الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿الصَّابِرِينَ﴾ : في أداء الأمر، وعن ارتكاب الزنى وعلى البأساء والضرَّاء وحين البأس. وإن شئت نصبتها وأخواتها على المدح، وإن شئت خفضتها على النعت.
﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ : في إيمانهم، قال قتادة : هم قوم صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وألسنتهم فصدقوا في السر والعلانية ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ : المطيعين المصلين.
﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ : أموالهم في طاعة الله.
وعن أبي حازم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :" إنَّ للهِ ملكاً ينادي : اللهم اعط مُنفقاً خلفاً، واعطِ ممسكاً تلفاً ".
﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ : قال مجاهد، والضحاك، وقتادة، والكلبي، والواقدي : يعني المصلين بالأسحار. نظير قوله :
﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] أي يصلَّون.
وقال يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي الزهري قال : قلت لزيد بن أسلم : من المستغفرين بالأسحار ؟ قال : هم الذين يشهدون الصبح.
وكذلك قال ابن كيسان : يعني صلاة الصَّبح في المسجد.
وقال الحسن : صلَّوا الصلاة إلى السحر ثم استغفروا.
قال نافع : كان ابن عمي يُحيي الليل، ثم يقول : يا نافع أسحرنا ؟ فأقول : لا، فيعاود الصلاة، وإذا قلت : نعم، فيستغفر الله ويدعو حتى الصبح.
وروى إبراهيم بن حاطب عن أبيه قال : سمعتُ رجلاً في السحر يتهجّد في المسجد وهو يقول : ربَّ أمرتني فأطعتك، وهذا سَحَر فاغفر لي. فنظرتُ فإذا هو ابن مسعود ( رضي الله عنه ).
وروى صالح وحماد بن سلمة عن ثابت وأبان وجعفر بن زيد عن أنس بن مالك قال :
" سمعتُ رسول الله ﷺ يقول : إنَّ الله عزَّ وجل يقول :" إني لأهمُّ بأهل الأرض عذاباً ؛ فإذا نظرتُ إلى عمَّار بيوتي وإلى المتهجدين وإلى المتحابين فيَّ، وإلى المستغفرين بالأسحار صرفت عنهم ".
محمد بن راذان عن أم سعد قالت :" سمعتُ رسول الله ﷺ يقول :" إنَّ ثلاثة أصوات يحبهم الله عزَّ وجلَّ ؛ صوت الديك، وصوت الذي يقرأ القرآن، وصوت المستغفرين بالأسحار ".
حمّاد بن سلمة عن سعيد الجريري قال : بلغنا أنَّ داود نبي الله سأل جبرائيل ( عليه السلام ) : أي الليل أفضل ؟ فقال : ما أدري إلا أنَّ العرش يهتز من السَحَر.
وقال سفيان الثوري : إنَّ لله ريحاً يقال لها : الصبَّحية تهب وقت الأسحار تحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبّار.
قال سفيان أنَّهُ إذا كان من أوّل الليل، نادى مناد : ألا ليقم العابدون، فيقومون فيصلّون ما شاء الله، ثم ينادي مناد في شطر الليل : ليقم القانتون، فيقومون كذلك يصلَّون إلى السَحَر.
فإذا كان نادى مناد : ألا ليقم المستغفرون، فيقومون فيستغفرون، ويقوم آخرون يصلَّون فيلحقون بهم. فإذا طلع الفجر نادى مناد : اللهم ليقم الغافلون فيقومون، من فراشهم كأنهم نشروا من قبورهم.
وقال لقمان لابنهِ :" يا بُني لا يكون الديك أكيس منك، ينادي بالأسحار وأنت نائم ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى