البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً﴾ معنى نملي : نمهل ونمد في العمر.
والملاءة المدة من الدهر، والملوان الليل والنهار.
ويقال : ملاك الله نعمته، أي منحكها عمراً طويلاً، وقرأ حمزة تحسبنّ بتاء الخطاب، فيكون الذين كفروا مفعولاً أول.
ولا يجوز أن يكون : إنما نملي لهم خير، في موضع المفعول الثاني، لأنه ينسبك منه مصدر المفعول الثاني في هذا الباب هو الأول من حيث المعنى، والمصدر لا يكون الذات، فخرج ذلك على حذف مضاف من الأول أي : ولا تحسبن شأن الذين كفروا.
أو من الثاني أي : ولا تحسبن الذين كفروا أصحاب، أنَّ الإملاء خير لأنفسهم حتى يصح كون الثاني هو الأول.
وخرجه الأستاذ أبو الحسن بن الباذش والزمخشري : على أن يكون إنما نملي لهم خير لأنفسهم بدل من الذين.
قال ابن الباذش : ويكون المفعول الثاني حذف لدلالة الكلام عليه، ويكون التقدير : ولا تحسبن الذين كفروا خيرية إملائنا لهم كائنة أو واقعة.
وقال الزمخشري :( فإن قلت ) : كيف صح مجيء البدل ولم يذكر إلا أحد المفعولين، ولا يجوز الاقتصار بفعل الحسبان على مفعول واحد ؟ ( قلت ) : صح ذلك من حيث أن التعويل على البدل والمبدل منه في حكم المنحيّ، ألا تراك تقول : جعلت متاعك بعضه فوق بعض مع امتناع سكوتك على متاعك انتهى كلامه.
وهذا التخريج الذي خرجه ابن الباذش والزمخشري سبقهما إليه الكسائي والفراء، فالأوجه هذه القراءة التكرير والتأكيد.
التقدير : ولا تحسبن الذين كفروا، ولا تحسبن أنما نملي لهم.
قال الفرّاء ومثله : هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم، أي ما ينظرون إلا أن تأتيهم انتهى.
وقد ردّ بعضهم قول الكسائي والفراء فقال : حذف المفعول الثاني من هذه الأفعال لا يجوز عند أحد، فهو غلط منهما انتهى.
وقد أشبعنا الكلام في حذف أحد مفعولي ظن اختصاراً فيما تقدم من قول الزمخشري في قوله :﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً﴾ إن تقديره : ولا تحسبنهم.
وذكرنا هناك أنَّ مذهب ابن ملكون أنه لا يجوز ذلك، وأن مذهب الجمهور الجواز لكنه عزيز جداً بحيث لا يوجد في لسان العرب إلا نادراً وأن القرآن ينبغي أن ينزه عنه.
وعلى البدل خرج هذه القراءة أبو إسحاق الزجاج، لكن ظاهر كلامه أنها بنصب خير.
قال : وقد قرأ بها خلق كثير، وساق عليها مثالاً قول الشاعر :
بنصب هلك الثاني على أن الأول بدل، وعلى هذا يكون : إنما نملي بدل، وخيراً : المفعول الثاني أي إملائنا خيراً.
وأنكر أبو بكر بن مجاهد هذه القراءة التي حكاها الزجاج، وزعم أنه لم يقرأ بها أحد.
وابن مجاهد في باب القراءات هو المرجوع إليه.
وقال أبو حاتم : سمعت الأخفش يذكر قبح أن يحتج بها لأهل القدر لأنه كان منهم، ويجعله على التقديم والتأخير كأنه قال : ولا تحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً، إنما نملي لهم خير لأنفسهم انتهى.
وعلى مقالة الأخفش يكون إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً في موضع المفعول الثاني، وإنما نملي لهم خير مبتدأ وخبر، أي إملاؤنا لهم خير لأنفسهم.
وجاز الابتداء بأن المفتوحة، لأن مذهب الأخفش جواز ذلك.
ولإشكال هذه القراءة زعم أبو حاتم وغيره أنها لحن وردّوها.
وقال أبو علي الفارسي : ينبغي أن تكون الألف من إنما مكسورة في هذه القراءة، وتكون إن وما دخلت عليه في موضع المفعول الثاني.
وقال مكي في مشكله : ما علمت أحداً قرأ تحسبن بالتاء من فوق، وكسر الألف من إنما.
وقرأ باقي السبعة والجمهور يحسبنَّ بالياء، وإعرابُ هذه القراءة ظاهر، لأن الفاعل هو الذين كفروا، وسدّت إنما نملي لهم خير مسد مفعولي يحسبنَّ كما تقول : حسبت أن زيداً قائم.
وتحتمل ما في هذه القراءة وفي التي قبلها أن تكون موصولة بمعنى الذي، ومصدرية، أي : أن الذي نملي، وحذف العائد أي : عليه وفيه شرط جواز الحذف من كونه متصلاً معمولاً لفعل تام متعيناً للربط، أو أنَّ إملائنا خير.
وجوّز بعضهم أن يسند الفعل إلى النبي ﷺ، فيكون فاعل الغيب كفاعل الخطاب، فتكون القراءتان بمعنى واحد.
وقرأ يحيى بن وثاب : ولا يحسبن بالياء، وإنما نملي بالكسر.
فإن كان الفعل مسنداً للنبي ﷺ، فيكون المفعول الأول الذين كفروا، ويكون إنما نملي لهم جملة في موضع المفعول الثاني.
وإن كان مسنداً للذين كفروا فيحتاج يحسبن إلى مفعولين.
فلو كانت إنما مفتوحة سدت مسد المفعولين، ولكن يحيى قرأ بالكسر، فخرج على ذلك التعليق فكسرت إن، وإن لم تكن اللام في حيزها.
والجملة المعلق عنها الفعل في موضع مفعولي يحسبن، وهو بعيد : لحذف اللام نظير تعليق الفعل عن العمل، مع حذف اللام من المبتدأ كقوله :
وحكى الزمخشري أن يحيى بن وثاب قرأ بكسر إنما الأولى، وفتح الثانية.
ووجه ذلك على أن المعنى : ولا تحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً كما يفعلون، وإنما هو ليتوبوا ويدخلوا في الإيمان.
والجملة من إنما نملي لهم خير لأنفسهم اعتراض بين الفعل ومعموله، ومعناه : أن إملاءنا خير لأنفسهم إن عملوا فيه وعرفوا إنعام الله عليهم بتفسيح المدة، وترك المعاجلة بالعقوبة.
وظاهر الذين كفروا العموم.
وقال ابن عباس : نزلت في اليهود والنصارى والمنافقين.
وقال عطاء : في قريظة والنضير.
وقال مقاتل : في مشركي مكة.
وقال الزجاج : هؤلاء قوم أعلم الله نبيه أنهم لا يؤمنون أبداً، وليست في كل كافر، إذ قد يكون الإملاء مما يدخله في الإيمان، فيكون أحسن له.
وقال مكي : هذا هو الصحيح من المعاني.
وقال ابن عطية : معنى هذه الآية الرد على الكفار في قولهم : إنّ كوننا ظاهرين ممولين أصحة دليل على رضا الله بحالنا واستقامة طريقتنا عنده.
وأخبر الله تعالى أنَّ ذلك التأخير والإهمال إنما هو إملاء واستدراج لتكثير الآثام.
قال عبد الله بن مسعود : ما من نفس برّة ولا فاجرة إلا والموت خير لها أمّا البرّة فلتسرع إلى رحمة الله.
وقرأ :﴿وما عند الله خير للأبرار﴾ وأما الفاجرة فلئلا تزداد إثماً، وقرأ هذه الآية انتهى.
وقال الزمخشري : والإمّلاء لهم تحليتهم، وشأنهم مستعار من أملى لفرسه إذا أرخى له الطول ليرعى كيف شاء.
وقيل : هو إمهالهم وإطالة عمرهم، والمعنى : أن الإملاء خير لهم من منعهم أو قطع آجالهم، إنَّما نملي لهم جملة مستأنفة تعليل للجملة قبلها، كأنه قيل : ما بالهم يحسبون الإملاء خيراً لهم، فقيل : إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً.
( فإن قلت ) : كيف جاز أن يكون ازدياد الإثم غرضاً لله تعالى في إملائه لهم ؟ ( قلت ) : هو علة الإملاء، وما كلّ علة بغرض.
ألا تراك تقول : قعدت عن الغزو للعجز والفاقة، وخرجت من البلد لمخافة الشرّ، وليس شيء منها بغرض لك، وإنما هي علل وأسباب.
فكذلك ازدياد الإثم جعل علة للإملاء، وسبباً فيه.
( فإن قلت ) : كيف يكون ازدياد الإثم علة للإملاء، كما كان العجز علة للقعود عن الحرب ؟ ( قلت ) : لمّا كان في علم الله المحيط بكلّ شيء أنَّهم مزدادون إثماً، فكان الإملاء وقع لأجله وبسببه على طريق المجاز انتهى كلامه.
وكله جار على طريقة المعتزلة.
وقال الماتريدي : المعتزلة تناولوها على وجهين : أحدهما : على التقديم والتأخير.
أي : ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادو إثماً، إنما نملي لهم خير لأنفسهم.
الثاني : أنّ هذا إخبار منه سبحانه وتعالى عن حسبانهم فيما يؤول إليه أمرهم في العاقبة، بمعنى أنهم حسبوا أن إمهالهم في الدّنيا وإصابتهم الصحة والسلامة والأموال خير لأنفسهم في العاقبة، بل عاقبة ذلك شرٌّ.
وفي التأويل إفساد النظم، وفي الثاني تنبيه على من لايجوز تنبيهه.
فإنّ الأخبار عن العاقبة يكون لسهو في الابتداء أو غفله، والعالم في الابتداء لا ينبه نفسه انتهى كلامه.
وكتبوا ما متصلة بأن في الموضعين.
قيل : وكان القياس الأولى في علم الخط أن تكتب مفصوله، ولكنها وقعت في الإمام متصلة فلا تخالف، ونتبع سنة الإمام في المصاحف.
وأما الثانية، فحقها أن تكتب متصلة لأنها كافة دون العمل، ولا يجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي.
ولا مصدرية، لأن لازم كي لا يصحّ وقوعها خبر للمبتدأ ولا لنواسخه.
وقيل : اللام في ليزدادوا للصيرورة.
﴿ولهم عذاب مهين﴾ هذه الواو في : ولهم، للعطف.
وقال الزمخشري :( فإن قلت ) : فما معنى قوله : ولهم عذاب مهين على هذه القراءة، يعني قراءة يحيى بن وثاب بكسر إنما الأولى وفتح الثانية ؟ ( قلت ) : معناه ولا تحسبوا أن إملاءنا الزيادة الإثم وللتعذيب، والواو للحال.
كأنه قيل : ليزدادوا إثماً معداً لهم عذاب مهين انتهى.
والذين نقلوا قراءة يحيى لم يذكروا أن أحداً قرأ الثانية بالفتح إلا هو، إنما ذكروا أنه قرأ الأولى بالكسر.
ولكنّ الزمخشري من ولوعه بنصرة مذهبه يروم رد كل شيء إليه.
ولما قرر في هذه القراءة أنّ المعنى على نهي الكافر أن يحسب إنما يملي الله لزيادة الإثم، وأنه إنما يملي لأجل الخير كان قوله : ولهم عذاب مهين يدفع هذا التفسير، فخرج ذلك على أن الواو للحال حتى يزول هذا التدافع الذي بين هذه القراءة وبين ظاهر آخر الآية.
ووصف تعالى عذابه في مقاطع هذه الآيات الثلاث : بعظيم، وأليم، ومهين.
ولكل من هذه الصفات مناسبة تقتضي ختم الآية بها.
أما الأولى فإن المسارعة في الشيء والمبادرة في تحصيله والتحلي به يقتضي جلالة ما سورع فيه، وأنه من النفاسة والعظم بحيث يتسابق فيه، فختمت الآية بعظم الثواب وهو جزاؤهم على المسارعة في الكفر إشعاراً بخساسة ما سابقوا فيه.
وأما الثانية فإنه ذكر فيها اشتراء الكفر بالإيمان، ومن عادة المشتري الاغتباط بما اشتراه والسرور به والفرح، فختمت الآية لأن صفقته خسرت بألم العذاب، كما يجده المشتري المغبون في تجارته.
وأما الثالثة فإنه ذكر الإملاء وهو الإمتاع بالمال والبنين والصحة وكان هذا الإمتاع سبباً للتعزز والتمتع والاستطاعة فختمت الآية بإهانة العذاب لهم.
وأن ذلك الإملاء المنتج عنه في الدنيا التعزز والاستطالة مآله في الآخرة إلى إهانتهم بالعذاب الذي يهين الجبابرة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وتضمنت هذه الآيات فنوناً من البلاغة والبديع.
الاختصاص في : أجر المؤمنين.
والتكرار في : يستبشرون، وفي : لن يضروا الله شيئاً، وفي : اسمه في عدة مواضع، وفي : لا يحسبن الذين كفروا، وفي ذكر الإملاء.
والطباق في : اشتروا الكفر بالإيمان، وفي : ليطلعكم على الغيب.
والاستعارة في : يسارعون، وفي : اشتروا، وفي : نملي وفي : ليزدادوا إثماً، وفي : الخبيث والطيب.
والتجنيس المماثل في : فآمنوا وإن تؤمنوا.
والالتفات في : أنتم إن كان خطاباً للمؤمنين، إذ لو جرى على لفظ المؤمنين لكان على ما هم عليه، وإن كان خطاباً لغيرهم كان من تلوين الخطاب، وفي : تعملون خبير فيمن قرأ بتاء الخطاب.
والحذف في مواضع.
والملاءة المدة من الدهر، والملوان الليل والنهار.
ويقال : ملاك الله نعمته، أي منحكها عمراً طويلاً، وقرأ حمزة تحسبنّ بتاء الخطاب، فيكون الذين كفروا مفعولاً أول.
ولا يجوز أن يكون : إنما نملي لهم خير، في موضع المفعول الثاني، لأنه ينسبك منه مصدر المفعول الثاني في هذا الباب هو الأول من حيث المعنى، والمصدر لا يكون الذات، فخرج ذلك على حذف مضاف من الأول أي : ولا تحسبن شأن الذين كفروا.
أو من الثاني أي : ولا تحسبن الذين كفروا أصحاب، أنَّ الإملاء خير لأنفسهم حتى يصح كون الثاني هو الأول.
وخرجه الأستاذ أبو الحسن بن الباذش والزمخشري : على أن يكون إنما نملي لهم خير لأنفسهم بدل من الذين.
قال ابن الباذش : ويكون المفعول الثاني حذف لدلالة الكلام عليه، ويكون التقدير : ولا تحسبن الذين كفروا خيرية إملائنا لهم كائنة أو واقعة.
وقال الزمخشري :( فإن قلت ) : كيف صح مجيء البدل ولم يذكر إلا أحد المفعولين، ولا يجوز الاقتصار بفعل الحسبان على مفعول واحد ؟ ( قلت ) : صح ذلك من حيث أن التعويل على البدل والمبدل منه في حكم المنحيّ، ألا تراك تقول : جعلت متاعك بعضه فوق بعض مع امتناع سكوتك على متاعك انتهى كلامه.
وهذا التخريج الذي خرجه ابن الباذش والزمخشري سبقهما إليه الكسائي والفراء، فالأوجه هذه القراءة التكرير والتأكيد.
التقدير : ولا تحسبن الذين كفروا، ولا تحسبن أنما نملي لهم.
قال الفرّاء ومثله : هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم، أي ما ينظرون إلا أن تأتيهم انتهى.
وقد ردّ بعضهم قول الكسائي والفراء فقال : حذف المفعول الثاني من هذه الأفعال لا يجوز عند أحد، فهو غلط منهما انتهى.
وقد أشبعنا الكلام في حذف أحد مفعولي ظن اختصاراً فيما تقدم من قول الزمخشري في قوله :﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً﴾ إن تقديره : ولا تحسبنهم.
وذكرنا هناك أنَّ مذهب ابن ملكون أنه لا يجوز ذلك، وأن مذهب الجمهور الجواز لكنه عزيز جداً بحيث لا يوجد في لسان العرب إلا نادراً وأن القرآن ينبغي أن ينزه عنه.
وعلى البدل خرج هذه القراءة أبو إسحاق الزجاج، لكن ظاهر كلامه أنها بنصب خير.
قال : وقد قرأ بها خلق كثير، وساق عليها مثالاً قول الشاعر :
| فما كان قيس هلكه هلك واحد | ولكنه بنيان قوم تهدما |
وأنكر أبو بكر بن مجاهد هذه القراءة التي حكاها الزجاج، وزعم أنه لم يقرأ بها أحد.
وابن مجاهد في باب القراءات هو المرجوع إليه.
وقال أبو حاتم : سمعت الأخفش يذكر قبح أن يحتج بها لأهل القدر لأنه كان منهم، ويجعله على التقديم والتأخير كأنه قال : ولا تحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً، إنما نملي لهم خير لأنفسهم انتهى.
وعلى مقالة الأخفش يكون إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً في موضع المفعول الثاني، وإنما نملي لهم خير مبتدأ وخبر، أي إملاؤنا لهم خير لأنفسهم.
وجاز الابتداء بأن المفتوحة، لأن مذهب الأخفش جواز ذلك.
ولإشكال هذه القراءة زعم أبو حاتم وغيره أنها لحن وردّوها.
وقال أبو علي الفارسي : ينبغي أن تكون الألف من إنما مكسورة في هذه القراءة، وتكون إن وما دخلت عليه في موضع المفعول الثاني.
وقال مكي في مشكله : ما علمت أحداً قرأ تحسبن بالتاء من فوق، وكسر الألف من إنما.
وقرأ باقي السبعة والجمهور يحسبنَّ بالياء، وإعرابُ هذه القراءة ظاهر، لأن الفاعل هو الذين كفروا، وسدّت إنما نملي لهم خير مسد مفعولي يحسبنَّ كما تقول : حسبت أن زيداً قائم.
وتحتمل ما في هذه القراءة وفي التي قبلها أن تكون موصولة بمعنى الذي، ومصدرية، أي : أن الذي نملي، وحذف العائد أي : عليه وفيه شرط جواز الحذف من كونه متصلاً معمولاً لفعل تام متعيناً للربط، أو أنَّ إملائنا خير.
وجوّز بعضهم أن يسند الفعل إلى النبي ﷺ، فيكون فاعل الغيب كفاعل الخطاب، فتكون القراءتان بمعنى واحد.
وقرأ يحيى بن وثاب : ولا يحسبن بالياء، وإنما نملي بالكسر.
فإن كان الفعل مسنداً للنبي ﷺ، فيكون المفعول الأول الذين كفروا، ويكون إنما نملي لهم جملة في موضع المفعول الثاني.
وإن كان مسنداً للذين كفروا فيحتاج يحسبن إلى مفعولين.
فلو كانت إنما مفتوحة سدت مسد المفعولين، ولكن يحيى قرأ بالكسر، فخرج على ذلك التعليق فكسرت إن، وإن لم تكن اللام في حيزها.
والجملة المعلق عنها الفعل في موضع مفعولي يحسبن، وهو بعيد : لحذف اللام نظير تعليق الفعل عن العمل، مع حذف اللام من المبتدأ كقوله :
| إني وجدت ملاك الشيمة الأدب | أي لملاك الشيمة الأدب، ولولا اعتقاد حذف اللام لنصب. |
ووجه ذلك على أن المعنى : ولا تحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً كما يفعلون، وإنما هو ليتوبوا ويدخلوا في الإيمان.
والجملة من إنما نملي لهم خير لأنفسهم اعتراض بين الفعل ومعموله، ومعناه : أن إملاءنا خير لأنفسهم إن عملوا فيه وعرفوا إنعام الله عليهم بتفسيح المدة، وترك المعاجلة بالعقوبة.
وظاهر الذين كفروا العموم.
وقال ابن عباس : نزلت في اليهود والنصارى والمنافقين.
وقال عطاء : في قريظة والنضير.
وقال مقاتل : في مشركي مكة.
وقال الزجاج : هؤلاء قوم أعلم الله نبيه أنهم لا يؤمنون أبداً، وليست في كل كافر، إذ قد يكون الإملاء مما يدخله في الإيمان، فيكون أحسن له.
وقال مكي : هذا هو الصحيح من المعاني.
وقال ابن عطية : معنى هذه الآية الرد على الكفار في قولهم : إنّ كوننا ظاهرين ممولين أصحة دليل على رضا الله بحالنا واستقامة طريقتنا عنده.
وأخبر الله تعالى أنَّ ذلك التأخير والإهمال إنما هو إملاء واستدراج لتكثير الآثام.
قال عبد الله بن مسعود : ما من نفس برّة ولا فاجرة إلا والموت خير لها أمّا البرّة فلتسرع إلى رحمة الله.
وقرأ :﴿وما عند الله خير للأبرار﴾ وأما الفاجرة فلئلا تزداد إثماً، وقرأ هذه الآية انتهى.
وقال الزمخشري : والإمّلاء لهم تحليتهم، وشأنهم مستعار من أملى لفرسه إذا أرخى له الطول ليرعى كيف شاء.
وقيل : هو إمهالهم وإطالة عمرهم، والمعنى : أن الإملاء خير لهم من منعهم أو قطع آجالهم، إنَّما نملي لهم جملة مستأنفة تعليل للجملة قبلها، كأنه قيل : ما بالهم يحسبون الإملاء خيراً لهم، فقيل : إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً.
( فإن قلت ) : كيف جاز أن يكون ازدياد الإثم غرضاً لله تعالى في إملائه لهم ؟ ( قلت ) : هو علة الإملاء، وما كلّ علة بغرض.
ألا تراك تقول : قعدت عن الغزو للعجز والفاقة، وخرجت من البلد لمخافة الشرّ، وليس شيء منها بغرض لك، وإنما هي علل وأسباب.
فكذلك ازدياد الإثم جعل علة للإملاء، وسبباً فيه.
( فإن قلت ) : كيف يكون ازدياد الإثم علة للإملاء، كما كان العجز علة للقعود عن الحرب ؟ ( قلت ) : لمّا كان في علم الله المحيط بكلّ شيء أنَّهم مزدادون إثماً، فكان الإملاء وقع لأجله وبسببه على طريق المجاز انتهى كلامه.
وكله جار على طريقة المعتزلة.
وقال الماتريدي : المعتزلة تناولوها على وجهين : أحدهما : على التقديم والتأخير.
أي : ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادو إثماً، إنما نملي لهم خير لأنفسهم.
الثاني : أنّ هذا إخبار منه سبحانه وتعالى عن حسبانهم فيما يؤول إليه أمرهم في العاقبة، بمعنى أنهم حسبوا أن إمهالهم في الدّنيا وإصابتهم الصحة والسلامة والأموال خير لأنفسهم في العاقبة، بل عاقبة ذلك شرٌّ.
وفي التأويل إفساد النظم، وفي الثاني تنبيه على من لايجوز تنبيهه.
فإنّ الأخبار عن العاقبة يكون لسهو في الابتداء أو غفله، والعالم في الابتداء لا ينبه نفسه انتهى كلامه.
وكتبوا ما متصلة بأن في الموضعين.
قيل : وكان القياس الأولى في علم الخط أن تكتب مفصوله، ولكنها وقعت في الإمام متصلة فلا تخالف، ونتبع سنة الإمام في المصاحف.
وأما الثانية، فحقها أن تكتب متصلة لأنها كافة دون العمل، ولا يجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي.
ولا مصدرية، لأن لازم كي لا يصحّ وقوعها خبر للمبتدأ ولا لنواسخه.
وقيل : اللام في ليزدادوا للصيرورة.
﴿ولهم عذاب مهين﴾ هذه الواو في : ولهم، للعطف.
وقال الزمخشري :( فإن قلت ) : فما معنى قوله : ولهم عذاب مهين على هذه القراءة، يعني قراءة يحيى بن وثاب بكسر إنما الأولى وفتح الثانية ؟ ( قلت ) : معناه ولا تحسبوا أن إملاءنا الزيادة الإثم وللتعذيب، والواو للحال.
كأنه قيل : ليزدادوا إثماً معداً لهم عذاب مهين انتهى.
والذين نقلوا قراءة يحيى لم يذكروا أن أحداً قرأ الثانية بالفتح إلا هو، إنما ذكروا أنه قرأ الأولى بالكسر.
ولكنّ الزمخشري من ولوعه بنصرة مذهبه يروم رد كل شيء إليه.
ولما قرر في هذه القراءة أنّ المعنى على نهي الكافر أن يحسب إنما يملي الله لزيادة الإثم، وأنه إنما يملي لأجل الخير كان قوله : ولهم عذاب مهين يدفع هذا التفسير، فخرج ذلك على أن الواو للحال حتى يزول هذا التدافع الذي بين هذه القراءة وبين ظاهر آخر الآية.
ووصف تعالى عذابه في مقاطع هذه الآيات الثلاث : بعظيم، وأليم، ومهين.
ولكل من هذه الصفات مناسبة تقتضي ختم الآية بها.
أما الأولى فإن المسارعة في الشيء والمبادرة في تحصيله والتحلي به يقتضي جلالة ما سورع فيه، وأنه من النفاسة والعظم بحيث يتسابق فيه، فختمت الآية بعظم الثواب وهو جزاؤهم على المسارعة في الكفر إشعاراً بخساسة ما سابقوا فيه.
وأما الثانية فإنه ذكر فيها اشتراء الكفر بالإيمان، ومن عادة المشتري الاغتباط بما اشتراه والسرور به والفرح، فختمت الآية لأن صفقته خسرت بألم العذاب، كما يجده المشتري المغبون في تجارته.
وأما الثالثة فإنه ذكر الإملاء وهو الإمتاع بالمال والبنين والصحة وكان هذا الإمتاع سبباً للتعزز والتمتع والاستطاعة فختمت الآية بإهانة العذاب لهم.
وأن ذلك الإملاء المنتج عنه في الدنيا التعزز والاستطالة مآله في الآخرة إلى إهانتهم بالعذاب الذي يهين الجبابرة.
الاختصاص في : أجر المؤمنين.
والتكرار في : يستبشرون، وفي : لن يضروا الله شيئاً، وفي : اسمه في عدة مواضع، وفي : لا يحسبن الذين كفروا، وفي ذكر الإملاء.
والطباق في : اشتروا الكفر بالإيمان، وفي : ليطلعكم على الغيب.
والاستعارة في : يسارعون، وفي : اشتروا، وفي : نملي وفي : ليزدادوا إثماً، وفي : الخبيث والطيب.
والتجنيس المماثل في : فآمنوا وإن تؤمنوا.
والالتفات في : أنتم إن كان خطاباً للمؤمنين، إذ لو جرى على لفظ المؤمنين لكان على ما هم عليه، وإن كان خطاباً لغيرهم كان من تلوين الخطاب، وفي : تعملون خبير فيمن قرأ بتاء الخطاب.
والحذف في مواضع.