بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي
عن الكتاب
ثم قال عز وجل ﴿إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ قرأ الكسائي إنَّ ﴿الدين﴾ بالنصب على معنى البناء يعني شهدوا أنه لا إله إلا هو، وأَنَّ الدين عند الله الإسلام، والباقون بالكسر على معنى الابتداء، ومعناه إن الدين المرضيَّ عند الله الإسلام ﴿وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ في هذا الدين ﴿إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ يعني بيان أمر محمد ﷺ، وهم اليهود والنصارى، فلما بعث الله تعالى محمداً، كفروا حسداً منهم، هكذا قال مقاتل. ويقال : إنهم كانوا مسلمين، وكانا يسمّون بذلك، وكان عيسى عليه السلام سمى أصحابه مسلمين، فحسدتهم اليهود لمشاركتهم في الاسم فغيَّروا ذلك الاسم، وسُمُّوا يهوداً، وأما النصارى فغيرهم عن ذلك الاسم بولس، وسماهم نصارى، فذلك قوله :﴿وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ يعني غَيّروا الاسم حسداً منهم ثم قال :﴿وَمَن يَكْفُرْ بآيات الله فَإِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾ لأنه قد جاء في آية أخرى ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السماوات والأرض وَمَا أَمْرُ الساعة إِلاَّ كَلَمْحِ البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ الله على كُلِّ شيء قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٧] وقوله :﴿سَرِيعُ الحساب﴾ يعني سريع المجازاة ويقال سريع التعريف للعامل عمله، لأنه عالم بجميع ما عملوا، لا يحتاج إلى إثبات شيء، وتذكر شيء. ويقال : إذا حاسب، فحسابه سريع يحاسب جميع الخلق في وقت واحد، كل واحد منهم يظن أنه يحاسبه خاصة.