غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿سيغلبون ويحشرون﴾ بياء الغيبة : حمزة وعليّ وخلف وعباس مخير. الباقون بتاء الخطاب ﴿ترونهم﴾ بتاء الخطاب : أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب. الباقون بالياء ﴿مثليهم﴾ بضم الهاء : سهل ويعقوب وكذلك ما انفتح قبل الياء مثل ﴿بجنتيهم﴾[سبأ: ١٦] ﴿رأى العين﴾ بغير همز : أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف. الباقون بهمزة ساكنة ﴿أونبئكم﴾ بهمزة غير ممدودة بعدها واو مضمومة : ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب غير عباس وأوقية وأبي شعيب ونافع غير قالون. ﴿آونبئكم﴾ بالمد والواو المضمومة : يزيد وقالون وعباس وأوقية وأبو شعيب. الباقون بهمزتين هشام يدخل بينهما مدة. ﴿ورضوان﴾ بضم الراء حيث كان : الأعشى والبرجمي وافقا يحيى وحماداً إلا في ﴿من اتبع رضوانه﴾
[المائدة: ١٦] في المائدة ﴿أن الدين﴾ بفتح " إن " علي. الباقون بالكسر. ﴿وجهي﴾ بفتح الياء : أبو جعفر ونافع وابن عامر غير النجاري عن هشام وحفص والمفضل والأعشى والبرجمي. ﴿ومن اتبعني﴾ بإثبات الياء في الحالين : سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل وافق أبو عمر وأبا جعفر ونافع غير قالون في الوصل. ﴿ويقاتلون الذين﴾ : حمزة ونصير في رواية علي بن نصير. الباقون ﴿ويقتلون﴾. ﴿ليحكم﴾ بضم الياء وفتح الكاف : أبو جعفر. الباقون بالعكس.
الوقوف :﴿جهنم﴾ ط، ﴿المهاد﴾ ه، ﴿التقتا﴾ ط لأن التقدير منهما فئة أو إحداهما. ﴿العين﴾ ط ﴿من يشاء﴾ ط ﴿الأبصار﴾ ه، ﴿والحرث﴾ ط ﴿الدنيا﴾ ج للفصل بين النقيضين مع اتفاق الجملتين. ﴿المآب﴾ ج ﴿من ذلكم﴾ ط لتناهي الاستفهام. ﴿من الله﴾ ط ﴿بالعباد﴾ ج للآية على جعل " الذين " خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين، أو مدحاً على " أعني الذين " ولجواز أنه نعت للعباد أو للمتقين. ﴿النار﴾ ج لأن " الصابرين " يصلح بدلاً من " الذين " والوقف أجود نصباً على المدح. ﴿بالأسحار﴾ ط ﴿إلا هو﴾ ط للعطف، ولو وقف احترازاً عن وهم دخول الملائكة وأولو العلم في الاستثناء والمشاركة في الألوهية كان جيداً. ﴿بالقسط﴾ ط، ﴿الحكيم﴾ ط إلا لمن قرأ " إن " بالفتح على البدل من " أنه " ﴿الإسلام﴾ ه، ﴿بينهم﴾ ط لإطلاق حكم غير مخصوص بما قبله. ﴿الحساب﴾ ه ﴿ومن اتبعن﴾ ط لابتداء أمر يشمل أهل الكتاب والعرب، والأول مختص بأهل الكتاب فلم يكن الثاني من جملة جزاء الشرط، ﴿أأسلمتم﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿اهتدوا﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف. ﴿البلاغ﴾ ط، ﴿بالعباد﴾ ه، ﴿بغير حق﴾ ز لمن قرأ ﴿ويقاتلون﴾ لعدول المعنى من قوله ﴿يقتلون﴾ ﴿أليم﴾ ه، ﴿والآخرة﴾ ز للابتداء بالنفي مع اتحاد المقصود. ﴿من ناصرين﴾ ه، ﴿معرضون﴾ ه، ﴿معدودات﴾ ص لأن الواو للعطف أو الحال. ﴿يفترون﴾ ه، ﴿يظلمون﴾ ه.
قال الكلبي : لما ظهر رسول الله ﷺ بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام، فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه : ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي ﷺ الذي يخرج في آخر الزمان ! فلما دخلا على النبي ﷺ عرفاه بالصفة والنعت فقالا : أنت محمد ؟ قال : نعم. قالا : وأنت أحمد ؟ قال : نعم. قالا : إنا نسألك عن شهادة فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك. فقال لهما رسول الله ﷺ : سلاني. قالا : أخبرنا من أعظم شهادة في كتاب الله فأنزل الله على نبيه ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ فأسلم الرجلان وصدقا رسول الله ﷺ.
ووجه النظم أنه مدح المؤمنين وأثنى عليهم بقوله :﴿ربنا إننا آمنا﴾ ثم بين أن دلائل الإيمان ظاهرة جلية.
واعلم أن الشهادة من الله تعالى ومن الملائكة ومن أولي العلم يحتمل أن تكون بمعنى واحد، ويحتمل أن لا تكون كذلك.
أما الأول فتقريره من وجهين : أحدهما أن الشهادة عبارة عن الإخبار المقرون بالعلم، فهذا المعنى مفهوم واحد وهو حاصل في حق الله تعالى وفي حق الملائكة وفي حق أولي العلم. أما من الله فذلك أنه أخبر في القرآن أنه إله واحد لا إله إلا هو وذلك في مواضع كثيرة كالإخلاص وآية الكرسي وغيرهما، التمسك بالدلائل السمعية في هذه المسألة جائز لأن العلم بنبوّة محمد ﷺ لا يتوقف على العلم بها. وأما من الملائكة وأولي العلم وهم الذين عرفوا وحدانية الله تعالى بالدلائل القاطعة، فكلهم أخبروا أيضاً أن الله واحد لا شريك له. وثاني الوجهين أن تجعل الشهادة عبارة عن الإظهار والبيان. فالله تعالى أظهر ذلك وبيّن بأن خلق ما يدل على ذلك، والملائكة وأولو العلم أظهروا ذلك وبينوه. أيضاً الملائكة للرسل والرسل للعلماء والعلماء لعامة الخلق. فالتفاوت إنما وقع في الشيء الذي به حصل الإظهار والبيان. فأما مفهوم الإظهار والبيان فشيء واحد في حق الكل، فكأنه قيل للنبي ﷺ : إن وحدانية الله تعالى أمر قد ثبت بشهادة الله وشهادة جميع المعتبرين من خلقه، ومثل هذا الدين المبين والمنهج القويم لا يضعف بمخالفة بعض الجهال من النصارى وعبدة الأوثان، فاثبت أنت وقومك يا محمد على ذلك، فإنه هو الإسلام والدين عند الله هو الإسلام.
وأما الثاني فهو قول من يقول شهادة الله تعالى على توحيده عبارة عن أنه خلق الدلائل الدالة على توحيده، وشهادة الملائكة وأولي العلم عبارة عن إقرارهم بذلك ونظيره قوله تعالى :﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾[الأحزاب: ٥٦] فالصلاة من الله غير الصلاة من الملائكة. فإن قيل : المدعي للوحدانية هو الله. فكيف يكون المدعي شاهداً ؟ فالجواب أنه ليس الشاهد بالحقيقة إلا الله لأنه خلق الأشياء وجعلها دلائل على توحيده، ثم وفق العلماء لمعرفة تلك الدلائل والتوصل بها إلى معرفة الوحدانية، ثم وفقهم حتى أرشدوا غيرهم إلى ذلك ولهذا قال :﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله﴾[الأنعام: ١٩].
وفي انتصاب ﴿قائماً بالقسط﴾ وجوه :
الأول أنه حال مؤكدة والتقدير : شهد الله قائماً بالقسط، أو لا إله إلا هو قائماً بالقسط. وهذا وجه لكون الإلهية والتفرد بها مقتضياً للعدالة مثل : هذا أبوك عطوفاً. أو لا رجل إلا عبد الله شجاعاً. ويحتمل أن يكون حالاً من " أولي العلم " أي حال كون كل واحد منهم قائماً بالقسط في أداء هذه الشهادة.
الثاني أن يكون صفة للمنفي كأنه قيل : لا إله قائماً بالقسط إلا هو. وقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف.
الثالث أن يكون نصباً على المدح وإن كان نكرة كقوله :
ويأوي إلى نسوة عطلوشعثاً مراضيع مثل السعالى
ومعنى كونه قائماً بالقسط قائماً بالعدل كما يقال : فلان قائم بالتدبير أي يجريه على سن الاستقامة، أو مقيماً للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآحال، ويثيب ويعاقب وفيما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض والعمل على السوية فيما بينهم. واعلم أن وجوب الوجود يلزمه الغنى المطلق والعلم التام والفيض العام والحكمة الكاملة والرحمة الشاملة وعدم الانقسام بجهة من الجهات وعدم الافتقار بوجه من الوجوه إلى شيء من الأشياء وعدم النقص والنقض في شيء من الأفعال والأحكام إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى والصفات العليا. ومركوز في العقل السليم أن من هذا شأنه لا يصدر منه شيء إلا على وفق العدالة وقضية التسوية ورعاية الأصلح عموماً أو خصوصاً. فكل ما يخيل إلى المكلف أنه خارج عن قانون العدالة أو يشبه الجور أو القبح، وجب أن ينسب ذلك إلى قصور فهمه وعدم إحاطته التامة بسلسلة الأسباب والمسببات والمبادئ والغايات، فانظر في كيفية خلقه أعضاء الإنسان حتى تعرف عدل الله وحكمته فيها، ثم انظر إلى اختلاف أحوال الخلق في الحسن والقبح والغنى والفقر والصحة والسقم وطول العمر وقصره واللذة والألم، واقطع بأن كل ذلك عدل وصواب. ثم انظر في كيفية خلقه العناصر وأجرام الأفلاك والكواكب وتقدير كل منها بقدر معين وخاصية معينة، فكلها حكمة وعدالة. وانظر إلى تفاوت الخلائق في العلم والجهل والفطانة والبلادة والهداية والغواية واقطع بأن كل ذلك عدل وقسط، فإن الإنسان بل كل ما سوى الله تعالى لم يخلق مستعداً لإدراك تفاصيل كلمات الله. فالخوض في ذلك خوض فيما لا يعنيه بل لا يسعه ولا ينفعه إلا العلم الإجمالي بأنه تعالى واحد في ملكه، وملكه لا منازع له فيه ولا مضاد ولا مانع لقضائه ولا راد، وأن الكل بقضائه وقدره، وفي كل واحد من مصنوعاته ولكل شيء من أفعاله حكم ومصالح لا يحيط بذلك علماً إلا موجده وخالقه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. هذا هو الدين القويم والاعتقاد المستقيم، والعدول عنه مراء، والجدال فيه هراء. فمن نسبه إلى الجور في فعل من الأفعال فهو الجائر لا على غيره بل على نفسه إذ لا يعترف بجهله وقصوره، ولكن ينسب ذلك إلى علام الخفيات والمطلع على الكليات والجزئيات من أزل الآزال إلى أبد الآباد. ومن زعم أن شيئاً من الأشياء خيراً أو شراً في اعتقاده حسناً أو قبيحاً بحسب نظره خارج عن مشيئته وإرادته فقد كذب ابن أخت خالته، لأنه يدعي التوحيد ثم يثبت قادراً آخر أو خالقاً غير الله تعالى، ولا خالق إلا هو، فلهذا كرر مضمون الشهادة وقال :﴿لا إله إلا هو﴾ والتقدير : شهد الله أنه لا إله إلا هو.
وإذا شهد بذلك فقد صح أنه لا إله إلا هو كقولك : الدليل دل على وحدانية الله، ومتى كان كذلك فقد صح القول بوحدانية الله. وفيه إيقاظ لأمة محمد أن يقولوا على وفق شهادة الله والملائكة وأولي العلم ﴿لا إله إلا هو﴾ وإعلام بأن هذه الكلمة يجب أن يكررها المسلم ما أمكنه.
هو المسك ما كررته يتضوّع ***. . .
ثم أكد كونه منفرداً بالألوهية وقائماً بالعدل بقوله :﴿العزيز الحكيم﴾ فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إشارة إلى كمال العلم. ولا تتم القدرة إلا بالتفرد والاستقلال، ولا العدالة إلا بالاطلاع على المصالح والأحوال.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿ستغلبون﴾ إشارة إلى أن المبتلى بالكفر مغلوب الحكم الأزلي بالشقاوة ﴿ربنا غلبت علينا شقوتنا﴾[المؤمنون: ١٠٦] ثم مغلوب الهوى والنفس والشيطان ولذات الدنيا. فبغلبات النفس والهوى يرد إلى أسفل سافلي الطبيعة فيعيش فيها ثم يموت على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه في قعر جهنم وبئس المهاد، مهاد مهده في معاشه. ﴿قد كان لكم آية في فئتين التقتا﴾ إن لله تعالى فئتين في الظاهر من المؤمن والكافر، وفئتين في الباطن من القلب وصفاته والنفس وصفاتها الذميمة، ولهما الحرب والالتقاء على الدوام وهو الجهاد الأكبر ﴿والله يؤيد بنصره من يشاء﴾ من القلب وجنوده وهم الروح والسر والأوصاف الحميدة والملائكة، ومن النفس وأعوانها وهم الهوى والدنيا والأوصاف الذميمة والشياطين ثم أخبر عن جنود الفئتين وأعوان الفرقتين بقوله :﴿زين للناس﴾. واعلم أن الله خلق الخلق على طبقات ثلاث : العوام ويعبر عنهم بلفظ الناس والغالب عليهم الهوى وهم أصحاب النفوس، والخواص ويعبر عنهم بلفظ المؤمن وهم أرباب الأرواح والغالب عليهم التقوى، وخواص الخواص ويذكرهم بلفظ الولي ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾[يونس: ٦٢] والغالب فهيم المحبة والشوق. ثم إن لجهنم سبع دركات محفوفة بالشهوات. فأشار بالنساء إلى شهوة الفرج، وبالبنين إلى شهوة الطبيعة الحيوانية المائلة إلى الولد، وبالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة إلى شهوة الحرص على المال، وبالخيل المسوّمة إلى شهوة الجاه والخيلاء بالركوب عليها، وبالأنعام إلى شهوة الجمال والاقتناء
﴿ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون﴾[النحل: ٦] وبالحرث إلى شهوة الحكم والرياسة على الرعايا وأهل القرى. ثم ذكر درجات الجنات الثمانية للخواص منها التقوى للذين اتقوا والرضا بالقضاء ﴿ورضوان من الله﴾ والإيمان ﴿ربنا إننا آمنا﴾ والصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار بالأسحار هذه جنات عاجلة تجري من تحتها الأنهار الألطاف والواردات. والأزواج المطهرة الأخلاق الفاضلة التي تتولد منها، فإذا عاش في الجنات مات وحشر كذلك. ثم أشار إلى أحوال خواص الخواص مستورة من نظر الخواص محفوظة عن فهم العوام بقوله :
﴿والله عنده حسن المآب﴾ ما احلولى لهم الدنيا يا دنيا مري على أوليائي ولا وقفوا عند جنة المأوى ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾[النجم: ١٧] وإنما طلبوا قرب المولى ﴿للذين أحسنوا الحسنى﴾[يونس: ٢٦] ﴿شهد الله﴾ بكلامه الأزلي عن عمله السرمدي على ذاته الأحدي وكونه الصمدي ﴿أنه لا إله إلا هو﴾ وهي شهادة الحق للحق بالحق أنه الحق، وهو متفرد بهذه الشهادة الأزلية الأبدية لا يشاركه فيها أحد، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات، فشهادته لا تشبه الشهادات. شهد بجلال قدره على كمال عزه حين لا حين ولا أين ولا عقل ولا جهل ولا غير ولا شرك ولا عرش ولا فرش ولا الجنة ولا النار ولا الليل ولا النهار ولا الجن ولا الإنس ولا الملائكة ولا أولو العلم ولا الإنكار ولا الإقرار، فأخبر الذي كان عما كان كما كان وهو أنه لا إله إلا هو، ثم أبدع الموجودات كما شاء على ما شاء لما شاء.
فكل جزء من أجزائها، وكل ذرة من ذراتها، بوجوده مفصح، ولربوبيته موضح، وعلى قدمه شاهد، ولكن ينبوع ماء التوحيد هو القدم فجرى في مجاري أنهار المحدثات إلى أن ظهر من عيون الملائكة وأولي العلم. ثم الملائكة وإن كانوا مظهر ماء التوحيد كما كان أولو العلم، ولكن اختص أولو العلم منهم بمشربية ﴿وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها﴾[الفتح: ٢٦].
لي سكرتان وللندمان واحدةشيء خصصت به من بينهم وحدي
فحقيقة معنى الآية : شهد الله أنه لا إله إلا هو وهو قائم بالقسط على أمور عباده حتى يشهد على شهادته الملائكة وأولو العلم. ثم فائدة التكرار بقوله ﴿لا إله إلا هو﴾ عائدة إلى أولي العلم الذين لهم شركة مع الملائكة في مظهرية ماء التوحيد بالشهادة، ولهم اختصاص بالمشربية لماء التوحيد فشاهدوا حقيقة ﴿لا إله إلا هو العزيز﴾ الذي لا يشاهد عزته إلا أعزته من بين البرية ﴿الحكيم﴾ الذي بحكمته اختارهم لهذه العزة من جملة الخليقة. ﴿وما اختلف الذين أوتوا الكتاب﴾ الاختلاف في الصورة من نتائج تناكر الأرواح في عالم المعنى والأرواح فما تعارف منها في الميثاق لتقاربهم في الصف أو لتقابلهم في المنزل ائتلف، وما تناكر منها لتباعدهم في الصف أو لتدابرهم في المنزل اختلف. ﴿إلا من بعد ما جاءهم العلم﴾ فيه أن العلم مظنة الحسد، ولكن المحمود منه ما يخص باسم الغبطة. ﴿ويقتلون النبيين﴾ الإنسان خلق مستعداً لقبول فيض صفات لطف الحق وقهره، فكما أن كمال الإنسان في قبول فيض اللطف أن يفدي نفسه في متابعة الأنبياء حتى يكون خير البرية، فنقصانه في قبول فيض القهر أن يقتل الأنبياء حتى يكون شر البرية، فلهذا تحبط أعماله ولا ترجى توبته وترجى توبة إبليس ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب﴾ فيه إشارة إلى أن من أوتي حظاً من العلم فعليه إذا دعي إلى حكم من أحكام الله أو إلى ترك الدنيا ومخالفة الهوى أن يمتثل وينقاد وإلا كان مغروراً بالدنيا مفترياً في الدعوى، وهذه حال أكثر من أوتي نصيباً من علم الظاهر ولم يؤت حظاً من علم الباطن، فهم أهل العزة بالله فكيف حال المغرورين إذا جمعهم الله ؟

تفسير هذه الآية من كتب أخرى