فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ قرأه الجمهور بكسر إن على أن الجملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى، وقرئ بفتح أن. قال الكسائي : أنصبهما جميعاً يعني قوله :﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ﴾ وقوله :﴿إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ بمعنى شهد الله أنه كذا، وأن الدين عند الله الإسلام. قال ابن كيسان : إن الثانية بدل من الأولى. وقد ذهب الجمهور إلى أن الإسلام هنا بمعنى الإيمان، وإن كانا في الأصل متغايرين، كما في حديث جبريل الذي بيّن فيه النبي ﷺ معنى الإسلام، ومعنى الإيمان، وصدقه جبريل، وهو في الصحيحين، وغيرهما ولكنه قد يسمى كل واحد منهما باسم الآخر، وقد ورد ذلك في الكتاب والسنة. قوله :﴿وَمَا اختلف الذين أُوتُوا الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ فيه الإخبار بأن اختلاف اليهود، والنصارى كان لمجرد البغي بعد أن علموا بأنه يجب عليهم الدخول في دين الإسلام بما تضمنته كتبهم المنزلة إليهم. قال الأخفش : وفي الكلام تقديم وتأخير، والمعنى : ما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغياً بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم. والمراد بهذا الخلاف الواقع بينهم هو خلافهم في كون نبينا ﷺ نبياً أم لا ؟ وقيل : اختلافهم في نبوّة عيسى، وقيل : اختلافهم في ذات بينهم حتى قالت اليهود : ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى : ليست اليهود على شيء. قوله :﴿وَمَن يَكْفُرْ بآيات الله﴾ أي : بالآيات الدالة على أن الدين عند الله الإسلام ﴿فَإِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾ فيجازيه، ويعاقبه على كفره بآياته، والإظهار في قوله :﴿فإن الله﴾ مع كونه مقام الإضمار للتهويل عليهم، والتهديد لهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله :﴿قَائِمَاً بالقسط﴾ قال : بالعدل. وأخرج أيضاً، عن ابن عباس مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله :﴿إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ قال : الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودلّ عليه أولياءه لا يقبل غيره. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال : لم يبعث الله رسولاً إلا بالإسلام. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن سعيد بن جبير قال : كان حول البيت ستون وثلثمائة صنم لكل قبيلة من قبائل العرب صنم، أو صنمان، فأنزل الله :﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ﴾ الآية، فأصبحت الأصنام كلها قد خرّت، سجداً للكعبة. وأخرج ابن السني في عمل اليوم، والليلة، وأبو منصور الشحامي في الأربعين، عن علي قال : قال رسول الله ﷺ :" إن فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، والآيتين من آل عمران ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُوا العلم قَائِمَاً بالقسط لاَ إله إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم. إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ ﴿قُلِ اللهم مالك الملك تُؤْتِى الملك مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء﴾ إلى قوله :﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٢٦، ٢٧] هن معلقات بالعرش ما بينهن، وبين الله حجاب، يقلن : يا ربّ تهبطنا إلى أرضك، وإلى من يعصيك ؟ قال الله : إني حلفت لا يقرأكن أحد من عبادي دبر كل صلاة إلا جعلت الجنة مأواه على ما كان منه، وإلا أسكنته حظيرة القدس، وإلا نظرت إليه بعيني المكنونة كل يوم سبعين نظرة، وإلا قضيت له كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة، وإلا أعذته من كل عدو، ونصرته منه " وأخرج الديلمي في مسند الفردوس، عن أبي أيوب الأنصاري مرفوعاً نحوه، وفيه :" لا يتلوكن عبد دبر كل صلاة مكتوبة إلا غفرت له ما كان منه، وأسكنته جنة الفردوس، ونظرت إليه كل يوم سبعين مرة، وقضيت له سبعين حاجة أدناها المغفرة " وأخرج أحمد، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن السني، عن الزبير بن العوام قال :«سمعت رسول الله ﷺ، وهو بعرفة يقرأ هذه الآية :﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُوا العلم قَائِمَاً بالقسط لاَ إله إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم﴾ فقال :" وأنا على ذلك من الشاهدين " ولفظ الطبراني «وأنا أشهد أن لا إله إلا أنت العزيز الحكيم». وأخرج ابن عدي، والطبراني في الأوسط، والبيهقي في شعب الإيمان، وضعفه، والخطيب في تاريخه، وابن النجار عن غالب القطان ؛ قال : أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريباً من الأعمش. فلما كانت ليلة أردت أن أنحدر قام، فتهجد من الليل، فمرّ بهذه الآية ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ﴾ إلى قوله :﴿إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ فقال : وأنا أشهد بما شهد به الله، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي وديعة عند الله، قالها مراراً، فقلت : لقد سمع فيها شيئاً، فسألته فقال : حدثني أبو وائل عن عبد الله قال : قال رسول الله ﷺ :«يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله : عبدي عهد إليَّ، وأنا أحق من وفيَّ بالعهد أدخلوا عبدي الجنة» وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، في قوله :﴿وَمَا اختلف الذين أُوتُوا الكتاب﴾ قال : بنو إسرائيل. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية في قوله :﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ يقول : بغياً على الدنيا، وطلب ملكها، وسلطانها. فقتل بعضهم بعضاً على الدنيا من بعد ما كانوا علماء الناس.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله :﴿فَإنْ حَاجُّوكَ﴾ قال : إن حاجك اليهود، والنصارى. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، ونحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس :﴿وَقُلْ للَّذِينَ أُوتُوا الكتاب﴾ قال : اليهود، والنصارى ﴿والأميين﴾ قال : هم : الذين لا يكتبون.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله :﴿فَإنْ حَاجُّوكَ﴾ قال : إن حاجك اليهود، والنصارى. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، ونحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس :﴿وَقُلْ للَّذِينَ أُوتُوا الكتاب﴾ قال : اليهود، والنصارى ﴿والأميين﴾ قال : هم : الذين لا يكتبون.