المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
والصبر في هذه الآية معناه على الطاعات وعلى المعاصي والشهوات، والصدق معناه في الأقوال والأفعال، والقنوت، الطاعة والدعاء أيضاً، وبكل يتصف المتقي. والإنفاق معناه في سبيل الله ومظان الأجر كالصلة للرحم وغيرها، ولا يختص هذا الإنفاق بالزكاة المفروضة. والاستغفار طلب المغفرة من الله تعالى، وخص تعالى السحر لما فسر النبي ﷺ في قوله، ينزل ربنا عز وجل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول، من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر(١).
وروي في تفسير قول يعقوب عليه السلام : سوف أستغفر لكم ربي، أنه أخر الأمر إلى السحر(٢)، وروى إبراهيم بن حاطب(٣) عن أبيه قال : سمعت رجلاً في السحر في ناحية المسجد يقول : رب أمرتني فأطعتك، وهذا سحر فاغفر لي، فنظرت فإذا ابن مسعود(٤)، وقال أنس بن مالك : أمرنا أن نستغفر بالسحر سبعين استغفارة(٥)، وقال نافع : كان ابن عمر يحيي الليل صلاة ثم يقول : يا نافع آسحرنا ؟ فأقول : لا، فيعاود الصلاة ثم يسأل، فإذا قلت نعم قعد يستغفر(٦)، فلفظ الآية إنما يعطي طلب المغفرة، وهكذا تأوله من ذكرناه من الصحابة، وقال قتادة : المراد بالآية المصلون بالسحر، وقال زيد بن أسلم : المراد بها الذين يصلون صلاة الصبح في جماعة وهذا كله يقترن به الاستغفار، والسحر، بفتح الحاء وسكونها آخر الليل، قال الزجاج وغيره : هو قبل طلوع الفجر، وهذا صحيح لأن ما بعده الفجر هو من اليوم لا من الليلة، وقال بعض اللغوين : السحر من ثلث الليل الآخر إلى الفجر.
قال الفقيه الإمام : والحديث في التنزل و هذه الآية في الاستغفار يؤيدان هذا، وقد يجيء في أشعار العرب ما يقتضي أن حكم السحر يستمر فيما بعد الفجر نحو قول إمرىء القيس :[ المتقارب ]
يَعُلُّ بهِ بَرْدَ أنْيابِها. . . إذا غَرَّدَ الطَّائِرُ المُسْتَحِرْ(٧)
يقال : أسحر واستحر إذا دخل في السحر، وكذلك قولهم : نسيم السحر، يقع لما بعد الفجر، وكذلك قول الشاعر :[ ربيع بن زياد ] (٨)
تجد النساء حواسراً يندبنه. . . قد قمن قبل تبلج الأسحار
فقد قضى أن السحر يتبلج بطلوع الفجر، ولكن حقيقة السحر في هذه الأحكام الشرعية من الاستغفار المحمود، ومن سحور الصائم، ومن يمين لو وقعت إنما هي من ثلث الليل الباقي إلى السحر.
١ - أخرجه الصحيحان وغيرهما من أصحاب المسانيد والسنن بروايات مختلفة، (فتح القدير، وابن كثير، ومجمع الزوائد. ١/١٥٣)..
٢ - أخرجه أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود. (فتح القدير ٣/٥٢). والآية هي رقم (٩٨) من سورة يوسف..
٣ - لعله إبراهيم بن عبد الله بن الحارث بن حاطب الجمحي، روى عن عبد الله بن دينار وعطاء بن أبي رباح والثقات، وقال ابن القطان: لا يعرف حاله. (تهذيب التهذيب ١/١٣٣)..
٤ - انظر تفسير الطبري ٣/ ٢٠٨، وابن كثير ٢/٢٠..
٥ - أخرجه عنه ابن جرير وابن مردويه. (فتح القدير ١/٢٩٤).
٦ - رواه ابن أبي حاتم وفيه: هل جاء السحر؟ بدل "أسحرنا" (تفسير ابن كثير ٢/٢٠)..
٧ - العلّ: السقي أو الشرب ثانية، والبرد: الرقيق، واستحر الطائر: غرّد بسحر، والطائر المستحر هو الديك هنا؛ والضمير في "به" يعود إلى الشراب..
٨ - هو الربيع بن زياد العبسي يقوله في رثاء مالك بن زهير، (الأغاني ١٧/١٣٠ ط. دار الثقافة، بيروت)، وقد روى صاحب الأغاني بيتا آخر في القصيدة نفسها مشبها لهذا المثبت هنا، وهو:
من مثله تمسي النساء حواسرا وتقوم معولة مع الأسحار
وقبل البيت الذي ذكره ابن عطية بيت آخر هو:
من كان مسرورا بمقتل مالك فليأت نسوتنا بوجه نهار.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى