فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنفُسِهِمْ﴾ قرأ ابن عامر، وعاصم، وغيرهما :﴿يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء التحتية، وقرأ حمزة بالفوقية، والمعنى على الأولى : لا يحسبن الكافرون أنما نملي لهم بطول العمر، ورغد العيش، أو بما أصابوا من الظفر يوم أحد ﴿خَيْرٌ لأِنفُسِهِمْ﴾ فليس الأمر كذلك بل ﴿إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين﴾. وعلى القراءة الثانية : لا تحسبن يا محمد أن الإملاء للذين كفروا بما ذكر خير لأنفسهم، بل هو شرّ واقع عليهم، ونازل بهم، وهو أن الإملاء الذي نمليه لهم ؛ ليزدادوا إثماً، فالموصول على القراءة الأولى فاعل الفعل، وأنما نملي، وما بعده ساد مسد مفعولي الحسبان عند سيبويه، أو سادّ مَسَدَّ أحدهما، والآخر محذوف عند الأخفش.
وأما على القراءة الثانية، فقال الزجاج : إن الموصول هو : المفعول الأول، وإنما، وما بعدها بدل من الموصول سادّ مسدّ المفعولين، ولا يصح أن يكون إنما، وما بعده هو المفعول الثاني ؛ لأن المفعول الثاني في هذا الباب هو : الأوّل في المعنى. وقال أبو علي الفارسي : لو صح هذا لكان خيراً بالنصب ؛ لأنه يصير بدلاً من الذين كفروا، فكأنه قال : لا تحسبن إملاء الذين كفروا خيراً. وقال الكسائي، والفراء : إنه يقدر تكرير الفعل كأنه قال : ولا تحسبنّ الذين كفروا، ولا تحسبن إنما نملي لهم، فسدت مسدّ المفعولين. وقال في الكشاف : فإن قلت كيف صح مجيء البدل، ولم يذكر إلا أحد المفعولين، ولا يجوز الاقتصار بفعل الحسبان على مفعول واحد ؟ قلت : صح ذلك من حيث أن التعويل على البدل، والمبدل منه في حكم المنحي، ألا تراك تقول جعلت متاعك بعضه فوق بعض مع امتناع سكوتك على متاعك. انتهى. وقرأ يحيى بن وثاب :﴿إنَّمَا نُمْلِي﴾ بكسر إن فيهما، وهي قراءة ضعيفة باعتبار العربية.
وقوله :﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمَاً﴾ جملة مستأنفة مبينة لوجه الإملاء للكافرين. وقد احتج الجمهور بهذه الآية على بطلان ما تقوله المعتزلة ؛ لأنه سبحانه أخبر بأنه يطيل أعمار الكفار، ويجعل عيشهم رغداً ؛ ليزدادوا إثماً. قال أبو حاتم : وسمعت الأخفش يذكر كسر :﴿إنَّمَا نُمْلِي﴾ الأولى، وفتح الثانية، ويحتج بذلك لأهل القدر ؛ لأنه منهم، ويجعله على هذا التقدير : ولا يحسبنّ الذين كفروا أنما نملي لهم ؛ ليزدادوا إثماً إنما نملي لهم خير لأنفسهم. وقال في الكشاف : إن ازدياد الإثم علة، وما كل علة بعرض ألا تراك تقول : قعدت عن الغزو للعجز، والفاقة، وخرجت من البلد لمخافة الشرّ، وليس شيء يعرض لك، وإنما هي علل، وأسباب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد :﴿إِنَّ الذين اشتروا الكفر بالإيمان﴾ قال : هم المنافقون، وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، عن ابن مسعود قال : ما من نفس برّة، ولا فاجرة إلا والموت خير لها من الحياة إن كان براً، فقد قال الله :﴿وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ للأبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] وإن كان فاجراً، فقد قال :﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُوا﴾ الآية. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن أبي الدرداء نحوه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، عن محمد بن كعب، نحوه.
وأخرج عبد بن حميد، عن أبي برزة أيضاً نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي قال : قالوا إن كان محمد صادقاً، فليخبرنا بمن يؤمن به منا، ومن يكفر، فأنزل الله :﴿ما كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : يميز أهل السعادة من أهل الشقاوة، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة قال : يميز بينهم في الجهاد، والهجرة، وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله :﴿وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب﴾ قال : ولا يطلع على الغيب إلا رسول. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد :﴿وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِى﴾ قال : يختص. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مالك قال : يستخلص.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ﴾ قال : هم أهل الكتاب بخلوا أن يبينوه للناس. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد قال : هم يهود. وأخرج ابن جرير، عن السدي قال : بخلوا أن ينفقوها في سبيل الله لم يؤدوا زكاتها. وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :«من آتاه الله مالاً، فلم يؤد زكاته، مثل له شجاع أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، فيأخذ بلهزمته - يعني بشدقه - فيقول : أنا مالك أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية» وقد ورد هذا المعنى في أحاديث كثيرة عن جماعة من الصحابة يرفعونها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى