المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
قد تقدم ذكر اختلاف القراء في كسر الألف من ﴿إن الدين﴾ وفتحها، و﴿الدين﴾ في هذه الآية الطاعة والملة، والمعنى، أن الدين المقبول أو النافع أو المقرر، و﴿الإسلام﴾ في هذه الآية هو الإيمان والطاعة، قاله أبو العالية وعليه جمهور المتكلمين، وعبر عنه قتادة ومحمد بن جعفر بن الزبير بالإيمان.
قال أبو محمد رحمه الله : ومرادهما، أنه من الأعمال، و﴿الإسلام﴾ هو الذي سأل عنه جبريل النبي عليه السلام حين جاء يعلم الناس دينهم الحديث(١) وجواب النبي له في الإيمان والإسلام يفسر ذلك، وكذلك تفسيره قوله عليه السلام : بني الإسلام على خمس، الحديث(٢)، وكل مؤمن بنبيه ملتزم لطاعات شرعه فهو داخل تحت هذه الصفة، وفي قراءة ابن مسعود «إن الدين عند الله للإسلام » باللام(٣) ثم أخبر تعالى عن اختلاف أهل الكتاب، أنه كان على(٤) علم منهم بالحقائق، وأنه كان بغياً وطلباً للدنيا، قاله ابن عمر وغيره.
و ﴿والذين أوتوا الكتاب﴾ لفظ يعم اليهود والنصارى، لكن الربيع بن أنس قال، المراد بهذه الآية اليهود(٥)، وذلك أن موسى عليه السلام، لما حضرته الوفاة، دعا سبعين حبراً من أحبار(٦) بني إسرائيل فاستودعهم التوراة، عند كل حبر جزء، واستخلف يوشع بن نون فلما مضت ثلاثة قرون، وقعت الفرقة بينهم، وقال محمد بن جعفر بن الزبير : المراد بهذه الآية النصارى، وهي توبيخ لنصارى نجران، و﴿بغياً﴾ نصب على المفعول من أجله أو على الحال من ﴿الذين﴾ ثم توعد عز وجل الكفار، وسرعة الحساب يحتمل أن يراد بها سرعة مجيء القيامة والحساب إذ هي متيقنة الوقوع، فكل آت قريب ويحتمل أن يراد بسرعة الحساب أن الله تعالى بإحاطته بكل شيء علماً لا يحتاج إلى عد ولا فكرة، قاله مجاهد.
١ - الحديث مشهور-أخرجه البخاري، ومسلم، والإمام أحمد، والبزار، والطبراني في الكبير بروايات مختلفة. "مجمع الزوائد ١/٣٨" والحديث مروي عن عمر بن الخطاب- وقد جاء فيه عن الإسلام والإيمان بلفظ مسلم: "وقال: يا محمد. أخبرني عن الإسلام، قال: "الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا" قال. صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه! قال: "فأخبرني عن الإيمان. قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" (مشكاة المصابيح ١/٩)..
٢ - أخرجه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي-عن ابن عمر- حديث صحيح. الجامع الصغير ١/٤٢٨- ونصه كما نقله في مشكاة المصابيح: (وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان). ثم قال: متفق عليه..
٣ - أي: المفتوحة..
٤ - في بعض الروايات: عن..
٥ - ما بين القوسين سقط في كثير من النسخ..
٦ -جاء في الصحاح: والحِبر والحَبر: واحد أحبار اليهود. قال أبو عبيد: والذي عندي أنه الحَبر. ومعناه: العالم بتحبير الكلام والعلم وتحسينه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى