محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٨ من سورة آل عمران في ١٢١ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٢١ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٨ من سورة آل عمران

١٢١ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿شَهِدَ اللّهُ أَنّهُ لاَ إِلََهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلََهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
يعني بذلك جل ثناؤه : شهد الله أنه لا إله إلا هو، وشهدت الملائكة، وأولو العلم. فالملائكة معطوف بهم على اسم الله، و«أنه » مفتوحة بشَهِد.
وكان بعض البصريين يتأول قوله شهد الله : قضى الله، ويرفع «الملائكة »، بمعنى : والملائكة شهود وأولو العلم. وهكذا قرأت قراء أهل الإسلام بفتح الألف من أنه على ما ذكرت من إعمال «شهد » في «أنه » الأولى وكسر الألف من «إنّ » الثانية وابتدائها، سوى أن بعض المتأخرين من أهل العربية كان يقرأ ذلك جميعا بفتح ألفيهما، بمعنى : شهد الله أنه لا إلَه إلا هو، وأن الدين عند الله الإسلام، فعطف بأنّ الدين على «أنه » الأولى، ثم حذف واو العطف وهي مرادة في الكلام. واحتج في ذلك بأن ابن عباس قرأ ذلك :«شَهِدَ اللّهُ إنّهُ لا إلَهَ إلاّ هُوَ ». . . الآية، ثم قال :﴿أنّ الدّينَ﴾ بكسر «إن » الأولى وفتح «أنّ » الثانية بإعمال «شهد » فيها، وجعل «أن » الأولى اعتراضا في الكلام غير عامل فيها «شهد »¹ وأن ابن مسعود قرأ :﴿شَهِدَ اللّهُ أنّهُ لا إلَهَ إلاّ هُوَ﴾ بفتح «أنّ »، وكسر
«إنّ » من :﴿إنّ الدّينَ عِنْدَ اللّهِ الإسْلامُ﴾ على معنى إعمال الشهادة في «أن » الأولى و«أنّ » الثانية مبتدأة، فزعم أنه أراد بقراءته إياهما بالفتح جمع قراءة ابن عباس وابن مسعود. فخالف بقراءته ما قرأ من ذلك على ما وصفت جميع قراء أهل الإسلام المتقدمين منهم والمتأخرين، بدعوى تأويل على ابن عباس وابن مسعود زعم أنهما قالاه وقرآ به، وغير معلوم ما ادعى عليهما برواية صحيحة، ولا سقيمة. وكفى شاهدا على خطإ قراءته خروجها من قراءة أهل الإسلام. فالصواب إذ كان الأمر على ما وصفنا من قراءة ذلك فتح الألف من «أنه » الأولى، وكسر الألف من «إنّ » الثانية، أعني من قوله :﴿إنّ الدّينَ عِنْدَ اللّهِ الإسْلام﴾ ابتداء.
وقد رُوي عن السدي في تأويل ذلك قول كالدّال على تصحيح ما قرأ به في ذلك من ذكرنا قوله من أهل العربية في فتح
«أن » من قوله :﴿أنّ الدّينَ﴾ وهو ما :
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط عن السدي :﴿شَهِدَ اللّهُ أنّهُ لاَ إلَهَ إلاّ هُوَ وَالمَلاَئِكَةُ﴾ إلى :﴿لا إلَهَ إلاّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فإن الله يشهد هو والملائكة والعلماء من الناس أن الدين عند الله الإسلام.
فهذا التأويل يدل على أن الشهادة إنما هي عامة في «أن » الثانية التي في قوله :﴿أنّ الدّينَ عِندَ اللّهِ الإسْلام﴾ فعلى هذا التأويل جائز في «أن » الأولى وجهان من التأويل : أحدهما أن تكون الأولى منصوبة على وجه الشرط، بمعنى : شهد الله بأنه واحد، فتكون مفتوحة بمعنى الخفض في مذهب بعض أهل العربية، وبمعنى النصب في مذهب بعضهم، والشهادة عاملة في «أنّ » الثانية، كأنك قلت : شهد الله أن الدين عند الله الإسلام، لأنه واحد، ثم تقدم «لأنه واحد » فتفتحها على ذلك التأويل.
والوجه الثاني : أن تكون «إن » الأولى مكسورة بمعنى الابتداء لأنها معترض بها، والشهادة واقعة على «أن » الثانية، فيكون معنى الكلام : شهد الله فإنه لا إلَه إلا هو والملائكة، أن الدين عند الله الإسلام، كقول القائل : أشهد فإني محق أنك مما تعاب به بريء، ف«إنّ » الأولى مكسورة لأنها معترضة، والشهادة واقعة على «أن » الثانية.
وأما قوله :﴿قائما بالقِسطِ﴾ فإنه بمعنى أنه الذي يلي العدل بين خلقه. والقسط : هو العدل، من قولهم : هو مقسط، وقد أقسط، إذا عدل، ونصب «قائما » على القطع.
وكان بعض نحويي أهل البصرة يزعم أنه حال من «هو » التي في «لا إلَه إلا هو ».
وكان بعض نحويي الكوفة يزعم أنه حال من اسم الله الذي مع قوله :﴿شَهِدَ اللّهُ﴾ فكان معناه : شهد الله القائم بالقسط أنه لا إلَه إلا هو. وقد ذكر أنها في قراءة ابن مسعود كذلك :«وأولُو العِلْمِ القَائِمُ بالقِسْطِ »، ثم حذفت الألف واللام من القائم فصار نكرة وهو نعت لمعرفة، فنصب.
وأولى القولين بالصواب في ذلك عندي قول من جعله قطعا على أنه من نعت الله جل ثناؤه، لأن الملائكة وأولي العلم معطوفون عليه، فكذلك الصحيح أن يكون قوله «قائما » حالاً منه.
وأما تأويل قوله :﴿لا إلَهَ إلاّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فإنه نفى أن يكون شيء يستحق العبودية غير الواحد الذي لا شريك له في ملكه. ويعني بالعزيز : الذي لا يمتنع عليه شيء أراده، ولا ينتصر منه أحد عاقبة أو انتقم منه، الحكيم في تدبيره، فلا يدخله خلل.
وإنما عنى جل ثناؤه بهذه الاَية نفي ما أضافت النصارى الذين حاجوا رسول الله ﷺ في عيسى من البنوة، وما نسب إليه سائر أهل الشرك من أن له شريكا، واتخاذهم دونه أربابا. فأخبرهم الله عن نفسه أنه الخالق كل ما سواه، وأنه رب كل ما اتخذه كل كافر وكل مشرك ربا دونه، وأن ذلك مما يشهد به هو وملائكته وأهل العلم به من خلقه. فبدأ جل ثناؤه بنفسه تعظيما لنفسه، وتنزيها لها عما نسب الذين ذكرنا أمرهم من أهل الشرك به ما نسبوا إليها، كما سن لعباده أن يبدءوا في أمورهم بذكره قبل ذكر غيره، مؤدبا خلقه بذلك.
والمراد من الكلام : الخبر عن شهادة من ارتضاهم من خلقه فقدموه من ملائكته وعلماء عباده، فأعلمهم أن ملائكته التي يعظمها العابدون غيره من أهل الشرك ويعبدها الكثير منهم وأهلَ العلم منهم منكرون ما هم عليه مقيمون من كفرهم، وقولهم في عيسى وقول من اتخذ ربا غيره من سائر الخلق، فقال شهدت الملائكة وأولو العلم أنه لا إلَه إلا هو، وأن كل من اتخذ ربا دون الله فهو كاذب¹ احتجاجا منه لنبيه عليه الصلاة والسلام على الذين حاجوه من وفد نجران في عيسى، واعترض بذكر الله وصفته على ما نبينه، كما قال جل ثناؤه :﴿وَاعْلَمُوا أنّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنّ لِلّهِ خُمُسَهُ﴾ افتتاحا باسمه الكلام، فكذلك افتتح باسمه والثناء على نفسه الشهادة بما وصفنا من نفي الألوهة من غيره وتكذيب أهل الشرك به. فأما ما قال الذي وصفنا قوله من أنه عَنَى بقوله شهد : قضى، فمما لا يعرف في لغة العرب ولا العجم، لأن الشهادة معنى، والقضاء غيرها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك رُوي عن بعض المتقدمين القول في ذلك.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير :﴿شَهِدَ اللّهُ أنّهُ لاَ إلَهَ إلاّ هُوَ وَالمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ بخلاف ما قالوا، يعني : بخلاف ما قال وفد نجران من النصارى، ﴿قائما بالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿بالقِسْطِ﴾ بالعدل.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
ذكر من قال ذلك:
٦٧٥٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسماعيل بن مسلمة أخو الق عنبي قال، (١) حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن قال، قلت لزيد بن أسلم: مَنْ"المستغفرين بالأسحار"، قال: هم الذين يشهدون الصّبح.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل قوله:"والمستغفرين بالأسحار"، قول من قال: هم السائلون ربهم أن يستر عليهم فضيحتهم بها.
* * *
="بالأسحار" وهى جمع"سَحَر".
* * *
وأظهر معاني ذلك أن تكون مسألتهم إياه بالدعاء. وقد يحتمل أن يكون معناه: تعرّضهم لمغفرته بالعمل والصلاة، غيرَ أنّ أظهر معانيه ما ذكرنا من الدعاء.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: شهد الله أنه لا إله إلا هو، وشهدت الملائكة، وأولو العلم.
=فـ"الملائكة" معطوف بهم على اسم"الله"، و"أنه" مفتوحة بـ"شهد".
* * *
قال أبو جعفر: وكان بعض البصريين يتأول قوله:"شهد الله"، قضى الله، ويرفع"الملائكة"، بمعنى: والملائكة شهود وأولو العلم. (٢)
* * *
(١) أخوه هو: "عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثي القعنبي"، شيخ البخاري ومسلم وأبي داود.
(٢) هذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن ١: ٨٩، ولم يسمه الطبري، بل قال"بعض البصريين". وانظر رد الطبري قوله في ص: ٢٧٢.
وهكذا قرأت قرأة أهل الإسلام بفتح الألف من"أنه"، على ما ذكرت من إعمال"شهد" في"أنه" الأولى، وكسر الألف من"إن" الثانية وابتدائها. (١) سوى أنّ بعض المتأخرين من أهل العربية، (٢) كان يقرأ ذلك جميعًا بفتح ألفيهما، بمعنى: شهد الله أنه لا إله إلا هو، وأنّ الدين عند الله الإسلام - فعطف بـ"أن الدين" على"أنه" الأولى، ثم حذف"واو" العطف، وهى مرادة في الكلام. واحتج في ذلك بأن ابن عباس قرأ ذلك: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ) الآية. ثم قال:"أنّ الدين"، بكسر"إنّ" الأولى، وفتح"أنّ" الثانية بإعمال"شهد" فيها، وجعل"أن" الأولى اعتراضًا في الكلام غير عامل فيها"شَهد" = وأن ابن مسعود قرأ:"شهد الله أنه لا إله إلا هو" بفتح"أن" وكسر"إنّ" من:"إنّ الدّين عند الله الإسلام" = على معنى إعمال"الشهادة" في"أن" الأولى، و"أن" الثانية مبتدأة. فزعم أنه أراد بقراءته إياهما بالفتح، جمع قراءة ابن عباس وابن مسعود. (٣) فخالف بقراءته ما قرأ من ذلك على ما وصفت، جميعَ قرأة أهل الإسلام المتقدّمين منهم والمتأخرين، بدعوى تأويلٍ على ابن عباس وابن مسعود، زعم أنهما قالاه وقرآ به. وغيرُ معلوم ما ادّعى عليهما برواية صحيحة ولا سقيمة. وكفى شاهدًا على خطأ قراءته، خروجها من قراءة أهل الإسلام.
* * *
قال أبو جعفر: فالصواب إذ كان الأمر على ما وصفنا من قراءة ذلك - فتحُ الألف من"أنه" الأولى، وكسر الألف من"إنّ" الثانية، أعني من قوله:
(١) يعني، في قوله في صدر الآية التالية: "إن الدين عند الله الإسلام".
(٢) هو الكسائي، انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٠٠ وتفسير القرطبي ٤: ٤٢، ٤٣.
(٣) انظر معاني القرآن للفراء ١: ١٩٩-٢٠٠.
"إنّ الدين عند الله الإسلام"، ابتداءً.
* * *
وقد روي عن السدي في تأويل ذلك قول كالدالّ على تصحيح ما قرأ به في ذلك من ذكرنا قوله من أهل العربية، في فتح"أنّ" من قوله:"أنّ الدين"، وهو ما:-
٦٧٦٠ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة" إلى"لا إله إلا هو العزيز الحكيم"، (١) قال: الله يشهد هو والملائكة والعلماء من الناس: أنّ الدين عند الله الإسلام.
* * *
فهذا التأويل يدل على أن"الشهادة" إنما هي عاملة في"أنّ" الثانية التي في قوله:"أن الدين عند الله الإسلام". فعلى هذا التأويل جائز في"أن" الأولى وجهان من التأويل: (٢)
= أحدهما: أن تكون الأولى منصوبةً على وجه الشرط، بمعنى: شهد الله بأنه واحد = فتكون مفتوحة بمعنى الخفض في مذهب بعض أهل العربية، وبمعنى النصب في مذهب بعضهم ="والشهادة" عاملة في"أن" الثانية، كأنك قلت: شهد الله أن الدّين عند الله الإسلام، لإنه واحدٌ، ثم تقدم"لأنه واحد"، فتفتحها على ذلك التأويل.
= والوجه الثاني: أن تكون"إنّ" الأولى مكسورة بمعنى الابتداء، لأنها معترضٌ بها،"والشهادة" واقعة على"أنّ" الثانية: فيكون معنى الكلام: شهد
(١) في المطبوعة: "فإن الله يشهد"، وفي المخطوطة: فأن الله يشهد"، وكأن صواب قراءتها ما أثبت.
(٢) في المطبوعة: "في أن في الأولى وجهان"، أما المخطوطة فقد وضع فوق"أن""في" صغيرة. كأنه أراد: "جائز في الأولى"، بحذف"أن"، لأنه لم يضع علامة تدل على الزيادة. فلذلك أسقطتها.
الله = فإنه لا إله إلا هو - والملائكة، أنّ الدين عند الله الإسلام، كقول القائل:"أشهد - فإني محقٌ - أنك مما تعاب به برئ"، فـ"إن" الأولى مكسورة، لأنها معترضة،"والشهادة" واقعة على"أنّ" الثانية. (١)
* * *
قال أبو جعفر: وأما قوله:"قائمًا بالقسط"، فإنه بمعنى: أنه الذي يلي العدل بين خلقه.
* * *
"والقسط"، هو العدل، من قولهم:"هو مقسط" و"قد أقسط"، إذا عَدَل. (٢)
* * *
ونصب"قائمًا" على القطع. (٣)
* * *
وكان بعض نحويي أهل البصرة يزعم أنه حال من"هو" التي في"لا إله إلا هو".
* * *
وكان بعض نحويي الكوفة يزعم أنه حالٌ من اسم"الله" الذي مع قوله:"شهد الله"، فكان معناه: شهد الله القائمُ بالقسط أنه لا إله إلا هو. وقد ذُكر أنها في قراءة ابن مسعود كذلك: (وَأُولُو الْعِلْمِ الْقَائِمُ بِالْقِسْطِ)، ثم حذفت"الألف واللام" من"القائم"، فصار نكرة وهو نعت لمعرفة، فنصب.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب في ذلك عندي، قولُ من جعله قَطعًا، (٤)
(١) انظر بيان ذلك أيضًا في معاني القرآن للفراء ١: ٢٠٠.
(٢) انظر تفسير"القسط" فيما سلف ص: ٧٧.
(٣) "القطع" هو الحال، كما سلف منذ قريب: ص: ٢٦١. تعليق: ٣. وقد بينه الفراء في كلامه في معاني القرآن ١: ٢٠٠ إذ قال: "منصوب على القطع، لأنه نكرة نعت به معرفة". وبين أن الحال ضرب من النعت. تقول: "جاءني زيد الراكب" بالرفع، فيكون نعتًا لأنه معرفة نعت بمعرفة، فإذا نعته بالنكرة لم يجز أن تقول: "جاءني زيد راكب" بالرفع، إلا أن تجعله بدلا من المعرفة، وإنما الوجه أن تقطعه عن إعراب النعت، فتنصبه، فيكون حالا. فذلك تفسير"القطع" على أنه الحال ولم أجد تفسيره في كتاب مما بين يدي. وهو من اصطلاح أهل الكوفة فيما أرجح، لاستعمال الفراء إياه، ولذكر الطبري له في مقالة الكوفيين كثيرًا، كما سلف. وكما سيتبين من قول الطبري بعد ذلك"أنه حال" في الجمل الآتية.
(٤) "القطع" هو الحال، كما سلف منذ قريب: ص: ٢٦١. تعليق: ٣. وقد بينه الفراء في كلامه في معاني القرآن ١: ٢٠٠ إذ قال: "منصوب على القطع، لأنه نكرة نعت به معرفة". وبين أن الحال ضرب من النعت. تقول: "جاءني زيد الراكب" بالرفع، فيكون نعتًا لأنه معرفة نعت بمعرفة، فإذا نعته بالنكرة لم يجز أن تقول: "جاءني زيد راكب" بالرفع، إلا أن تجعله بدلا من المعرفة، وإنما الوجه أن تقطعه عن إعراب النعت، فتنصبه، فيكون حالا. فذلك تفسير"القطع" على أنه الحال ولم أجد تفسيره في كتاب مما بين يدي. وهو من اصطلاح أهل الكوفة فيما أرجح، لاستعمال الفراء إياه، ولذكر الطبري له في مقالة الكوفيين كثيرًا، كما سلف. وكما سيتبين من قول الطبري بعد ذلك"أنه حال" في الجمل الآتية.
على أنه من نعت الله جل ثناؤه، لأن"الملائكة وأولي العلم"، معطوفون عليه. فكذلك الصحيح أن يكون قوله:"قائمًا" حالا منه.
* * *
وأما تأويل قوله:"لا إله إلا هو العزيز الحكيم"، فإنه نفى أن يكون شيء يستحقّ العُبودَة غير الواحد الذي لا شريك له في ملكه. (١)
* * *
ويعني ب"العزيز"، الذي لا يمتنع عليه شيء أراده، ولا ينتصر منه أحد عاقبه أو انتقم منه (٢) ="الحكيم" في تدبيره، فلا يدخله خَلل. (٣)
* * *
قال أبو جعفر: وإنما عنى جل ثناؤه بهذه الآية نَفْيَ ما أضافت النصارَى الذين حاجُّوا رسولَ الله ﷺ في عيسى من البنوّة، وما نسب إليه سائرُ أهل الشرك من أنّ له شريكًا، واتخاذهم دونه أربابًا. فأخبرهم الله عن نفسه أنه الخالقُ كلّ ما سواه، وأنه ربّ كلِّ ما اتخذه كل كافر وكل مشرك ربًّا دونه، وأنّ ذلك مما يشهد به هو وملائكته وأهلُ العلم به من خلقه. فبدأ جل ثناؤه بنفسه، تعظيمًا لنفسه، وتنزيهًا لها عما نسب الذين ذكرنا أمرهم من أهل الشرك به - ما نسبوا إليها، كما سنّ لعباده أن يبدأوا في أمورهم بذكره قبل ذكر غيره، مؤدِّبًا خلقه بذلك.
(١) قوله: "العبودة" هو مصدر من"عبد" على وزن"شرف" يقال: "هو عبد بين العبودة والعبودية والعبدية" وقد استعملها الطبري بهذا المعنى فيما سلف ٣: ٣٤٧، وانظر التعليق هناك. وهو بمعنى الخضوع والتذلل، فكأنه استعمله هنا أيضًا بذلك المعنى، كأنه قال: فإنه نفي أن يكون شيء يستحق الخضوع له والتذلل، غير الواحد الذي لا شريك له في ملكه. وقد صرح ابن القطاع في كتاب الأفعال ٢: ٣٣٧ أن مصدر"عبد الله يعبده": "عبادة وعبودة وعبودية"، أي: خدم، وذل أشد الذل.
(٢) انظر تفسير"العزيز" فيما سلف ٣: ٨٨ / ثم هذا ص: ١٦٨، ١٦٩ وفهارس اللغة (عزز).
(٣) انظر تفسير"الحكيم" فيما سلف ٣: ٨٨، وفهارس اللغة (حكم).
والمرادُ من الكلام، الخبرُ عن شهادة من ارتضاهم من خلقه فقدّسوه: (١) من ملائكته وعلماء عباده. فأعلمهم أن ملائكته - التي يعظِّمها العابدون غيره من أهل الشرك ويعبدُها الكثير منهم - وأهلَ العلم منهم، (٢) منكرون ما هم عليه مقيمون من كفرهم وقولهم في عيسى، وقولَ من اتخذ ربًّا غيره من سائر الخلق، (٣) فقال: شهدت الملائكة وأولُو العلم أنه لا إله إلا هو، وأن كل من اتخذ ربًّا دون الله فهو كاذبٌ = احتجاجًا منه لنبيه عليه السلام على الذين حاجُّوه من وفد نجران في عيسى.
* * *
واعترض بذكر الله وصفته، على ما بيَّنتُ، (٤) كما قال جل ثناؤه: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) [سورة الأنفال: ٤١]، افتتاحًا باسمه الكلام، (٥) فكذلك افتتح باسمه والثناء على نفسه الشهادةَ بما وصفناه: من نَفْي الألوهة عن غيره، وتكذيب أهل الشرك به.
* * *
فأما ما قال الذي وصفنا قوله: من أنه عنى بقوله:"شهد"، قضى - فمما لا يعرف في لغة العرب ولا العجم، لأن"الشهادة"، معنًى،"والقضاء" غيرها. (٦)
* * *
(١) في المخطوطة والمطبوعة: "فقدموه" كأنه أراد معنى: "البدء بذكره تعالى"، ولو كان كذلك لكان أجود أن يقول: "فقدموا ذكره"، ولكنى أستظهر من سياق كلامه معنى التنزيه، فلذلك رأيت أنها تصحيف قوله: "فقدسوه".
(٢) سياق الكلام: فأعلمهم أن ملائكته... وأهل العلم منهم، منكرون...".
(٣) قوله: "وقول من اتخذ ربًا غيره..." بنصب"وقول" عطفًا على قولهم"ما هم عليه مقيمون"، وهو مفعول به لقوله: "منكرون".
(٤) في المطبوعة: "على ما نبينه"، وهو خطأ، والصواب من المخطوطة، ولكنه لم يحسن قراءتها.
(٥) معنى ذلك: أن ذكر"الله" في آية الأنفال هذه، إنما هي افتتاح كلام، قال أبو جعفر في تفسيرها (١٠: ٣ بولاق) :"قال بعضهم: قوله: "فأن الله خمسه" مفتاح كلام، ولله الدنيا والآخرة وما فيهما. وإنما معنى الكلام: فأن للرسول خمسه". وهذا القول هو الذي رجحه الطبري في تفسير الآية هناك.
(٦) هذا رد على مقالة أبي عبيدة في مجاز القرآن، كما سلف في ص: ٢٦٧ تعليق: ٢.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
شهد(١) تعالى - وكفى به شهيدا، وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم، وأصدق القائلين - ﴿أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أي : المتفَرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه، والفقراء إليه، وهو الغني عما سواه كما قال تعالى :﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزلَ إِلَيْكَ أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ(٢) شَهِيدًا﴾ الآية [النساء: ١٦٦].
ثم قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته فقال :﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام.
﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ منصوب على الحال، وهو في جميع الأحوال كذلك.
﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ تأكيد لما سبق ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ العزيز : الذي لا يرام جنابه عظمةً وكبرياء، الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بَقِيَّة بن الوليد، حدثني جبير بن عَمْرو القرشي، حدثنا أبو سَعِيد(٣) الأنصاري، عن أبي يحيى مولى آل الزبير بن العوام، عن الزبير بن العوام، قال : سمعت رسول الله ﷺ وهو بعرفةَ يقرأ هذه الآية :﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ " وأَنَا عَلَى ذلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ يا رَبِّ " (٤).
وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، فقال : حدثنا علي بن حسين، حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، حدثنا عُمَر بن حفص بن ثابت أبو سعيد الأنصاري، حدثنا عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده، عن الزبير قال : سمعت رسول الله ﷺ حين قرأ هذه الآية :﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ﴾ قال :" وأَنَا أشْهَدُ أيْ رَبِّ " (٥).
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير : حدثنا عبدان بن أحمد وعلي بن سعيد الرازي قالا حدثنا عَمَّار بن عمر بن المختار، حدثني أبي، حدثني غالب القطان قال : أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريبا من الأعمش، فلما كانت ليلة أردتُ أن أنْحَدِرَ قام فتهجد من الليل، فمر بهذه الآية :﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ ثم قال الأعمش : وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة :﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ قالها مرارا. قلت : لقد سمع فيها شيئا، فغدوت إليه فودعته، ثم قلت : يا أبا محمد، إني سمعتك تردد هذه الآية. قال : أو ما بلغك ما فيها ؟ قلت : أنا عندك منذ شهر لم تحدثني. قال : والله لا أحدثك بها إلى سنة. فأقمت سنة فكنت على بابه، فلما مضت السنة قلت : يا أبا محمد، قد مضت السنة. قال : حدثني أبو وائل، عن عبد الله قال : قال رسول الله ﷺ :" يُجَاءُ بِصَاحِبِهَا يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَقُولُ الله عز وجل : عَبْدِي عَهِدَ إلَيَّ، وأنَا أحَقُّ مَن وَفَّى بالْعَهْدِ، أدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ " (٦).
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وذكر ابن جرير أن ابن عباس قرأ :﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ بكسر إنه وفتح ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ أي : شهد هو وملائكته وأولو العلم من البشر بأن الدين عند الله الإسلام. والجمهور قرأوها بالكسر على الخبر، وكلا المعنيين صحيح. ولكن هذا على قول الجمهور أظهر والله أعلم.
ثم أخبر تعالى بأن(٣) الذين أوتوا الكتاب الأول إنما اختلفوا بعد ما قامت عليهم الحجة، بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، فقال :﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي : بغى بعضهم على بعض، فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بُغْض البَعْض الآخر(٤) على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله، وإن كانت حقا.


١ في و: "يشهد"..
٢ في جـ، ر: "به" وهو خطأ..
٣ في أ، و: "أبو سعد"..
٤ المسند (١/١٦٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/٣٢٥): "في إسناده مجاهيل"..
٥ تفسير ابن أبي حاتم (٢/١٤٦) وفي إسناده مجاهيل"..

وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير : حدثنا عبدان بن أحمد وعلي بن سعيد الرازي قالا حدثنا عَمَّار بن عمر بن المختار، حدثني أبي، حدثني غالب القطان قال : أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريبا من الأعمش، فلما كانت ليلة أردتُ أن أنْحَدِرَ قام فتهجد من الليل، فمر بهذه الآية :﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ ثم قال الأعمش : وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة :﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ قالها مرارا. قلت : لقد سمع فيها شيئا، فغدوت إليه فودعته، ثم قلت : يا أبا محمد، إني سمعتك تردد هذه الآية. قال : أو ما بلغك ما فيها ؟ قلت : أنا عندك منذ شهر لم تحدثني. قال : والله لا أحدثك بها إلى سنة. فأقمت سنة فكنت على بابه، فلما مضت السنة قلت : يا أبا محمد، قد مضت السنة. قال : حدثني أبو وائل، عن عبد الله قال : قال رسول الله ﷺ :" يُجَاءُ بِصَاحِبِهَا يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَقُولُ الله عز وجل : عَبْدِي عَهِدَ إلَيَّ، وأنَا أحَقُّ مَن وَفَّى بالْعَهْدِ، أدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ " (٦).
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وَهَذَا سَحَرٌ، فَاغْفِرْ لِي. فَنَظَرْتُ فَإِذَا ابْنُ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (١).
وَرَوَى ابْنُ مَرْدُويه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا نُؤْمَرُ إِذَا صَلَّيْنَا مِنَ اللَّيْلِ أنْ نَسْتَغْفِرَ فِي آخِرِ السَّحَرِ سَبْعِينَ مَرَّةً.
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾
شَهِدَ (٢) تَعَالَى -وَكَفَى بِهِ شَهِيدًا، وَهُوَ أَصْدَقُ الشَّاهِدِينَ وَأَعْدَلُهُمْ، وَأَصْدَقُ الْقَائِلِينَ- ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أَيْ: المتفَرد بِالْإِلَهِيَّةِ لِجَمِيعِ الْخَلَائِقِ، وَأَنَّ الْجَمِيعَ عَبِيدُهُ وَخَلْقُهُ، وَالْفُقَرَاءُ إِلَيْهِ، وَهُوَ الْغَنِيُّ عَمَّا سِوَاهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزلَ إِلَيْكَ أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ (٣) شَهِيدًا﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ: ١٦٦].
ثُمَّ قَرَنَ شَهَادَةَ مَلَائِكَتِهِ وَأُولِي الْعِلْمِ بِشَهَادَتِهِ فَقَالَ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ وَهَذِهِ خُصُوصِيَّةٌ عَظِيمَةٌ لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْمَقَامِ.
﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ، وَهُوَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ كَذَلِكَ.
﴿لَا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ تَأْكِيدٌ لِمَا سَبَقَ ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الْعَزِيزُ: الَّذِي لَا يُرَامُ جَنَابُهُ عَظَمَةً وَكِبْرِيَاءً، الْحَكِيمُ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنِي جُبَيْرُ بْنُ عَمْرو الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيد (٤) الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِي يَحْيَى مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بعرفةَ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ "وأَنَا عَلَى ذلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ يَا رَبِّ" (٥).
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَر بْنُ حَفْصِ بْنِ ثَابِتٍ أَبُو سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ﴾ قال: "وأَنَا أشْهَدُ أيْ رَبِّ" (٦).
(١) تفسير الطبري (٦/٢٦٦) وفي إسناده سفيان بن وكيع ضعيف، وحديث ابن أبي مطر ضعفه أبو حاتم وابن معين والبخاري.
(٢) في و: "يشهد".
(٣) في جـ، ر: "به" وهو خطأ.
(٤) في أ، و: "أبو سعد".
(٥) المسند (١/١٦٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/٣٢٥) :"في إسناده مجاهيل".
(٦) تفسير ابن أبي حاتم (٢/١٤٦) وفي إسناده مجاهيل".
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ: حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بْنُ أَحْمَدَ وَعَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الرَّازِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا عَمَّار بْنُ عُمَرَ بْنِ الْمُخْتَارِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي غَالِبٌ الْقَطَّانُ قَالَ: أَتَيْتُ الْكُوفَةَ فِي تِجَارَةٍ، فَنَزَلْتُ قَرِيبًا مِنَ الْأَعْمَشِ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةٌ أردتُ أَنْ أنْحَدِرَ قَامَ فَتَهَجَّدَ مِنَ اللَّيْلِ، فَمَرَّ بِهَذِهِ الآية: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ ثُمَّ قَالَ الْأَعْمَشُ: وَأَنَا أَشْهَدُ بِمَا شَهِدَ اللَّهُ بِهِ، وَأَسْتَوْدِعُ اللَّهَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ، وَهِيَ لِي عِنْدَ اللَّهِ وَدِيعَةٌ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ قَالَهَا مِرَارًا. قُلْتُ: لَقَدْ سَمِعَ فِيهَا شَيْئًا، فَغَدَوْتُ إِلَيْهِ فَوَدَّعْتُهُ، ثُمَّ قُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنِّي سمعتك تردد هذه الآية. قال: أو ما بَلَغَكَ مَا فِيهَا؟ قُلْتُ: أَنَا عِنْدَكَ مُنْذُ شَهْرٍ لَمْ تُحَدِّثْنِي. قَالَ: وَاللَّهِ لَا أُحَدِّثُكَ بِهَا إِلَى سَنَةٍ. فَأَقَمْتُ سَنَةً فَكُنْتُ عَلَى بَابِهِ، فَلَمَّا مَضَتِ السَّنَةُ قُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، قَدْ مَضَتِ السَّنَةُ. قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يُجَاءُ بِصَاحِبِهَا يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَبْدِي عَهِدَ إلَيَّ، وأنَا أحَقُّ مَن وَفَّى بالْعَهْدِ، أدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ" (١).
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَا دِينَ عِنْدَهُ يَقْبَلُهُ مِنْ أَحَدٍ سِوَى الْإِسْلَامِ، وَهُوَ اتِّبَاعُ الرُّسُلِ فِيمَا بَعَثَهُمُ اللَّهُ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ، حَتَّى خُتِمُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِي سَدَّ جَمِيعَ الطُّرُقِ إِلَيْهِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ بَعْدَ بِعْثَتِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدِين عَلَى غَيْرِ شَرِيعَتِهِ، فَلَيْسَ بِمُتَقَبَّلٍ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ (٢) غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ] (٣)﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٨٥] وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُخْبِرًا بِانْحِصَارِ الدِّينِ الْمُتَقَبَّلِ عِنْدَهُ فِي الْإِسْلَامِ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾
وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَرَأَ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ بِكَسْرِ إِنَّهُ وَفَتْحِ ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ أَيْ: شَهِدَ هُوَ وَمَلَائِكَتُهُ وَأُولُو الْعِلْمِ مِنَ الْبَشَرِ بِأَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ. وَالْجُمْهُورُ قرأوها بِالْكَسْرِ عَلَى الْخَبَرِ، وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ صَحِيحٌ. وَلَكِنَّ هَذَا عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ أَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّ (٤) الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ الْأَوَّلَ إِنَّمَا اخْتَلَفُوا بَعْدَ مَا قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ إِلَيْهِمْ، وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أَيْ: بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَاخْتَلَفُوا فِي الْحَقِّ لِتَحَاسُدِهِمْ وَتَبَاغُضُهِمْ وَتَدَابُرِهِمْ، فَحَمَلَ بَعْضَهُمْ بُغْض البَعْض الْآخَرِ (٥) عَلَى مُخَالَفَتِهِ فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَإِنْ كَانَتْ حَقًّا، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أَيْ: مَنْ جَحَدَ بِمَا أَنْزَلَ (٦) اللَّهُ فِي كتابه فإن الله
(١) المعجم الكبير (١٠/٢٤٥) وقال الهيثمي في المجمع (٦/٣٢٦) :"فيه عمر بن المختار وهو ضعيف". ورواه ابن عدي في الكامل (٥/٣٦) من طريق عمار بن عمر المختار به. قال: "لا يحدث به غير عمر المختار، ومقدار ما يرويه فيه نظر".
(٢) في أ: "يتبع".
(٣) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".
(٤) في أ، و: "أن".
(٥) في جـ: "فحمل بعضهم على بغض الآخر".
(٦) في أ، و: "أنزله".
سَيُجَازِيهِ عَلَى ذَلِكَ، وَيُحَاسِبُهُ عَلَى تَكْذِيبِهِ، وَيُعَاقِبُهُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ كِتَابَهُ (١)
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أَيْ: جَادَلُوكَ فِي التَّوْحِيدِ ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أَيْ: فَقُلْ أَخْلَصْتُ عِبَادَتِي لِلَّهِ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا نِدَّ [لَهُ] (٢) وَلَا وَلَدَ وَلَا صَاحِبَةَ لَهُ ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ عَلَى دِينِي، يَقُولُ كَمَقَالَتِي، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ] (٣)﴾ [يُوسُفَ: ١٠٨].
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى آمِرًا لِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى طَرِيقَتِهِ وَدِينِهِ، وَالدُّخُولِ فِي شَرْعِهِ وَمَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ الْكِتَابِيِّينَ (٤) مِنَ الْمِلَّتَيْنِ وَالْأُمِّيِّينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ أَيْ: وَاللَّهُ عَلَيْهِ حِسَابُهُمْ وَإِلَيْهِ مَرْجِعُهُمْ وَمَآبُهُمْ، وَهُوَ الَّذِي يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ، وَالْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أَيْ: هُوَ (٥) عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْهِدَايَةَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الضَّلَالَةَ، وَهُوَ الَّذِي ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٣٣] وَمَا ذَاكَ (٦) إِلَّا لِحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ وَأَمْثَالُهَا مَنْ أَصْرَحِ الدَّلَالَاتِ عَلَى عُمُومِ بِعْثَتِهِ، صَلوات اللَّهِ وَسَلَامُهُ (٧) عَلَيْهِ، إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ دِينِهِ ضَرُورَةً، وَكَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فِي غَيْرِ (٨) مَا آيَةٍ وَحَدِيثٍ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٥٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نزلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ١] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، مِمَّا ثَبَتَ تَوَاتُرُهُ بِالْوَقَائِعِ الْمُتَعَدِّدَةِ، أَنَّهُ بَعَثَ كُتُبَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ مُلُوكَ الْآفَاقِ، وَطَوَائِفَ (٩) بَنِي آدَمَ مِنْ عَرَبِهِمْ وَعَجَمِهِمْ، كتابِيِّهم وأمِّيِّهم، امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ لَهُ بِذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ (١٠) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأمَّةِ يَهُوديّ وَلا نَصْرَانِي، ومَاتَ وَلمَ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أرْسلتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١١).
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بُعِثْتُ إلَى الأحْمَرِ والأسْودِ" (١٢) وَقَالَ: "كَانَ النَّبيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِه خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً". وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُؤَمِّل، حَدَّثَنَا حَمَّاد، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ غُلَامًا يَهُودِيًّا كَانَ يَضع لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضُوءه وَيُنَاوِلُهُ نَعْلَيْهِ، فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَأَبُوهُ قَاعِدٌ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا فُلانُ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَنَظَرَ إلَى أَبِيهِ، فَسَكَتَ أَبُوهُ، فأعَادَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَظَرَ إلَى أَبيهِ، فَقَالَ أبُوهُ: أطِعْ أَبَا الْقَاسِم، فَقَالَ الْغُلامُ:: أشْهَدُ أن
(١) في أ، و: "بكتابه".
(٢) زيادة من جـ، ر، أ، و.
(٣) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".
(٤) في جـ: "أهل الكتابين".
(٥) في أ، و: "وهو".
(٦) في أ، و: "وذلك".
(٧) في جـ: "الله".
(٨) في أ: "وغير".
(٩) في و: "من طوئف".
(١٠) في جـ، ر، أ، و: "رسول الله".
(١١) صحيح مسلم برقم (١٥٣).
(١٢) في جـ، ر، أ، و: "الأسود والأحمر".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
هذا تقرير من الله تعالى للتوحيد بأعظم الطرق الموجبة له، وهي شهادته تعالى وشهادة خواص الخلق وهم الملائكة وأهل العلم، أما شهادته تعالى فيما أقامه من الحجج والبراهين القاطعة على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، فنوع الأدلة في الآفاق والأنفس على هذا الأصل العظيم، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه ما قام أحد بتوحيده إلا ونصره على المشرك الجاحد المنكر للتوحيد، وكذلك إنعامه العظيم الذي ما بالعباد من نعمة إلا منه، ولا يدفع النقم إلا هو، والخلق كلهم عاجزون عن المنافع والمضار لأنفسهم ولغيرهم، ففي هذا برهان قاطع على وجوب التوحيد وبطلان الشرك، وأما شهادة الملائكة بذلك فنستفيدها بإخبار الله لنا بذلك وإخبار رسله، وأما شهادة أهل العلم فلأنهم هم المرجع في جميع الأمور الدينية خصوصا في أعظم الأمور وأجلها وأشرفها وهو التوحيد، فكلهم من أولهم إلى آخرهم قد اتفقوا على ذلك ودعوا إليه وبينوا للناس الطرق الموصلة إليه، فوجب على الخلق التزام هذا الأمر المشهود عليه والعمل به، وفي هذا دليل على أن أشرف الأمور علم التوحيد لأن الله شهد به بنفسه وأشهد عليه خواص خلقه، والشهادة لا تكون إلا عن علم ويقين، بمنزلة المشاهدة للبصر، ففيه دليل على أن من لم يصل في علم التوحيد إلى هذه الحالة فليس من أولي العلم. وفي هذه الآية دليل على شرف العلم من وجوه كثيرة، منها : أن الله خصهم بالشهادة على أعظم مشهود عليه دون الناس، ومنها : أن الله قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وكفى بذلك فضلا، ومنها : أنه جعلهم أولي العلم، فأضافهم إلى العلم، إذ هم القائمون به المتصفون بصفته، ومنها : أنه تعالى جعلهم شهداء وحجة على الناس، وألزم الناس العمل بالأمر المشهود به، فيكونون هم السبب في ذلك، فيكون كل من عمل بذلك نالهم من أجره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ومنها : أن إشهاده تعالى أهل العلم يتضمن ذلك تزكيتهم وتعديلهم وأنهم أمناء على ما استرعاهم عليه، ولما قرر توحيده قرر عدله، فقال :﴿قائمًا بالقسط﴾ أي : لم يزل متصفا بالقسط في أفعاله وتدبيره بين عباده، فهو على صراط مستقيم في ما أمر به ونهى عنه، وفيما خلقه وقدره، ثم أعاد تقرير توحيده فقال ﴿لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾ واعلم أن هذا الأصل الذي هو توحيد الله وإفراده بالعبودية قد دلت عليه الأدلة النقلية والأدلة العقلية، حتى صار لذوي البصائر أجلى من الشمس، فأما الأدلة النقلية فكل ما في كتاب الله وسنة رسوله، من الأمر به وتقريره، ومحبة أهله وبغض من لم يقم به وعقوباتهم، وذم الشرك وأهله، فهو من الأدلة النقلية على ذلك، حتى كاد القرآن أن يكون كله أدلة عليه، وأما الأدلة العقلية التي تدرك بمجرد فكر العقل وتصوره للأمور فقد أرشد القرآن إليها ونبه على كثير منها، فمن أعظمها : الاعتراف بربوبية الله، فإن من عرف أنه هو الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور أنتج له ذلك أنه هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ولما كان هذا من أوضح الأشياء وأعظمها أكثر الله تعالى من الاستدلال به في كتابه. ومن الأدلة العقلية على أن الله هو الذي يؤله دون غيره انفراده بالنعم ودفع النقم، فإن من عرف أن النعم الظاهرة والباطنة القليلة والكثيرة كلها من الله، وأنه ما من نقمة ولا شدة ولا كربة إلا وهو الذي ينفرد بدفعها وإن أحدا من الخلق لا يملك لنفسه - فضلا عن غيره- جلب نعمة ولا دفع نقمة، تيقن أن عبودية ما سوى الله من أبطل الباطل وأن العبودية لا تنبغي إلا لمن انفرد بجلب المصالح ودفع المضار، فلهذا أكثر الله في كتابه من التنبيه على هذا الدليل جدا، ومن الأدلة العقلية أيضا على ذلك : ما أخبر به تعالى عن المعبودات التي عبدت من دونه، بأنها لا تملك نفعا ولا ضرا، ولا تنصر غيرها ولا تنصر نفسها، وسلبها الأسماع والأبصار، وأنها على فرض سماعها لا تغني شيئا، وغير ذلك من الصفات الدالة على نقصها غاية النقص، وما أخبر به عن نفسه العظيمة من الصفات الجليلة والأفعال الجميلة، والقدرة والقهر، وغير ذلك من الصفات التي تعرف بالأدلة السمعية والعقلية، فمن عرف ذلك حق المعرفة عرف أن العبادة لا تليق ولا تحسن إلا بالرب العظيم الذي له الكمال كله، والمجد كله، والحمد كله، والقدرة كلها، والكبرياء كلها، لا بالمخلوقات المدبرات الناقصات الصم البكم الذين لا يعقلون، ومن الأدلة العقلية على ذلك ما شاهده العباد بأبصارهم من قديم الزمان وحديثه، من الإكرام لأهل التوحيد، والإهانة والعقوبة لأهل الشرك، وما ذاك إلا لأن التوحيد جعله الله موصلا إلى كل خير دافعا لكل شر ديني ودنيوي، وجعل الشرك به والكفر سببا للعقوبات الدينية والدنيوية، ولهذا إذا ذكر تعالى قصص الرسل مع أمم المطيعين والعاصين، وأخبر عن عقوبات العاصين ونجاة الرسل ومن تبعهم، قال عقب كل قصة :﴿إن في ذلك لآية﴾ أي : لعبرة يعتبر بها المعتبرون فيعلمون أن توحيده هو الموجب للنجاة، وتركه هو الموجب للهلاك، فهذه من الأدلة الكبار العقلية النقلية الدالة على هذا الأصل العظيم، وقد أكثر الله منها في كتابه وصرفها ونوعها ليحيى من حيي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة فله الحمد والشكر والثناء.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٨ - ٢٠} ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.
هذا تقرير من الله تعالى للتوحيد بأعظم الطرق الموجبة له، وهي شهادته تعالى وشهادة خواص الخلق وهم الملائكة وأهل العلم، أما شهادته تعالى فيما أقامه من الحجج والبراهين القاطعة على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، فنوع الأدلة في الآفاق والأنفس على هذا الأصل العظيم، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه ما قام أحد بتوحيده إلا ونصره على المشرك الجاحد المنكر للتوحيد، وكذلك إنعامه العظيم الذي ما بالعباد من نعمة إلا منه، ولا يدفع النقم إلا هو، والخلق كلهم عاجزون عن المنافع والمضار لأنفسهم ولغيرهم، ففي هذا برهان قاطع على وجوب التوحيد وبطلان الشرك، وأما شهادة الملائكة بذلك فنستفيدها بإخبار الله لنا بذلك وإخبار رسله، وأما شهادة أهل العلم فلأنهم هم -[١٢٥]- المرجع في جميع الأمور الدينية خصوصا في أعظم الأمور وأجلها وأشرفها وهو التوحيد، فكلهم من أولهم إلى آخرهم قد اتفقوا على ذلك ودعوا إليه وبينوا للناس الطرق الموصلة إليه، فوجب على الخلق التزام هذا الأمر المشهود عليه والعمل به، وفي هذا دليل على أن أشرف الأمور علم التوحيد لأن الله شهد به بنفسه وأشهد عليه خواص خلقه، والشهادة لا تكون إلا عن علم ويقين، بمنزلة المشاهدة للبصر، ففيه دليل على أن من لم يصل في علم التوحيد إلى هذه الحالة فليس من أولي العلم. وفي هذه الآية دليل على شرف العلم من وجوه كثيرة، منها: أن الله خصهم بالشهادة على أعظم مشهود عليه دون الناس، ومنها: أن الله قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وكفى بذلك فضلا ومنها: أنه جعلهم أولي العلم، فأضافهم إلى العلم، إذ هم القائمون به المتصفون بصفته، ومنها: أنه تعالى جعلهم شهداء وحجة على الناس، وألزم الناس العمل بالأمر المشهود به، فيكونون هم السبب في ذلك، فيكون كل من عمل بذلك نالهم من أجره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ومنها: أن إشهاده تعالى أهل العلم يتضمن ذلك تزكيتهم وتعديلهم وأنهم أمناء على ما استرعاهم عليه، ولما قرر توحيده قرر عدله، فقال: ﴿قائمًا بالقسط﴾ أي: لم يزل متصفا بالقسط في أفعاله وتدبيره بين عباده، فهو على صراط مستقيم في ما أمر به ونهى عنه، وفيما خلقه وقدره، ثم أعاد تقرير توحيده فقال ﴿لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾ واعلم أن هذا الأصل الذي هو توحيد الله وإفراده بالعبودية قد دلت عليه الأدلة النقلية والأدلة العقلية، حتى صار لذوي البصائر أجلى من الشمس، فأما الأدلة النقلية فكل ما في كتاب الله وسنة رسوله، من الأمر به وتقريره، ومحبة أهله وبغض من لم يقم به وعقوباتهم، وذم الشرك وأهله، فهو من الأدلة النقلية على ذلك، حتى كاد القرآن أن يكون كله أدلة عليه، وأما الأدلة العقلية التي تدرك بمجرد فكر العقل وتصوره للأمور فقد أرشد القرآن إليها ونبه على كثير منها، فمن أعظمها: الاعتراف بربوبية الله، فإن من عرف أنه هو الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور أنتج له ذلك أنه هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ولما كان هذا من أوضح الأشياء وأعظمها أكثر الله تعالى من الاستدلال به في كتابه. ومن الأدلة العقلية على أن الله هو الذي يؤله دون غيره انفراده بالنعم ودفع النقم، فإن من عرف أن النعم الظاهرة والباطنة القليلة والكثيرة كلها من الله، وأنه ما من نقمة ولا شدة ولا كربة إلا وهو الذي ينفرد بدفعها وإن أحدا من الخلق لا يملك لنفسه - فضلا عن غيره- جلب نعمة ولا دفع نقمة، تيقن أن عبودية ما سوى الله من أبطل الباطل وأن العبودية لا تنبغي إلا لمن انفرد بجلب المصالح ودفع المضار، فلهذا أكثر الله في كتابه من التنبيه على هذا الدليل جدا، ومن الأدلة العقلية أيضا على ذلك: ما أخبر به تعالى عن المعبودات التي عبدت من دونه، بأنها لا تملك نفعا ولا ضرا، ولا تنصر غيرها ولا تنصر نفسها، وسلبها الأسماع والأبصار، وأنها على فرض سماعها لا تغني شيئا، وغير ذلك من الصفات الدالة على نقصها غاية النقص، وما أخبر به عن نفسه العظيمة من الصفات الجليلة والأفعال الجميلة، والقدرة والقهر، وغير ذلك من الصفات التي تعرف بالأدلة السمعية والعقلية، فمن عرف ذلك حق المعرفة عرف أن العبادة لا تليق ولا تحسن إلا بالرب العظيم الذي له الكمال كله، والمجد كله، والحمد كله، والقدرة كلها، والكبرياء كلها، لا بالمخلوقات المدبرات الناقصات الصم البكم الذين لا يعقلون، ومن الأدلة العقلية على ذلك ما شاهده العباد بأبصارهم من قديم الزمان وحديثه، من الإكرام لأهل التوحيد، والإهانة والعقوبة لأهل الشرك، وما ذاك إلا لأن التوحيد جعله الله موصلا إلى كل خير دافعا لكل شر ديني ودنيوي، وجعل الشرك به والكفر سببا للعقوبات الدينية والدنيوية، ولهذا إذا ذكر تعالى قصص الرسل مع أمم المطيعين والعاصين، وأخبر عن عقوبات العاصين ونجاة الرسل ومن تبعهم، قال عقب كل قصة: ﴿إن في ذلك لآية﴾ أي: لعبرة يعتبر بها المعتبرون فيعلمون أن توحيده هو الموجب للنجاة، وتركه هو الموجب للهلاك، فهذه من الأدلة الكبار العقلية النقلية الدالة على هذا الأصل العظيم، وقد أكثر الله منها في كتابه وصرفها ونوعها ليحيى من حي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة فله الحمد والشكر والثناء.
ولما قرر أنه الإله الحق المعبود، بين العبادة والدين الذي يتعين أن يعبد به ويدان له، وهو الإسلام الذي هو الاستسلام لله بتوحيده وطاعته التي دعت إليها رسله، وحثت عليها كتبه، وهو الذي لا يقبل من أحد دين سواه، وهو متضمن للإخلاص له في الحب والخوف والرجاء والإنابة والدعاء ومتابعة رسوله في ذلك، وهذا هو دين الرسل كلهم، وكل من تابعهم فهو على طريقهم، وإنما اختلف أهل الكتاب بعد ما جاءتهم كتبهم تحثهم على الاجتماع على دين الله، بغيا بينهم، وظلما وعدوانا من أنفسهم، وإلا فقد جاءهم السبب الأكبر الموجب أن يتبعوا -[١٢٦]- الحق ويتركوا الاختلاف، وهذا من كفرهم، فلهذا قال تعالى ﴿وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب﴾ فيجازي كل عامل بعمله، وخصوصا من ترك الحق بعد معرفته، فهذا مستحق للوعيد الشديد والعقاب الأليم، ثم أمر تعالى رسوله ﷺ عند محاجة النصارى وغيرهم ممن يفضل غير دين الإسلام
عليه أن يقول لهم: قد ﴿أسلمت وجهي لله ومن اتبعن﴾ أي: أنا ومن اتبعني قد أقررنا وشهدنا وأسلمنا وجوهنا لربنا، وتركنا ما سوى دين الإسلام، وجزمنا ببطلانه، ففي هذا تأييس لمن طمع فيكم، وتجديد لدينكم عند ورود الشبهات، وحجة على من اشتبه عليه الأمر، لأنه قد تقدم أن الله استشهد على توحيده بأهل العلم من عباده ليكونوا حجة على غيرهم، وسيد أهل العلم وأفضلهم وأعلمهم هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم من بعده أتباعه على اختلاف مراتبهم وتفاوت درجاتهم، فلهم من العلم الصحيح والعقل الرجيح ما ليس لأحد من الخلق ما يساويهم أو يقاربهم، فإذا ثبت وتقرر توحيد الله ودينه بأدلته الظاهرة، وقام به أكمل الخلق وأعلمهم، حصل بذلك اليقين وانتفى كل شك وريب وقادح، وعرف أن ما سواه من الأديان باطلة، فلهذا قال ﴿وقل للذين أوتوا الكتاب﴾ من النصارى واليهود ﴿والأميين﴾ مشركي العرب وغيرهم ﴿أأسلمتم فإن أسلموا﴾ أي: بمثل ما أمنتم به ﴿فقد اهتدوا﴾ كما اهتديتم وصاروا إخوانكم، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم ﴿وإن تولوا﴾ عن الإسلام ورضوا بالأديان التي تخالفه ﴿فإنما عليك البلاغ﴾ فقد وجب أجرك على ربك، وقامت عليهم الحجة، ولم يبق بعد هذا إلا مجازاتهم بالعقاب على جرمهم، فلهذا قال ﴿والله بصير بالعباد﴾.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢١ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن المنذر — ابن المنذر تفسير ابن المنذر — ابن المنذر تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي التقييد الكبير للبسيلي — البسيلي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي التفسير القيم — ابن القيم التفسير القيم من كلام ابن القيم — ابن القيم الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
قَائِمًا بِالْقِسْطِ
مُقِيمًا لِلْعَدْلِ فِي كُلِّ أَمْرٍ.

إعراب الآية ١٨ من سورة آل عمران

من كتاب: إعراب القرآن

بمعنى أعني الصابرين. وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ عطف كلّه. بِالْأَسْحارِ واحدها سحر تقول: سير به سحر يا فتى، لا ينصرف لأنه معدول عن الألف واللام وهو معرفة ولا يجوز أن يرفع إذا كان معرفة لأن الظروف إنما ترفع هاهنا مجازا فإذا وقعت فيها علّة أقرّت على بابها نصبا فإن نكّرته جاز فيه الرفع وصرف. قال أبو إسحاق «١» : السحر من حيث يدبر الليل إلى أن يطلع الفجر الثاني.

[سورة آل عمران (٣) : آية ١٨]

شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ قد ذكرنا فيه قراءات وفسّرنا إعرابها فأما قراءة أبي المهلب «٢» شُهَداءَ لِلَّهِ «٣» فهي نصب على الحال وروي عنه شُهَداءَ لِلَّهِ أي هم شهداء لله ويروى عنه شهداء الله ويروى عنه شهداء الله. قائِماً بِالْقِسْطِ نصب على الحال المؤكّدة وعند الكوفيين على القطع وفي قراءة عبد الله القائم بالقسط على النعت وفي قراءته «٤».

[سورة آل عمران (٣) : آية ١٩]

إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩)
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وهذا بكسر «إنّ» لا غير. قال الأخفش: المعنى وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم إلّا من بعد ما جاءهم العلم. قال أبو إسحاق «٥» :
الذي هو أجود عندي أن يكون «بغيا» منصوبا بما دلّ عليه «وما اختلف الذين أوتوا الكتاب» أي اختلفوا بغيا بينهم. وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ شرط والجواب فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ويجوز رفع يكفر بجعل «من» بمعنى الذي.

[سورة آل عمران (٣) : آية ٢٠]

فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠)
وَمَنِ اتَّبَعَنِ حذفت الياء في السواد لأن الكسرة تدلّ عليها والنون عوض
(١) انظر إعراب القرآن ومعانيه ٣٣٨.
(٢) أبو المهلّب: محارب بن دثار السدوسي الكوخي، عرض على أبيه عن عمر بن الخطاب، وروى عن جابر وابن عمر ترجمته في غاية النهاية ٢/ ٤٢.
(٣) انظر المحتسب ١/ ١٥٥.
(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٢٠٠. [.....]
(٥) انظر إعراب القرآن ومعانيه ٣٤٠.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١٨ من سورة آل عمران

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾. [١٨].
قال الكلبي: لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالمدينة، قدم عليه حَبْرَانِ من أحبار أهل الشام، فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان، فلما دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم، عرفاه بالصفة والنعت، فقالا له: أنت محمد؟ قال: نعم، قالا: وأنت أحمد، قال: نعم، قالا: إنا نسألك عن شهادة، فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلاني، فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله. فأنزل الله تعالى على نبيه: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ﴾ فأسلم الرجلان وصدّقا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

القراءات في الآية ١٨ من سورة آل عمران

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

هُوَ وَالْمَلائِكَةُ

ادغام الواو في الواو

السوسي عن أبي عمرو

اظهار الواو الأولى مفتوحة

خلف عن حمزة إدريس عن خلف إسحاق عن خلف روح عن يعقوب رويس عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة قالون عن نافع حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٨ من سورة آل عمران

٧ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢١ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

١٥ قولًا
١
عن محمد بن جعفر بن الزبير -من طريق ابن إسحاق- ﴿قائمًا بالقسط﴾: أي: بالعدل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٥‏/‏٢٨٠.
٢
عن محمد بن إسحاق -من طريق زياد- ﴿قائمًا بالقسط﴾: أي: بالعدل قائمًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن المنذر ١‏/‏١٤٧.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ويشهدون أنّ الله عز وجل ﴿قائمًا بالقسط﴾، يعني: قائم على كل شيء بالعدل، ﴿لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾ في أمره١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٢٦٧.
٤
عن يحيى بن سلام أنّه قال: أحسب أنّهم فسَّروا كلَّ شيء فيه وعيد: عزيزٌ في نِقمته، وكل شيء ليس فيه وعيد: عزيزٌ في مُلْكِه١
التخريج
  1. ١تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢٨٠.
٥
عن عبد الله بن عباس أنّه قال: خلق اللهُ الأرواحَ قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاقَ قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة، فشَهِد بنفسه لنفسه قبل أن خَلَق الخلقَ حين كان ولم تكن سماءٌ ولا أرضٌ ولا بَرٌّ ولا بحرٌ، فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾١٢
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٢‏/‏١٨، وتفسير الثعلبي ٣‏/‏٣٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢نقل ابن عطية (٢/١٧٨) عن أبي عُبيدة قوله: «﴿شهد الله﴾ معناه: قضى الله». ثم انتقده قائلًا: «وهذا مردود من جهات». وذكر ابنُ تيمية (٢/٤٤) عبارات المفسرين في لفظ ﴿شَهِدَ﴾ قائلًا: «فقالت طائفة منهم مجاهد والفراء وأبو عُبيدة: أي: حكم وقضى. وقالت طائفة منهم ثعلب والزجاج: أي: بيَّن. وقالت طائفة: أي: أعلم. وكذلك قالت طائفة: معنى شهادة الله: الإخبار والإعلام، ومعنى شهادة الملائكة والمؤمنين: الإقرار. وعن ابن عباس: أنه شهد بنفسه لنفسه قبل أن يخلُق الخَلْق حين كان، ولم يكن سماء ولا أرض، ولا بر ولا بحر فقال: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾». ثم وجَّهها بقوله: «وكل هذه الأقوال وما في معناها صحيحة؛ وذلك أن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وقوله وخبره عما شهد به، وهذا قد يكون مع أن الشاهد نفسه يتكلم بذلك ويقوله ويذكره، وإن لم يكن مُعْلِمًا به لغيره، ولا مخبرًا به لسواه، فهذه أول مراتب الشهادة...». ووجَّهها ابنُ القيم (١/٢١٧) بقوله: «وعبارات السلف في ﴿شهد﴾ تدور على: الحكم والقضاء، والإعلام والبيان والإخبار... وهذه الأقوال كلها حق، لا تنافي بينها، فإنّ الشهادة تتضمن كلام الشاهد، وخبره، وقوله، وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه، فلها أربع مراتب:...» ثم فصَّلها (١/٢١٧-٢٢٠) بنحو كلام ابن تيمية.
٦
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم﴾، قال: فإنّ اللهَ شهد، والملائكةَ، والعلماءَ من الناس١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٦١٧.
٧
عن محمد بن جعفر بن الزبير -من طريق ابن إسحاق- ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم﴾، قال: بخلاف ما قال نصارى نجران١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٥‏/‏٢٨٠.
٨
عن محمد بن إسحاق -من طريق إبراهيم بن سعد-، نحوه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن المنذر ١‏/‏١٤٦، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٦١٦.
٩
عن محمد بن السائب الكلبي: ﴿وأولو العلم﴾، يعني: جميع علماء المؤمنين١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٣‏/‏٣٣، وتفسير البغوي ٢‏/‏١٨.
١٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة﴾ يشهدون بها، ﴿وأولوا العلم﴾ بالتوراة؛ ابنُ سلام وأصحابُه يشهدون أنّه لا إله إلا هو، ويشهدون أنّ الله عز وجل ﴿قائمًا بالقسط﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٢٦٧.
١١
عن سفيان بن عيينة -من طريق ابن بنت الشافعيِّ، عن أبيه أو عمِّه- قوله: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم﴾، قال: فكُلُّ مَن علِمها فهو مِن أولي العلم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٦١٧.
١٢
عن أبي طالب١ -من طريق الحكم بن هشام- قال: مَن عَرَف اللهَ، وشهد بما شهد به الله؛ فهو العالِم. ثُمَّ تلا: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما﴾٢
التخريج
  1. ١ذكر د. حكمت بشير في تحقيقه للمصدر ١‏/‏١٨ أنه لم يتبين له من هو.
  2. ٢أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٦١٦.
١٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- قوله: ﴿بالقسط﴾، قال: بالعَدْل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٠٧٨، ٥‏/‏١٤٢٠، ١٤٦٢، ٦‏/‏١٩٢٧، ٢٠٧١.
١٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿بالقسط﴾، قال: بالعَدْل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٥‏/‏٢٨٠.
١٥
عن الحسن البصري -من طريق عباد بن منصور- في قوله: ﴿قائمًا بالقسط﴾، قال: ربنا قائمًا بالعدل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٦١٧، وفي المطبوع منه: دينًا قائمًا بالعدل. ومثله نسخة د. حكمت بشير ص١٥١.

آثار متعلقة بالآية

٣ أقوال
١
عن الزُّبَيْر بن العوام، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ وهو بعرفة يقرأُ هذه الآية: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ إلى قوله: ﴿العزيز الحكيم﴾، فقال: «وأنا على ذلك مِن الشاهدين، يا ربِّ». ولفظ الطبراني: فقال: «وأنا أشهدُ أنّك لا إله إلا أنت العزيز الحكيم»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣‏/‏٣٧ (١٤٢١)، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٦١٦ (٣٣٠٣). قال الهيثمي في المجمع ٦‏/‏٣٢٥ (١٠٨٨٩): «رواه أحمد، والطبراني... وفي أسانيدهما مجاهيل». وضعَّفه الألباني في الضعيفة (٦٢٤٠).
٢
عن غالب القَطّان، قال: أتيتُ الكوفةَ في تجارة، فنزلت قريبًا مِن الأعمش، فلما كان ليلةَ أردتُ أنْ أنْحَدِرَ قام فتَهَجَّد مِن الليل، فمرَّ بهذه الآية: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ إلى قوله: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، فقال: وأنا أشهدُ بما شهد الله به، وأستودع اللهَ هذه الشهادةَ، وهي لي وديعةٌ عند الله. قالها مِرارًا، فقلت: لقد سمع فيها شيئًا، فسألتُه، فقال: حدّثني أبو وائل، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «يُجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول اللهُ: عبدي عَهِد إلَيَّ، وأنا أحَقُّ مَن وفّى بالعَهْدِ؛ أدْخِلُوا عبدي الجنة»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ١٠‏/‏١٩٩ (١٠٤٥٣)، والبيهقي في الشعب ٤‏/‏٧٠ (٢١٩٠). قال ابن عدي في الكامل ٦‏/‏٦٧ (١٢٠٦): «عمر بن المختار بصريٌّ يُحَدِّثُ بالبواطيل». وأورد له هذا الحديث. وقال البيهقي: «عمار بن المختار عن أبيه، ضعيفان، وهذا لم يأت به غيرُهما». وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية ١‏/‏١٠٢-١٠٣ (١٤٦-١٤٨): «هذا حديثٌ لا يَصِحُّ عن رسول الله ﷺ، تَفَرَّد به عمرُ بنُ المختار، وعمرُ يُحَدِّث بالأباطيل، وفي الطريق الأول عمران، وهو غلط، إنما هو عمّار بن عمر، قال العقيلي: لا يتابع عمّار على حديثه، ولا يعرف إلا به». وقال الهيثمي في المجمع ٦‏/‏٣٢٥-٣٢٦ (١٠٨٩٠): «رواه الطبراني، وفيه عمر بن المختار، وهو ضعيف». وقال السيوطي: «والبيهقي في شعب الإيمان، وضعَّفه». وقال الألباني في الضعيفة ١٣‏/‏٥١٤ (٦٢٣٩): «منكر».
٣
عن حمزة الزيّات، قال: خرجتُ ذاتَ ليلةٍ أريد الكوفةَ، فآواني الليلُ إلى خَرِبة، فدخلتُها، فبينا أنا فيها دخل عليَّ عفريتان مِن الجنِّ، فقال أحدُهما لصاحبه: هذا حمزةُ بنُ حبيب الزَّيّاتُ الذي يُقْرِئُ الناسَ بالكوفة؟ قال: نعم، واللهِ، لأَقْتُلَنَّهُ. قال: دَعْهُ المسكينَ يعيشُ. قال: لأَقْتُلَنَّه. فلمّا أزْمَعَ على قتلي قلتُ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾، وأنا على ذلك من الشاهدين. فقال له صاحبه: دونَك الآنَ، فاحفَظْهُ راغِمًا إلى الصّباح١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو الشيخ في العظمة (١١٠٧).

نزول الآية

٣ أقوال
١
عن سعيد بن جبير -من طريق جعفر بن ربيعة- قال: كان حول البيت ستون وثلاثمائة صَنَم، لكل قبيلة من قبائل العرب صنمٌ أو صنمان؛ فأنزل الله: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ الآية، قال: فأصبحتِ الأصنامُ كلُّها قد خَرَّت سُجَّدًا للكعبة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن المنذر (٣٠٠). وعلّقه عَبد بن حُمَيد كما في قطعة من تفسيره ص٢٥.
٢
عن محمد بن السائب الكلبي أنّه قال: لَمّا ظهر رسولُ الله ﷺ بالمدينة قدم عليه حَبْران مِن أحبار أهل الشام، فلمّا أبصرا المدينةَ قال أحدُهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان. فلمّا دخلا على النبي ﷺ عرفاه بالصِّفة والنَّعْت، فقالا له: أنت محمدٌ؟ قال: «نعم». قالا: وأنت أحمد؟ قال: «نعم». قالا: إنّا نسألك عن شهادة، فإن أنت أخبرتَنا بها آمنّا بك وصدَّقناك. فقال لهما رسول الله ﷺ: «سَلانِي». فقالا: أخبِرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله. فأنزل الله تعالى على نبيه: ﴿شَهِدَ اللهُ أنَّهُ لا إلهَ إلّا هُوَ والـمَلائِكَةُ وأُولوا العِلمِ﴾. فأسلم الرجلان، وصَدَّقا برسول الله ﷺ١
التخريج
  1. ١أورده الواحديُّ في أسباب النزول ص٩٩.
٣
قال مقاتل بن سليمان: قوله سبحانه: ﴿شهد الله﴾، وذلك أنّ عبد الله بن سلام وأصحابه مؤمني أهل التوراة قالوا لرُؤوس اليهود: إنّ محمدًا رسولُ الله ﷺ، ودينه الحقُّ؛ فاتَّبِعوه. فقالت اليهود: دينُنا أفضلُ من دينكم. فقال الله تبارك وتعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم﴾ الآية١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٢٦٧.
التفسير بالمأثور لسورة آل عمران كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٨ من سورة آل عمران

٢٠ وقفةً في هذه الآية

  • (قائما بالقسط) (قائما) العدل يحتاج : لقيام ورؤية كاملة وتعب ، فﻻ قعود مع العدل

    — عقيل الشمري

  • ما قرأت آية شرف الله فيها المقربين عنده بالشهادة له مثل هذه الآية آل{شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط…}

    — محمد الربيعة

  • ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ أجلُّ شاهد بأجل مشهود به.

    — نايف الفيصل

  • ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأُولو العلم قائما بالقسط﴾ قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته، وهذه خصوصية عظيمة للعلماء.

    — ابن كثير

  • "شهد الله (أنه لا إله إلا هو) والملائكة (وأولو العلم)" نصيبك من العلم بقدر يقينك بالتوحيد ودعوتك إليه

    — عبدالله بلقاسم

  • سورة آل عمران (18) فعلم وعلم

    — سعود بن خالد آل سعود الكبير

  • الزمر : 9 العنكبوت : 49 آل عمران : 18 العنكبوت : 43 طه : 114

    — سعود بن خالد آل سعود الكبير

  • برنامج لطائف قرآنية سورة آل عمران آية 18 الجزء الأول

    — محمد حسان

  • سورة آل عمران آية (18)

    — عبدالله بلقاسم

  • مجالس في تدبر القرآن سورة آل عمران آيه 18

    — خالد السبت

  • من شرف العلماء أن الله جل جلاله أشهدهم على أعظم حقيقة " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط .."

    — بلال الفارس

  • سورة آل عمران سورة التوحيد تكرر فيها {اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} في أول عشرين آية أربع مرات

    — مجالس التدبر

و٨ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ١٨ من سورة آل عمران

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١٨ من سورة آل عمران

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(18) Allāh witnesses that there is no deity except Him, and [so do] the angels and those of knowledge - [that He is] maintaining [creation] in justice. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال