جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿إِنّ الدّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ إِلاّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾
ومعنى الدين في هذا الموضع : الطاعة والذلة، من قول الشاعر :
| ويوْمُ الحَزْنِ إذْ حَشَدَتْ مَعَدّ | وكانَ النّاسُ إلاّ نَحنُ دِينَا |
*** كانَتْ نَوَارُ تَدِينُكَ الأدْيانَا ***
يعني تذلّك. وقول الأعشى ميمون بن قيس :
| هُوَ دَان الرّبابِ إذْ كَرِهُوا الدّ | ينَ دِرَاكا بغَزْوَةٍ وَصيالِ |
وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله :﴿إنّ الدّينَ عِنْدَ اللّهِ الإسْلام﴾ والإسلام : شهادة أن لا إلَه إلا الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودل عليه أولياءه، لا يقبل غيره ولا يجزى إلا به.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال : حدثنا أبو العالية في قوله :﴿إنّ الدّينَ عِنْدَ اللّهِ الإسْلام﴾ قال : الإسلام : الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر الفرائض لهذا تبع.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿أسْلَمْنَا﴾ قال : دخلنا في السلم وتركنا الحرب.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير :﴿إنّ الدينَ عندَ اللّهِ الإسلامَ﴾ : أي ما أنت عليه يا محمد من التوحيد للربّ والتصديق للرسل.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَما اخْتَلَفَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيا بَيْنَهُمْ﴾.
يعني بذلك جل ثناؤه : وما اختلف الذين أوتوا الإنجيل، وهو الكتاب الذي ذكره الله في هذه الآية في أمر عيسى، وافترائهم على الله فيما قالوه فيه من الأقوال التي كثر بها اختلافهم بينهم وتشتت بها كلمتهم، وباين بها بعضهم بعضا، حتى استحلّ بها بعضهم دماء بعض، ﴿إلاّ مِنْ بَعْدِ ما جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيا بَينهم﴾ يعني : إلا من بعد ما علموا الحقّ فيما اختلفوا فيه من أمره وأيقنوا أنهم فيما يقولون فيه من عظيم الفرية مبطلون. فأخبر الله عباده أنهم أتوا ما أتوا من الباطل وقالوا ما قالوا من القول الذي هو كفر بالله على علم منهم بخطإ ما قالوه، وأنهم لم يقولوا ذلك جهلاً منهم بخطئه، ولكنهم قالوه واختلفوا فيه الاختلاف الذي هم عليه، تعدّيا من بعضهم على بعض، وطلب الرياسات والملك والسلطان. كما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله :﴿وَما اخْتَلَفَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيا بَيْنَهُمْ﴾ قال : قال أبو العالية : إلا من بعدما جاءهم الكتاب والعلم بغيا بينهم، يقول : بغيا على الدنيا وطلب ملكها وسلطانها، فقتل بعضهم بعضا على الدنيا، من بعد ما كانوا علماء الناس.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن ابن عمر : أنه كان يكثر تلاوة هذه الاَية :﴿إنّ الدّينَ عِنْدَ اللّهِ الإسلام وَما اخْتَلَفَ الّذِينَ أُوتُوا الكتابَ إلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيا بَيْنَهُمْ﴾ يقول : بغيا على الدنيا، وطلب ملكها وسلطانها، من قِبَلها واللّه أُتينا ! ما كان علينا من يكون، بعد أن يأخذ فينا كتاب الله وسنة نبيه، ولكنا أُتينا من قبلها.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال : إن موسى لما حضره الموت دعا سبعين حبرا من أحبار بني إسرائيل، فاستودعهم التوراة، وجعلهم أمناء عليه، كل حبر جزءا منه، واستخلف موسى يوشع بن نون. فلما مضى القرن الأوّل، ومضى الثاني، ومضى الثالث، وقعت الفرقة بينهم، وهم الذين أوتوا العلم من أبناء أولئك السبعين، حتى أهراقوا بينهم الدماء، ووقع الشّر والاختلاف، وكان ذلك كله من قبل الذين أوتوا العلم بغيا بينهم على الدنيا، طلبا لسلطانها وملكها وخزائنَها وزخرفها، فسلط الله عليهم جبابرتهم، فقال الله :﴿إنّ الدّينَ عِنْدَ اللّهِ الإسْلامِ﴾ إلى قوله :﴿وَاللّهِ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.
فقول الربيع بن أنس هذا يدلّ على أنه كان عنده أنه معنيّ بقوله :﴿وَما اختلَفَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ اليهود من بني إسرائيل دون النصارى منهم ومن غيرهم. وكان غيره يوجه ذلك إلى أن المعنيّ به النصارى الذين أوتوا الإنجيل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير :﴿وَما اختَلَفَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ الذي جاءك، أي أن الله الواحد الذي ليس له شريك، ﴿بَغْيا بَيْنَهُمْ﴾ يعني بذلك : النصارى.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بآياتِ اللّهِ فإنّ اللّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾.
يعني بذلك : ومن يجحد حجج الله وأعلامه التي نصبها ذكرى لمن عقل، وأدلة لمن اعتبر وتذكر، فإن الله محص عليه أعماله التي كان يعملها في الدنيا، فمجازيه بها في الآخرة، فإنه جلّ ثناؤه سريع الحساب، يعني : سريع الإحصاء. وإنما معنى ذلك : أنه حافظٌ على كل عامل عمله، لا حاجة به إلى عقد، كما يعقده خلقه بأكفهم، أو يعونه بقلوبهم، ولكنه يحفظ ذلك عليهم بغير كلفة ولا مؤونة، ولا معاناة لما يعانيه غيره من الحساب.
وبنحو الذي قلنا في معنى ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ كان مجاهد يقول.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله عزّ وجلّ :﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بآياتِ اللّهِ فإنّ اللّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ قال : إحصاؤه عليهم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد :﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بآياتِ اللّهِ فَإنّ اللّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ إحصاؤه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
٦٧٦١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:"شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم"، بخلاف ما قالوا - يعني: بخلاف ما قال وفدُ نجران من النصارى ="قائمًا بالقسط"، أي بالعدل. (١)
٦٧٦٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"بالقسط"، بالعدل.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾
قال أبو جعفر: ومعنى"الدين"، في هذا الموضع: الطاعة والذّلة، من قول الشاعر: (٢)
| وَيَوْمُ الحَزْنِ إِذْ حُشِدَتْ مَعَدٌّ | وَكَانَ النَّاسُ، إِلا نَحْنُ دِينَا (٣) |
(٢) لم أعرف قائله بعد.
(٣) سيأتي في التفسير ٢٦: ١١٥ (بولاق) ومعه بيت سنذكره. والشطر الثاني من البيت الأول في اللسان (دين)، وفي غيره من كتب اللغة. وأنا في شك من صحة هذا البيت، ولم أعرف"يوم الحزن"، ما أراد به. وأظن"حشدت"، "حشرت" من"الحشر"، والبيت الذي يليه:
| عَصَيْنَا عَزْمَةَ الجَبَّارِ، حتَّى | صَبَحْنَا الجُرْفَ ألفًا مُعْلِمِينَا |
وفي الطبري هناك"صحبنا" وهو خطأ. و"صبحنا"، من قولهم: "صبح القوم شرًا" أي جاءهم به، و"صبحتهم الخيل"، جاءتهم صبحًا. و"ألفًا" يعني: ألف فرس عليها فرسانها. و"المعلم": الفارس يجعل لنفسه علامة الشجعان، أو جعل على فرسه علامة، فهو فرس معلم. يريد: غزونا معقل المنذر الجبار ومنازله، وصبحناه فدمرنا عليه منازله. وفي الطبري"حرمة الجبار"، والتصحيح من معاني القرآن للفراء، كما أسلفت.
كانَتْ نَوَارُ تَدِينُك الأدْيانا (١)
يعني: تُذلك، وقول الأعشى ميمون بن قيس:
| هُوَ دَانَ الرِّبَابَ إذْ كَرِهُوا الدِّ | ينَ دِرَاكًا بِغَزْوَةٍ وَصِيَالِ (٢) |
* * *
وكذلك"الإسلام"، وهو الانقياد بالتذلل والخشوع، والفعل منه:"أسلم" بمعنى: دخل في السلم، كما يقال:"أقحط القوم"، إذا دخلوا في القحط،
| رَمَتِ المَقَاتِلَ مِنْ فُؤَادِكَ، بَعْدَ ما | كانَتْ جَنُوبُ تَدِينُكَ الأدْيانَا |
| تجزيك". وَأَرَى الغَوَانِي إنّمَا هِيَ جِنَّةٌ | شَبَهُ الرِّيَاحِ تَلَوَّنُ الأَلْوَانَا |
| فَإذَا دَعَوْنَكَ عَمَّهُنّ، فَلاَ تُجِبْ | فَهُنَاكَ لاَ يَجِدُ الصَّفَاءُ مَكَانَا |
| نَسَبٌ يَزِيدُكَ عِنْدَهُنّ حَقَارَةً | وعَلَى ذَوَاتِ شَبَابِهِنّ هَوَانَا |
| وَإذَا وَعَدْنَ، فَهُنَّ أكثَرُ واعِدٍ | خُلْفًا، وَأمْلَحُ حانِثٍ أيْمَانَا |
| وَإذَا رَأَيْنَ مِنَ الشّبَابِ لدُونَةً، | فَعَسَتْ حِبَالُكَ أَنْ تَكونَ مِتَانَا! |
(٢) مضى بيان هذا البيت فيما سلف ٣: ٥٧١.
* * *
فإذْ كان ذلك كذلك، فتأويل قوله:"إنّ الدّين عند الله الإسلام": إنَّ الطاعةَ التي هي الطاعة عنده، الطاعةُ له، وإقرار الألسن والقلوب له بالعبودية والذّلة، وانقيادُها له بالطاعة فيما أمر ونهى، وتذلُّلها له بذلك، من غير استكبار عليه، ولا انحراف عنه، دون إشراك غيره من خلقه معه في العبودة والألوهة. (٢)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٦٧٦٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"إنّ الدين عندَ الله الإسلام"، والإسلام: شهادة أنّ لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، (٣) وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودلّ عليه أولياءه، لا يقبل غيرَه ولا يجزى إلا به.
٦٧٦٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال، حدثنا أبو العالية في قوله:"إن الدين عند الله الإسلام"، قال:"الإسلام"، الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له،
(٢) في المطبوعة: "في العبودية والألوهية"، وأثبت ما في المخطوطة، وقد مضى استعماله العبودة فيما سلف ص: ٢٧١، تعليق: ١. و"الألوهة، والإلاهة، والألوهية": العبادة، وانظر ما سلف ١: ١٢٤ وما قبلها.
(٣) قوله: "بما جاء به"، الضمير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنه قال: "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله"، ولا تتم شهادة إلا به، بأبي هو وأمي. وهكذا ذكره السيوطي بنصه في الدر المنثور ٢: ١٢، ونسبه إلى عبد بن حميد أيضًا بهذا اللفظ.
٦٧٦٥ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (أَسْلَمْنَا) [سورة الحجرات: ١٤]، قال: دخلنا في السِّلم، وتركنا الحرب. (١)
٦٧٦٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:"إنّ الدين عند الله الإسلام"، أي: ما أنت عليه يا محمد من التوحيد للربّ، والتصديق للرسل. (٢)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وما اختلف الذين أوتوا الإنجيل - وهو"الكتاب" الذي ذكره الله في هذه الآية - في أمر عيسى، وافترائهم على الله فيما قالوه فيه من الأقوال التي كثر بها اختلافهم بينهم، وتشتّتت بها كلمتهم، وباين بها بعضهم بعضًا؛ حتى استحلّ بها بعضُهم دماءَ بعض ="إلا من بعد ما جَاءهم العلم بغيًا بينهم"، يعني: إلا من بعد ما علموا الحقّ فيما اختلفوا فيه من أمره، وأيقنوا أنهم فيما يقولون فيه من عظيم الفِرْية مبطلون. (٣) فأخبر الله عباده أنهم أتوا ما أتوا من الباطل، وقالوا من القول الذي هو كفر بالله، على علم منهم بخطأ
(٢) الأثر: ٦٧٦٦ - رواه ابن هشام في سيرته عن ابن إسحاق ٢: ٢٢٧، وأسقط"من" من قوله: "من التوحيد". وهو من بقية الآثار التي آخرها رقم: ٦٧٦١.
(٣) انظر تفسير"البغي" فيما سلف ٢: ٣٤٢ / ثم تفسير مثل هذه الآية فيما سلف ٤: ٢٨١، ٢٨٢.
٦٧٦٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"وما اختلف الذين أتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم"، قال: قال أبو العالية، إلا من بعد ما جاءهم الكتابُ والعلم ="بغيًا بينهم"، يقول: بغيًا على الدنيا، وطلبَ ملكها وسلطانها، فقتل بعضهم بعضًا على الدنيا، من بعد ما كانوا علماءَ الناس.
٦٧٦٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن ابن عمر: أنه كان يكثر تلاوة هذه الآية:"إنّ الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم"، يقول: بغيًا على الدنيا، وطلبَ ملكها وسلطانها. مِنْ قِبَلها والله أتِينا! ما كان علينا مَنْ يكون علينا، (١) بعد أن يأخذ فينا كتابَ الله وسنة نبيه، ولكنا أتِينا من قبلها.
٦٧٦٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: إن موسى لما حضره الموتُ دعا سبعين حَبرا من أحبار بني إسرائيل، فاستودعهم التوراة، وجعلهم أمناء عليه، كلّ حبر جُزءًا منه، (٢) واستخلف موسى يوشع بن نون. فلما مضى القرن الأول ومضى الثاني ومضى الثالث، وقعت الفرقة بينهم - وهم الذين أوتوا العلم من أبناء أولئك السبعين - حتى
(٢) هكذا جاء نص هذه العبارة في المخطوطة أيضًا، وفي الدر المنثور ٢: ١٣، كأنه قال: استودع كل حبر جزءًا منه. وهي عبارة فيها ما فيها.
* * *
فقولُ الربيع بن أنس هَذا، (١) يدلّ على أنه كان عنده أنه معنيٌّ بقوله:"وما اختلف الذين أوتوا الكتاب"، اليهودُ من بني إسرائيل، دون النَّصارى منهم، وغيرهم. (٢)
* * *
وكان غيره يوجه ذلك إلى أن المعنىّ به النصارى الذين أوتوا الإنجيل.
ذكر من قال ذلك:
٦٧٧٠ - حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:"وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم"، الذي جاءك، أي أنّ اللهَ الواحدُ الذي ليس له شريك ="بغيًا بينهم"، يعني بذلك النصارى. (٣)
* * *
(٢) قوله: "دون النصارى منهم" معناه: دون النصارى من الذين أوتوا العلم. أما قوله: "وغيرهم"، أي: ودون غير النصارى من الذين أوتوا العلم، إشارة إلى ما جاء في خبر ابن عمر السالف رقم ٦٧٦٨. وكان في المطبوعة: "دون النصارى منهم ومن غيرهم"، وهي جملة لا يستقيم معناها، فحذفت"من" لذلك.
(٣) الأثر: ٦٧٧٠- رواه ابن هشام في سيرته عن ابن إسحاق ٢: ٢٢٧، وهو بقية الآثار التي آخرها رقم: ٦٧٦٦، وقوله: "يعني بذلك النصارى"، ليس في ابن هشام، وكأنه من تفسير الطبري للخبر.
القول في تأويل قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك: ومن يجحدُ حجج الله وأعلامه التي نصَبها ذكرَى لمن عقل، وأدلةً لمن اعتبر وتذكر، فإن الله محص عليه أعماله التي كان يعملها في الدنيا، فمجازيه بها في الآخرة، فإنه جل ثناؤه"سريع الحساب"، يعني: سريع الإحصاء. وإنما معنى ذلك أنه حافظ على كل عامل عمله، لا حاجة به إلى عقد كما يعقده خلقه بأكفِّهم، أو يعونه بقلوبهم، ولكنه يحفظ ذلك عليهم، بغير كلفة ولا مؤونة، ولا معاناة لما يعانيه غيرُه من الحساب. (١)
* * *
وبنحو الذي قلنا في معنى"سريع الحساب"، كان مجاهد يقول:
٦٧٧١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"ومن يكفر بآيات الله فإنّ الله سريع الحساب"، قال: إحصاؤه عليهم.
٦٧٧٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب"، إحصاؤه.
* * *