الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ﴾ : يعني ( بالدين الطاعة والملّة ) لقوله :﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾.
وفتح الكسائي ومحمد بن عيسى الاصفهاني ألف ( إنَّ ) رداً على ( أنَّ ) الأُولى في قوله :﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ﴾ يعني : شهد اللَّه أنَّه، وشهد أن الدين عند اللَّه الإسلام، وكسر الباقون على الابتداء. والإسلام ( من السلم : الإيمان والطاعة ) يُقال : أسلم أي : دخل في السلم. وذلك كقولهم : أستى وأربع وأمحط وأخبت : أي دخل فيها.
سفيان : قال قتادة : في قولهِ :﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ﴾ قال :( شهادة ) أن لا اله إلا اللَّه. والإقرار بأنَّها من عند اللَّه، وهو دين اللَّه الذي شرع لنفسهِ، وبعث به رسله ودلَّ عليه أولياءه ولا يُقبل غيره ولا جزى إلاَّ بهِ.
﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ الآية، قال الربيع : إنَّ موسى ( عليه السلام ) لما حضرته الوفاة دعا سبعين حبراً من أحبار بني إسرائيل، واستودعهم التوراة، وجعلهم أمناء عليها، واستخلف يوشع بن نون.
فلمّا مضى القرن الأول والثاني والثالث وقعت الفرقة بينهم، وهم الذين أوتوا الكتاب من أبْنَاء أولئك السبعين حتى أوقعوا بينهم الدماء، ووقع الشر والاختلاف وذلك ﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ يعني : بيان ما في التوراة ﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ : أن طلبها للملك والرئاسة والتحاسد والمناقشة ؛ فسلط اللَّه عليهم الجبابرة.
وقال بعضهم : أراد ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ : في نبوة محمد ﷺ إلاَّ من بعد ما جاءهم العلم، يعني : بيان نعته وصفته في كتبهم.
وقال محمد بن جعفر عن الزبير : نزلت هذه الآية في نصارى نجران ومعناها :﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ هو الإنجيل في أمر عيسى ( عليه السلام )، وفرَّقوا القول فيه إلاَّ من بعد ما جاءهم العلم، بأن اللَّه واحد، وأنَّ عيسى عبدهُ ورسوله ﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ : أي للمعاداة والمخالفة.
﴿وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ : لا يحتاج إلى عقد وقبض يد.
وقال الكلبي : نزلت في يهوديين تركوا اسم الإسلام وتسمَّوا باليهودية والنصرانية، قال اللَّه تعالى :﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ قال : دين اللَّه هو الإسلام بغياً منهم فلمّا وجدا نظيره قوله :
﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] فقالت اليهود والنصارى : لسنا على ما سميتنا بهِ يا محمد إنَّ اليهودية والنصرانية سبّ هو الشرك، والدين هو الإسلام ونحن عليه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى