زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ في سبب نزولها خمسة أقوال :
أحدها : أن قريشا قالت : تزعم يا محمد أن من اتبعك، فهو في الجنة، ومن خالفك فهو في النار ؟ ! فأخبرنا بمن يؤمن بك، ومن لا يؤمن، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس.
والثاني : أن المؤمنين سألوا أن يعطوا علامة يفرقون بها بين المؤمن والمنافق. فنزلت هذه الآية، هذا قول أبي العالية.
والثالث : أن النبي ﷺ، قال : عرضت عليّ أمتي، وأعلمت من يؤمن بي، ومن يكفر، فبلغ ذلك المنافقين، فاستهزؤوا، وقالوا : فنحن معه ولا يعرفنا، فنزلت هذه الآية، هذا قول السدي.
والرابع : أن اليهود قالت : يا محمد قد كنتم راضين بديننا، فكيف بكم لو مات بعضكم قبل نزول كتابكم ؟ ! فنزلت هذه الآية. هذا قول عمر مولى غفرة.
والخامس : أن قوما من المنافقين، ادّعوا أنهم في إيمانهم مثل المؤمنين، فأظهر الله نفاقهم يوم أحد، وأنزل هذه الآية. هذا قول أبي سليمان الدمشقي.
وفي المخاطب بهذه الآية قولان :
أحدهما : أنهم الكفار، والمنافقون، وهو قول ابن عباس، والضحاك.
والثاني : أنهم المؤمنون، فيكون المعنى : ما كان الله ليذركم على ما أنتم عليه من التباس المؤمن بالمنافق. قال الثعلبي : وهذا قول أكثر أهل المعاني.
قوله تعالى :﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيّبِ﴾ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر ﴿حَتَّى يَمِيزَ﴾ و﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ﴾ بفتح الياء والتخفيف. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، ويعقوب :" يميز " بالتشديد، وكذلك في [الأنفال: ٣٧]، ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ﴾.
قال أبو علي : مزت وميّزت لغتان. قال ابن قتيبة : ومعنى يميز : يخلص. فأما الطيب، فهو المؤمن. وفي الخبيث قولان :
أحدهما : أنه المنافق، قاله مجاهد، وابن جريج.
والثاني : الكافر، قاله قتادة، والسدي، وفي الذي وقع به التمييز بينهم ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه الهجرة والقتال، قاله قتادة، وهو قول من قال : الخبيث : الكافر.
والثاني : أنه الجهاد، وهو قول من قال : هو المنافق. قال مجاهد : فميّز الله يوم أحد بين المؤمنين والمنافقين، حيث أظهروا النفاق وتخلفوا.
والثالث : أنه جميع الفرائض والتكاليف، فإن المؤمن مستور الحال بالإقرار، فإذا جاءت التكاليف بان أمره، هذا قول ابن كيسان.
وفي المخاطب بقوله :﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ قولان :
أحدهما : أنهم كفار قريش، فمعناه : ما كان الله ليبين لكم المؤمن من الكافر، لأنهم طلبوا ذلك فقالوا : أخبرنا بمن يؤمن، ومن لا يؤمن، هذا قول ابن عباس.
والثاني : أنه النبي ﷺ، فمعناه : وما كان الله ليطلع محمدا على الغيب، قاله السدي. و﴿يَجْتَبي﴾ بمعنى : يختار، قاله الزجاج، وغيره. فمعنى الكلام على القول الأول : أن الله لا يطلع على الغيب أحدا إلا الأنبياء الذين اجتباهم، وعلى القول الثاني : أن الله لا يطلع على الغيب أحدا، إلا أنه يجتبي من يشاء فيطلعه على ما يشاء.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى