تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
شهد(١) تعالى - وكفى به شهيدا، وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم، وأصدق القائلين - ﴿أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أي : المتفَرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه، والفقراء إليه، وهو الغني عما سواه كما قال تعالى :﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزلَ إِلَيْكَ أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ(٢) شَهِيدًا﴾ الآية [النساء: ١٦٦].
ثم قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته فقال :﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام.
﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ منصوب على الحال، وهو في جميع الأحوال كذلك.
﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ تأكيد لما سبق ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ العزيز : الذي لا يرام جنابه عظمةً وكبرياء، الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بَقِيَّة بن الوليد، حدثني جبير بن عَمْرو القرشي، حدثنا أبو سَعِيد(٣) الأنصاري، عن أبي يحيى مولى آل الزبير بن العوام، عن الزبير بن العوام، قال : سمعت رسول الله ﷺ وهو بعرفةَ يقرأ هذه الآية :﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ " وأَنَا عَلَى ذلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ يا رَبِّ " (٤).
وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، فقال : حدثنا علي بن حسين، حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، حدثنا عُمَر بن حفص بن ثابت أبو سعيد الأنصاري، حدثنا عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده، عن الزبير قال : سمعت رسول الله ﷺ حين قرأ هذه الآية :﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ﴾ قال :" وأَنَا أشْهَدُ أيْ رَبِّ " (٥).
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير : حدثنا عبدان بن أحمد وعلي بن سعيد الرازي قالا حدثنا عَمَّار بن عمر بن المختار، حدثني أبي، حدثني غالب القطان قال : أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريبا من الأعمش، فلما كانت ليلة أردتُ أن أنْحَدِرَ قام فتهجد من الليل، فمر بهذه الآية :﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ ثم قال الأعمش : وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة :﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ قالها مرارا. قلت : لقد سمع فيها شيئا، فغدوت إليه فودعته، ثم قلت : يا أبا محمد، إني سمعتك تردد هذه الآية. قال : أو ما بلغك ما فيها ؟ قلت : أنا عندك منذ شهر لم تحدثني. قال : والله لا أحدثك بها إلى سنة. فأقمت سنة فكنت على بابه، فلما مضت السنة قلت : يا أبا محمد، قد مضت السنة. قال : حدثني أبو وائل، عن عبد الله قال : قال رسول الله ﷺ :" يُجَاءُ بِصَاحِبِهَا يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَقُولُ الله عز وجل : عَبْدِي عَهِدَ إلَيَّ، وأنَا أحَقُّ مَن وَفَّى بالْعَهْدِ، أدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ " (٦).
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وذكر ابن جرير أن ابن عباس قرأ :﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ بكسر إنه وفتح ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ أي : شهد هو وملائكته وأولو العلم من البشر بأن الدين عند الله الإسلام. والجمهور قرأوها بالكسر على الخبر، وكلا المعنيين صحيح. ولكن هذا على قول الجمهور أظهر والله أعلم.
ثم أخبر تعالى بأن(٣) الذين أوتوا الكتاب الأول إنما اختلفوا بعد ما قامت عليهم الحجة، بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، فقال :﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي : بغى بعضهم على بعض، فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بُغْض البَعْض الآخر(٤) على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله، وإن كانت حقا.


١ في و: "يشهد"..
٢ في جـ، ر: "به" وهو خطأ..
٣ في أ، و: "أبو سعد"..
٤ المسند (١/١٦٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/٣٢٥): "في إسناده مجاهيل"..
٥ تفسير ابن أبي حاتم (٢/١٤٦) وفي إسناده مجاهيل"..

وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير : حدثنا عبدان بن أحمد وعلي بن سعيد الرازي قالا حدثنا عَمَّار بن عمر بن المختار، حدثني أبي، حدثني غالب القطان قال : أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريبا من الأعمش، فلما كانت ليلة أردتُ أن أنْحَدِرَ قام فتهجد من الليل، فمر بهذه الآية :﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ ثم قال الأعمش : وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة :﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ قالها مرارا. قلت : لقد سمع فيها شيئا، فغدوت إليه فودعته، ثم قلت : يا أبا محمد، إني سمعتك تردد هذه الآية. قال : أو ما بلغك ما فيها ؟ قلت : أنا عندك منذ شهر لم تحدثني. قال : والله لا أحدثك بها إلى سنة. فأقمت سنة فكنت على بابه، فلما مضت السنة قلت : يا أبا محمد، قد مضت السنة. قال : حدثني أبو وائل، عن عبد الله قال : قال رسول الله ﷺ :" يُجَاءُ بِصَاحِبِهَا يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَقُولُ الله عز وجل : عَبْدِي عَهِدَ إلَيَّ، وأنَا أحَقُّ مَن وَفَّى بالْعَهْدِ، أدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ " (٦).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى