنداً إلى ضمير غائب، يراد به النبي ﷺ أي لا يحسبن النبي ﷺ. فعلى هذا يكون " الذين كفروا " مفعولاً أول، وأما الثاني فسيأتي الكلام عليه في قراءة حمزة، لتتحد هذه القراءة - على هذا الوجه - مع قراءة حمزة رحمه الله، وسيأتي تخريجها.
و " ما " يجوز أن تكون موصولة اسمية، فيكون العائد محذوفاً، لاستكمال الشروط، أي : الذي نمليه ويجوز أن تكون مصدرية - أي : إملاءنا - وهي اسم " إن " و " خير " خبرها.
قال أبو البقاء(٥) :" ولا يجوز أن تكون كافةً، وزائدة ؛ إذ لو كان كذلك لانتصب " خير " ب " نملي " واحتاجت " أن " إلى خبر، إذا كانت " ما " زائدة، أو قدر الفعل يليها، وكلاهما ممتنع " انتهى. وهي من الواضحات. وكتبوا " أنما " - في الموضعين - متصلة، وكان من حق الأولى الفصل ؛ لأنها موصولة.
وأما قراءة حمزة فاضطربت فيها أقوال الناس وتخاريجهم، حتى أنه نُقل عن أبي حاتم أنها لحن.
قال النحاس : وتابَعَهُ على ذلك [ جماعة ](٦) وهذا لا يُلتفت إليه، لتواترها، وفي تخريجها ستة أوجُهٍ :
أحدها : أن يكون فاعل " تحسبن " ضمير النبي ﷺ و " الذين كفروا " مفعول أول، و " أنما نملي لهم خير " مفعول ثان، ولا بُدَّ - على هذا التخريج - من حَذْفِ مضافٍ، إما من الأول، تقديره : ولا تحسبن شأنَ الذين، وإما من الثَّاني، تقديره : أصحاب أن إملاءنا خير لهم.
وإنما احتجْنَا إلى هذا التأويل ؛ لأن " أنما نملي " بتأويل مصدر، والمصدر معنى من المعاني لا يَصْدُقُ على " الذين كفروا " والمفعول الثاني في هذا البابِ هُوَ الأولُ في المعنى.
الثاني : أن يكون " أنما نملي لهم " بدلاً من " الذين كفروا ".
وإلى هذا ذهب الكسائي، والفرّاء، وتبعهما جماعة، منهم الزَّجَّاج والزمخشري، وابنُ الباذش، قال الكسائيُّ والفرّاء : وجه هذه القراءة التكرير والتأكيد، والتقدير : ولا تحسبن الذين كفروا، ولا تحسبن أنما نملي. قال الفرّاءُ : ومثله :
﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ﴾ أي : ما ينظرون إلا أن تأتيهم. انتهى.
ورد بعضهم قولَ الكسائيِّ والفرّاءِ، بأن حَذْفَ المفعولِ الثاني - في هذه الأفعالِ - لا يجوز عند أحد. وهذا الردُّ ليس بشيءٍ ؛ لأن الممنوعَ إنما هو حذف الاقتصارِ - وقد تقدم تحقيق ذلك.
وقال ابنُ الباذش : ويكون المفعول الثاني قد حُذِف ؛ لدلالة الكلامِ عليه، ويكون التقدير : ولا تحسبن الذين كفروا خَيْريَّةَ إملائنا لهم ثابتة، أو واقعة.
قال الزمخشريُّ : فإن قلت : كيف صح مَجِيءُ البدلِ، ولم يذكر إلا أحد المفعولين، ولا يجوز الاقتصارُ بفعل الحسبانِ على مفعولٍ واحدٍ ؟
قلتُ : صحَّ ذلك من حيثُ إنّ التعويلَ على البدل والمبدل منه في حكم المُنَحَّى، ألا تراك تقول : جَعَلْتُ متاعَك بعضَه فوقَ بَعْضٍ، مع امتناع سكوتك على : متاعك.
وهذا البدلُ بدلُ اشتمالٍ - وهو الظاهرُ - أو يدل كُلٍّ من كُلٍّ، ويكون على حَذْف مضافٍ، تقديره : ولا تحسبن إملاء الذين، فحذف " إملاء " وأبدل منه :" أنما نملي " قولان مشهوران.
الثالثُ - وهو أغربها - : أن يكون " الذين كفروا " فاعلاً ب " تحسبن " على تأويل أن تكون التاء في الفعل للتأنيث، كقوله :﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] أي : ولا تحسبن القوم الذين كفروا، و " الذين " وَصْف للقوم، كقوله تعالى :﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ﴾ [الأعراف: ١٣٧]. فعلى هذا تتحد هذه القراءة مع قراءة الغيبة، وتخريجها كتخريجها، ذكر ذلك أبو القاسم الكرماني في تفسيره المُسمَّى ب " اللُّباب ". وفيه نظر ؛ من حيث إن " الذين " جارٍ مَجْرَى جمع المذكر السالم، والجمع المذكر السالم لا يجوز تأنيث فعله - عند البصريين - لا يجوزُ : قامت الزيدون، ولا : تقوم الزيدون. وأما اعتذاره عن ذلك بأن " الذين " صفة للقوم - الجائز تأنيث فِعلهم - وإنما حذف، فلا ينفعه ؛ لأن الاعتبارَ إنما هو بالملفوظ لا بالمقدَّر، لا يجيز أحدٌ من البصريين : قامت المسلمون - على إرادة : القوم المسلمون - ألبتة.
وقال أبو الحسن الحوفيُّ :" أن " وما عملت فيه من موضع نصب على البدل، و " الذين " المفعول الأول، والثاني محذوف.
وهو معنى قول الزمخشريِّ المتقدم.
الرابع : أن يكون :﴿أنما نملي لهم﴾ بدلاً من :" الذين كفروا " بدل اشتمال - أي : إملاءنا - و " خير " بالرفع - خبر مبتدأ محذوف، أي : هو خير لأنفسهم، والجملة هي المفعول الثاني، نقل ذلك أبو شامة عن بعضهم، ثم وقال : قُلْتُ : ومثل هذه القراءة بيت الحماسةِ.
فِينَا الأنَاةُ، وَبَعْضُ الْقَوْمِ يَحْسَبُنَاأَنَّا بِطَاءٌ، وَفِي إبْطَائِنَا سَرَعُ(٧)
كذا جاءت الرواية بفتح " أنا " بعد ذكر المفعول الأول، فعلى هذا يجوز أن تقول : حسبت زيداً أنه قائم، أي : حسبته ذا قيام.
فوجه الفتح أنها وقعت مفعولاً، وهي ما عملت فيه من موضع مفرد، وهو المفعول الثاني ل " حسبت " انتهى.
وفيما قاله نظرٌ ؛ لأن النحاة نصُّوا على وجوب كسر " إن " إذا وقعت مفعولاً ثانياً، والأول اسم عين، وأنشدوا البيتَ المذكورَ على ذلك، وعلَّلوا وجوب الكسر بأنا لو فتحنا لكانت في محل مصدر، فيلزم منه الاخبار بالمعنى عن العين.
الخامس : أن يكون " الذين كفروا " مفعولاً أول، و ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً﴾ في موضع المفعول الثاني، و ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ﴾ مبتدأ وخبر اعترض به بين مفعولي " تحسبن " ففي الكلام تقديم وتأخير، نُقِل ذلك عن الأخفشِ.
قال أبو حاتم : وسمعتُ الأخفشَ يذكر فتح " أن " - يحتج به لأهل القَدَر ؛ لأنه كان منهم - ويجعله على التقديم والتأخير، [ أي ](٨) : ولا تحسبنَّ الذين كفروا أنما نُمْلي لهم ليزدادوا إثماً، إنما نملي لهم خير لأنفسهم. انتهى.
وإنما جاز أن تكون " أن " المفتوحة مبتدأ بها أول الكلام ؛ لأن مذهبَ الأخفش ذلك، وغيره يمنع ذلك، فإن تقدم خبرها عليها - نحو : ظني أنك منطلق، أو " أما " التفصيلية، نحو أما أنك منطلق فعندي، جاز ذلك إجماعاً. وقول أبي حاتم : يذكر فتح " أن " يعني بها التي في قوله :﴿أنما نملي لهم خير﴾. ووجه تمسُّك القدرية أن الله تعالى لا يجوز أن يُمْلِي لهم إلا ما هو خير لأنفسهم، لأنه يجب - عندهم - رعاية الأصلح.
السادس : قال المهدويّ : وقال قوم : قدم " الذين كفروا " توكيداً، ثم حالهم، من قوله :﴿أنما نملي لهم﴾ رداً عليهم، والتقديرُ : ولا تحسبن أن إملاءنا للذين كفروا خيرٌ لأنفسهم.
وأما قراءة يحيى - بكسر " إنَّما " مع الغيبة - فلا تخلو إما أن يُجْعَل الفعلُ مسنداً إلى " الذين " أو إلى ضميرٍ غائبٍ، فإن كانت الأولى كانت " أنما " وما في حيِّزها معلقة ل " تحسبن " وإن لم تكن اللام في خبرها لفظاً، فهي مقدرة، فيكون " إنّما " - بالكسر - في موضع نَصْبٍ ؛ لأنها معلقة لفعل الحسبان من نية اللام، ونظير ذلك تعليق أفعال القلوبِ عن المفعولينِ الصريحين - بتقدير لام الابتداء - في قوله [ البسيط ] :
كَذَاكَ أدَّبتُ حَتَّى صَارَ مِنْ خُلُقِيأَنِّي وَجَدْتُ مِلاَكُ الشَّيْمَةِ الأدَبُ(٩)
فلولا تقدير اللام لوجب نصب " ملاك " و " الأدب ". وكذلك في الآية لولا تقدير اللام لوجب فتح " إنما ".
ويجوز أن يكون المفعول الأول قد حُذِف - وهو ضمير الأمرِ والشأنِ - وقد قيل بذلك في البيت، وهو الأحسنُ فيه.
والأصلُ : لا تحسبنه - أي الأمر - و " إنما نملي لهم " في موضع المفعول الثاني، وهي المفسرة للضمير وإن كان الثاني كان " الذين " مفعولاً أول، و " أنما نملي " في موضع المفعول الثاني.
وأما قراءته التي حكاها عنه الزمخشريُّ، فقد خرَّجَها هو، فقال : على معنى : ولا تحسبن الذين كفروا أن إملاءنا لازدياد الإثم - كما يفعلون - وإنما هو ليتوبوا، ويدخلوا في الإيمان، وقوله :﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ﴾ اعتراض بين الفعل ومعموله، ومعناه : أن إملاءنا خيرٌ لأنفسهم إن عملوا فيه، وعرفوا إنعام الله عليهم، بتفسيح المُدَّةِ، وترك المعاجلةِ بالعقوبة. انتهى.
فعلى هذا يكون " الذين " فاعلاً، و " أنما " - المفتوحة - سادة مسد المفعولين، أحدهما - على الخلاف - واعترض بهذه الجملة بين الفعل ومعموله. قال النَّحَّاسُ : قراءة يحيى بن وَثَّابٍ - بكسر " إن " فيهما جميعاً - حسنة، كما تقول : حسبت عمراً أبوه خارجٌ.
وأما ما حكاه الزّجّاج - قراءةً - عن خلق كثير، وهو نصب " خير " على الظاهر من كلامه، فقد ذكر تخريجها، على أن ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ﴾ بدل من " الذين كفروا " و " خيراً " مفعول ثانٍ، ولا بد من إيراد نَصِّهِ، قال - رحمه الله - : مَنْ قرأ :" ولا يحسبن " بالياء، لم يَجُزْ عند البصريين إلا كسر " إن " والمعنى : لا يحسبن الذين كفروا إملاءنا خير لهم، ودخلت " إن " مؤكِّدةً، فإذا فتحت صار المعنى : ولا يحسبن الذين كفروا إملاءنا خير لهم، قال : وهو عندي يجوز في هذا الموضع على البدل من " الذين " والمعنى : ولا يحسبن إملاءنا للذين كفروا خيراً لهم، وقد قرأ بها خلقٌ كثير(١٠)، ومثل هذه القراءة من الشعر قول الشاعر :[ الطويل ]
فَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ وَاحِدٍوَلَكِنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا(١١)
جعل " هلكه " بدلاً من " قيس " والمعنى : فما كان هلك قيس هلك واحدٍ، اه.
يعني :" هلك " - الأول - بدل من المرفوع، فبقي " هلك واحد " منصوباً، خبراً ل " ما كان " كذلك :" أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ " " أن " واسمها - وهي " ما " الموصولة - وصلتها، والخبر - وهو " لَهُم " في محل نصب، بدلاً من " الَّذِينَ كَفَرُوا " فبقي " خَيْراً " منصوباً على أنه مفعول ثانٍ ل " تَحْسَبَنَّ ". إلا أن الفارسي قد رد هذا على أبي إسحاقَ بأن هذه القراءة لم يقرأ بها أحد - أعني نصب " خَيْراً " - قال أبو علي الفارسي : لا يصح البدل، إلا بنصب " خَيْرٌ " من حيثُ كان المفعول الثاني ل " حسبت " فكما انتصب " هلكَ واحدٍ " في البيت - لما أبدل الأول من " قيس " - بأنه خبر ل " كان " كذلك ينتصب " خَيْرٌ لَهُمْ " إذا أُبْدِل الاملاء من " الَّذِينَ كَفَرُوا " بأنه مفعول ثانٍ ل " تَحْسَبَنَّ ".
قال : وسألت أحمد بن مُوسَى عنها، فزعم أن أحداً لم يقرأ بها
١ انظر: السبعة ٢١٩ ـ ٢٢٠، والحجة ٣/١٠١، وحجة القراءات ١٨٢، وإعراب القراءات ١/١٢٣، والعنوان ٨١، وشرح الطيبة ٤/١٧٦، وشرح شعلة ٣٢٧، وإتحاف ١/٤٩٥..
٢ انظر: معاني القرآن ١/٤٩١..
٣ انظر: المحرر الوجيز ١/٥٤٥، والبحر المحيط ٣/١٢٨، والدر المصون ٢/٢٦٦..
٤ انظر: الكشاف ١/٤٤٤..
٥ ينظر: الإملاء ١/١٥٩..
٦ في أ: خلق كثير..
٧ البيت لوضاح بن إسماعيل ينظر تخليص الشواهد ص ٣٤٤، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٦٤٧، والمقاصد النحوية ٢/٢١٦، والجنى الداني ص ٤٠٧، وشرح عمدة الحافظ ص ٢٢٦. والدر المصون ٢/٢١٦..
٨ في أ: كأنه قال..
٩ ينسب البيت لبعض بني فزارة: ينظر الحماسة ٢/٧٥٤ والدرر ١/١٣٥ والخزانة ٤/٥ وأوضح المسالك ٢/٦٥ وشرح شواهد ابن عقيل ص ٩٥ وشرح الأشموني ٢/٢٩ وشرح الجمل ١/٣١٤ والدر المصون ٢/٢٦٦..
١٠ ينظر: البحر المحيط ٣/٢٨، والدر المصون ٢/٢٦٧..
١١ تقدم برقم ٧٠٥..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى