تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾.
قرأ جمهور القرّاء ﴿إنّ الدينَ عِندَ الله الإسلام﴾ بكسر همزة إنّ فهو استئناف ابتدائي لبيان فضيلة هذا الدين بِأجمَع عبارة وأوجزَها.
وهذا شروع في أول غرض أنزلت فيه هذه السورة : غرض محاجّة نصارى نجران، فهذا الاستئناف من مناسبات افتتاح السورة بذكر تنزيل القرآن والتوراة والإنجيل، ثم بتخصيص القرآن بالذكر وتفضيله بأنّ هديه يفوق هدي ما قبله من الكتب، إذ هو الفرقان، فإنّ ذلك أسّ الدين القويم، ولما كان الكلام المتقدم مشتملاً على تعريض باليهود والنصارى الذين كذبوا بالقرآن، وإبطالٍ لقول وفد نجران لما طلب منهم الرسول ﷺ الإسلام « أسْلَمْنَا قبلَك » فقال لهم :« كَذَبْتُم » روى الواحدي، ومحمد بن إسحاق : أنّ وفد نجران لما دخلوا المسجد النبوي تكلم السيد والعاقب فقال لهما رسول الله : " أسْلِمَا " قالا :« قد أسلمنا قبلك » قال : " كذبتما، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما للَّهِ ولدا، وعبادتُكما الصليب "، ناسب أن ينوّه بعد ذلك بالإسلام الذي جاء به القرآن، ولذلك عطف على هذه الجملة قوله :{ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلاّ من بعد ما جاءهم العلم.
واعلم أنّ جمل الكلام البليغ لا يخلو انتظامها عن المناسبة، وإن كان بعضها استئنافاً، وإنّما لا تطلب المناسبة في المحادثات والاقتضابات.
وتوكيد الكلام ﴿بأنّ﴾ تحقيق لما تضمنَّه من حصر حقيقة الدين عند الله في الإسلام : أي الدين الكامل.
وقرأ الكسائي ﴿أنّ الدين﴾ بفتح همزة أنّ على أنّه بدل من ﴿أنَّه لا إله إلاّ هو﴾ [آل عمران: ١٨] أي شهد الله بأنّ الدين عند الله الإسلام.
والدين : حقيقته في الأصل الجزاء، ثم صار حقيقة عرفية يطلق على : مجموع عقائد، وأعمال يلقّنها رسولٌ من عند الله ويعد العاملين بها بالنعيم والمعرضين عنها بالعقاب. ثم أطلق على ما يشْبِه ذلك مما يضعه بعض زعماء الناس من تلقاء عقله فتَلتزمه طائفة من الناس. وسمّي الدين ديناً لأنّه يترقب منه مُتَّبِعُهُ الجزاءَ عاجلاً أو آجلاً، فما من أهل دين إلاّ وهم يترقّبون جزاء من رب ذلك الدين، فالمشركون يطمعون في إعانة الآلهة ووساطتهم ورضاهم عنهم، ويقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وقال أبو سفيان يوم أحُد : أعْلُ هُبَلْ. وقال يوم فتح مكة لما قال له العباس : أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله :« لقد علمتُ أنْ لو كان معه إله غَيرُه لقد أغنى عَنّي شيئاً ». وأهل الأديان الإلهيَّة يترقّبون الجزاء الأوْفَى في الدنيا والآخرة، فأول دين إلهي كان حقاً وبه كان اهتداء الإنسان، ثم طرأت الأديان المكذوبة، وتشبّهت بالأديان الصحيحة، قال الله تعالى تعليماً لرسوله ﴿لكم دينكم ولي ديني﴾ [الكافرون: ٦] وقال :﴿ما كان ليأخذ أخاه فِي دِين الملك﴾ [يوسف: ٧٦].
وقد عرّف العلماء الدين الصحيح بأنّه « وضعٌ إلهيٌّ سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخيْر باطناً وظاهراً ».
والإسلام علم بالغلبة على مجموع الدِّين الذي جاء به محمد ﷺ كما أُطلق على ذلك الإيمان أيضاً، ولذلك لقب أَتباع هذا الدين بالمسلمين وبالمؤمنين، وهو الإطلاق المراد هنا، وهو تسمية بمصدر أَسْلَم إذا أذْعَن ولم يعاند إذعاناً عن اعتراف بحق لا عن عجز، وهذا اللقب أولى بالإطلاق على هذا الدين من لقب الإيمان ؛ لأنّ الإسلام هو المظهر البين لمتابعة الرسول فيما جاء به من الحق، واطّراح كل حائل يحول دون ذلك، بخلاف الإيمان فإنّه اعتقاد قلبي، ولذلك قال الله تعالى :﴿هو سمَّاكم المسلمين﴾ [الحج: ٧٨] وقال :﴿فقل أسلمتُ وجهي للَّه ومن اتّبعني﴾ [آل عمران: ٢٠] ولأنّ الإسلام لا يكون إلاّ عن اعتقاد لأنّ الفعل أثر الإدراك، بخلاف العكس فقد يكون الاعتقاد مع المكابرة.
وربما أطلق الإسلام على خصوص الأعمال ؛ والإيمان على الاعتقاد، وهو إطلاق مناسب لحالتي التفكيك بين الأمرين في الواقع، كما في قوله تعالى، خطاباً لقوم أسلموا متردّدين ﴿قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ [الحجرات: ١٤]، أو التفكيك في تصوير الماهية عند التعليم لحقائق المعاني الشرعية أو اللغوية كما وقع في حديث جبريل : من ذكر معنى الإيمان، والإسلام، والإحسان.
والتعريف في الدين تعريف الجنس ؛ إذ لا يستقيم معنى العهد الخارجي هنا وتعريف الإسلام تعريف العلم بالغلبة : لأنّ الإسلام صار علماً بالغَلَبة على الدين المحمّدي.
فقوله :﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ صيغة حصر، وهي تقتضي في اللسان حصر المسند إليه، وهو الدين، في المسند، وهو الإسلام، على قاعدة الحصر بتعريف جزئي الجملة، أي لا دين إلا الإسلام، وقد أكّد هذا الانحصار بحرف التوكيد.
وقولُه :﴿عند الإسلام﴾ وصف للدين، والعندية عندية الاعتبار والاعتناءِ وليست عندية علم : فأفاد، أنّ الدين الصحيح هو الإسلام، فيكون قصراً للمسند، إليه باعتبار قيد فيه، لا في جميع اعتباراته : نظير قول الخنساء :
إذا قَبُحَ البُكاءُ على قتيلرأيتُ بكاءَكَ الحَسَن الجَميلا
فحصرت الحَسَن في بكائه بقاعدة أنّ المقصور هو الحسن لأنّه هو المعرف باللاّم، وهذا الحصر باعتبار التقييد بوقتِ قُبْح البكاء على القتلى وهو قصر حُسْن بكائها على ذلك الوقت، ليكون لبكائها على صخر مزية زائدة على بكاء القتلى المتعارف وإن أبى اعتبار القصر في البيت أصلاً صَاحب المطوّل.
وإذ قد جاءت أديان صحيحة أمر الله بها فالحصر مؤول : إمّا باعتبار أنّ الدين الصحيح عند الله، حينَ الإخبار، وهو الإسلام، لأنّ الخبر ينظر فيه إلى وقت الإخبار ؛ إذ الأخبار كلّها حقائق في الحال، ولا شك أنّ وقت الإخبار ليس فيه دين صحيح غير الإسلام ؛ إذ قد عرض لبقية الأديان الإلهية، من خلط الفاسد بالصحيح، ما أختل لأجله مجموع الدين، وإما باعتبار الكمال عند الله فيكون القصر باعتبار سائر الأزمان والعصور ؛ إذ لا أكمل من هذا الدين، وما تقدّمه من الأديان لم يكن بالغاً غاية المراد من البشر في صلاح شؤونهم، بل كان كل دين مضى مقتصراً على مقدار الحاجة من أمة معيّنة في زمن معيّن، وهذا المعنى أولي محملي الآية، لأنّ مُفاده أعم، وتعبيره عن حاصل صفة دين الإسلام تُجاه بقية الأديان الإلهية أتم.
ذلك أنّ مراد الله تعالى من توجيه الشرائع وإرسال الرسل، ليس مجرّد قرع الأسماع بعبارات التشريع أو التذوّق لدَقائق تراكيبه، بل مراد الله تعالى ممّا شرع للناس هو عملهم بتعاليم رسله وكتبه، ولما كان المراد من ذلك هو العمل، جعل الله الشرائع مناسبة لقابليات المخاطبين بها، وجارية على قدر قبول عقولهم ومقدرتهم، ليتمكّنوا من العمل بها بدوامٍ وانتظام، فلذلك كان المقصود من التدّين أن يكون ذلك التعليم الديني دأباً وعادة لمنتحليه، وحيثُ النفوسُ لا تستطيع الانصياع إلى ما لا يتّفق مع مدركاتها، لا جرم تعيّن مراعاة حال المخاطبين في سائر الأديان. ليمكن للأمم العمل بتعاليم شرائعها بانتظام ومواظبة.
وقد كانت أحوال الجماعات البشرية، في أول عهود الحضارة، حالاتِ عكوف على عوائد وتقاليد بسيطة، ائتلفت رُويدَا رويدَا على حسب دواعي الحاجات، وما تلك الدواعي، التي تسبّبت في ائتلاف تلك العوائد، إلاّ دواع غير منتشرة ؛ لأنّها تنحصر فيما يعود على الفرد بحفظ حياته، ودفع الآلام عنه، ثم بحفظ حياة من يرى له مزيد اتّصال به، وتحسينِ حاله، فبذلك ائتلف نظام الفرد، ثم نظام العائلة، ثم نظام العشيرة، وهاته النُظُم المتقابسة هي نُظم متساوية الأشكال ؛ إذ كلّها لا يعدو حفظ الحياة، بالغذاء والدفاعِ عن النفس، ودفعَ الآلام بالكساء والمسكن والزواج، والانتصار للعائلة وللقبيلة ؛ لأنّ بها الاعتزاز، ثم ما نشأ عن ذلك من تعاون الآحاد على ذلك، بإعداد المعدّات : وهو التعاوض والتعامل، فلم تكن فكرة الناس تعدو هذه الحالة، وبذلك لم يكن لإحدى الجماعات شعور بما يجري لدى جماعة أخرى، فضلاً عن التفكير في اقتباس إحداها مما يجري لدى غيرها، وتلك حالة قناعة العيش، وقصور الهمة، وانعدام الدواعي فإذا حصلت الأسباب الآنفة عدّ الناس أنفسهم في منتهى السعادة.
وكان التباعد بين الجماعات في المواطن مع مشقة التواصُل، وما يعرض في ذلك من الأخطار والمتاعب، حائلاً عن أن يصادفهم ما يوجب اقتباس الأمم بعضها عن بعض وشعور بعضها بأخلاق بعض، فصار الصارف عن التعاون في الحضارة الفكرية مجموع حائلين : عدم الداعي، وانسداد وسائل الصدفة، اللهم إلاّ ما يعرض من وفادة وافد، أو اختلاط في نجعة أو موسم، على أنّ ذلك إن حصل فسرعان ما يطرأ عليه النسيان، فيصبح في خبر كان.
فكيف يرجى من أقوام، هذه حالهم، أن يدعوهم الداعي إلى صلاح في أوسع من دوائر مدركاتهم، ومتقارب تصوّر عقولهم، أليسوا إذا جاءهم مصلح كذلك لبسوا له جلد النمر، فأحسّ من سوء الطاعة حرق الجمر، لذلك لم تتعلّق حكمة الله تعالى، في قديم العصور، بتشريع شريعة جامعة صالحة لجميع البشر، بل كانت الشرائع تأتي إلى أقوام معيّنين ؛ وفي حديث مسلم، في صفة عرض الأمم للحساب أنّ رسول الله قال :« فيجيء النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد » وفي رواية البخاري :« فجعل النبي والنّبيئان يمرّون معهم الرهط » الحديث. وبقي الحق في خلال ذلك مشاعاً بين الأمم، ففي كلّ أمة تجد سداداً وأفناً، وبعض الحق لم يزل مخبوءاً لم يسفر عنه البيان.
ثم أخذ البشر يتعارفون بسبب الفتوح والهجرة، وتقاتلت الأمم المتقاربة المنازل، فحصل للأمم حظ من الحضارة، وتقاربت العوائد، وتوسّعت معلوماتهم، وحضارتهم، فكانت من الشرائع الإلهية : شريعة إبراهيم عليه السلام، ومن غيرها شريعة ( حمورابي ) في العراق، وشريعة البراهمة، وشريعة المصريين التي ذكرها الله تعالى في قوله :﴿ما كان ليأخذ أخاه في دِين الملك﴾ [يوسف: ٧٦].
ثم أعقبتها شريعة إلهية كبرى وهي شريعة موسى عليه السلام التي اختلط أهلها بأمم كثيرة في مسيرهم في التيه وما بعده، وجاورتها أو أعقبتها شرائع مثل شريعة ( زرادشت ) في الفرس، وشريعة ( كنفشيوس ) في الصين، وشريعة ( سولون ) في اليونان.
وفي هذه العصور كلّها لم تكن إحدى الشرائع عامة الدعوة، وهذه أكبر الشرائع وهي الموسوية لم تدْعُ غير بين إسرائيل ولم تدع الأممَ الأخرى التي مرّت عليها، وامتزجت بها، وصاهرتها، وكذلك جاءت المسيحية مقصورة على دعوة بني إسرائيل حتى دعا الناسَ إليها القدّيس بُولس بعد المسيح بنحو ثلاثين سنة.
إلى أن كان في القرن الرابع بعد المسيح حصول تقابس وتمازج بين أصناف البشر في الأخلاق والعوائد، بسببين : اضطراري، واختياري. أمّا الاضطراري فذلك أنّه قد ترامت الأمم بعضها على بعض، واتّجه أهل الشرق إلى الغرب، وأهل الغرب إلى الشرق، بالفتوح العظيمة الواقعة بين الفرس والروم، وهما يومئذ قطبا العالم، بما يتبع كل واحدة من أمم تنتمي إلى سلطانها، فكانت الحرب سجالاً بين الفريقين، وتوالت أزماناً طويلة.
وأمّا الاخ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى